16 November,2018

التجاذبات السياسية تبقي لبنان بلا موازنة وسيف ”البطلان“ مسلّط على الانفاق منذ 11 سنة!  

علي-حسن-خليل-و-سلاممع بدء العقد الثاني العادي لمجلس النواب، وتجديد انتخاب هيئة مكتب المجلس وأعضاء اللجان النيابية، ومع استمرار البحث في مصير الجلسات التشريعية التي أعلن الرئيس نبيه بري عن عزمه الدعوة الى عقدها قبل انتهاء العقد الثاني مع نهاية سنة 2016، لا شيء يوحي بامكان إحالة الحكومة مشروع موازنة 2017 على مجلس النواب لدرسها واقرارها على رغم ان وزير المال علي حسن خليل أرسل منذ منتصف تموز (يوليو) الماضي مشروع قانون موازنة 2017 الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، عارضاً امكانية اقرارها بمرسوم… إلا ان مجلس الوزراء لم يدرس هذا المشروع تمهيداً لإحالته، وهو تجاوز بذلك المهلة الدستورية التي تشير الى وجوب إحالة مشروع الموازنة قبل بدء العقد العادي الثاني للمجلس النيابي في أول ثلاثاء يلي 15 تشرين الأول (أكتوبر) من كل سنة. وعندما يُسأل وزير المال عن مصير مشروع الموازنة يرفع يديه الاثنتين ويقول: <أنا عملت واجباتي… والحق مش عليّ>!

وعليه، تتوقع مصادر حكومية معنية، ان يدخل لبنان سنته الحادية عشرة من دون موازنة، الأمر الذي يجعل من كل انفاق أو جباية ــ حسب المصادر نفسها ــ مشوباً بعدم الشرعية، والبعض يذهب الى حد القول بـ<البطلان>، لعدم مراعاة مسار اقرار الموازنة كما ينص الدستور. إضافة الى انه لن يكون في مقدور <حكومة المصلحة الوطنية> مجتمعة ــ هذا إذا اجتمعت ــ أن تصدر الموازنة بمرسوم وفقاً لما تنص عليه المادة 86 من الدستور، لأنها أولاً لم تقر الموازنة وفقاً للأصول، ولأن مجلس النواب لم يشرع بدراستها في العقد الثاني الذي يُفترض أن يُخصص للبحث في الموازنة. وتضيف المصادر ان الظروف السياسية الراهنة في لبنان، والتجاذبات التي تزداد حدتها يوماً بعد يوم، ستفرض ألا يكون للبنان موازنة جديدة، وستبقى موازنة العام 2005 آخر موازنة تم اقرارها وفقاً للأصول، علماً انه ليس هناك قطوعات حساب نهائية وموافق عليها ديوان المحاسبة منذ 1993… الى اليوم!

تفادي <نبش> دفاتر الماضي!

صحيح ان السياسة لعبت دورها منذ العام 1993 لعدم السير وفقاً للأصول في التصديق على قطوعات الحساب النهائية لاعتبارات عدة أبرزها عدم الرغبة في <نبش> دفاتر الماضي، إلا ان الصحيح أيضاً ان مثل هذا التدقيق من شأنه أن يلقي الضوء على مخالفات مالية حصلت على مرّ الأعوام وليس من مصلحة أحد، لاسيما الجهات المعنية التي تولت وزارة المال خلال هذه السنوات، العودة الى الماضي على رغم امتلاكها <تبريرات> يراها البعض <منطقية> ويرفضها البعض الآخر. ومن الواضح انه لم يعد في مقدور الحكومة التعاطي وفقاً للنصوص الدستورية والقانونية مع مشروع الموازنة لأنها لو أرادت ذلك لوجب عليها ارسال مشروع القانون الخاص بالموازنة منذ 3 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري الى مجلس النواب. وبذلك فقدت الحكومة حقها الدستوري ــ في ظل الشغور الرئاسي ــ في ان تصدر الموازنة بمرسوم، علماً ان امكانية فتح دورة استثنائية ــ في حال عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية ونتيجة تعذر اتفاق الوزراء على فتحها ــ ليست واردة في حسابات أحد.

إلا ان الوزير خليل، كما تؤكد مصادره، لا يزال يعمل على اقناع الرئيس سلام والمرجعيات السياسية الممثلة في الحكومة كي يصار الى درس الموازنة في مجلس الوزراء، لاسيما وان المشروع وضع على لائحة جدول الأعمال، لكن تاريخ درسه في مجلس الوزراء لم يتحدد بعد. ولم تلق مساعي الوزير خليل بعد التجاوب المطلوب كي تقر الحكومة مشروع الموازنة، في وقت ترى مصادر وزارية وأخرى نيابية معنية انه من الصعب أن تمرّ الموازنة في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين المحددة دستورياً لأن الأجواء <غير مريحة> لمثل هذه الخطوة ما سيفرض اللجوء الى تدابير استثنائية لا يمكن أن يتخذها إلا مجلس النواب من خلال اقرار تشريعات تجيز توسيع <سقف> الاعتمادات المالية، كما حصل في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وتكرر مع حكومة الرئيس سلام في ما عُرف بـ<تشريع الضرورة>. لذلك تتجه الأنظار الى المداولات الدائرة لتسهيل انعقاد مجلس النواب إذا ما توافرت مناخات ايجابية تحقق ذلك بعد تذليل اعتراضات النواب المسيحيين على الجلسات التشريعية، علماً ان ثمة من لا يزال يرى انه لا تشريع يسبق انتخاب رئيس الجمهورية علىأساس ان مجلس النواب بات هيئة انتخابية منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان، في حين يرى آخرون ان لا تشريع ما لم يكن قانون الانتخابات النيابية هو البند الأول على جدول أعمال الجلسة التشريعية.

أرقام…

تجدر الإشارة الى ان مشروع الموازنة الذي رفعه الوزير خليل الى مجلس الوزراء، يتضمن تقديراً للنفقات الاجمالية (الجارية والاستثمارية) بنحو 24 ألفاً و700 مليار ليرة مع احتساب تكلفة سلسلة الرتب والرواتب، من ضمنه 7 آلاف مليار ليرة لسداد خدمة الفوائد والتي ارتفعت أرقامها بنحو 400 مليار عما رصد لها في العام 2016. وتتضمن أرقام النفقات مبالغ دعم كهرباء لبنان بـ2100 مليار ليرة، إضافة الى تكلفة التوظيف الجديد. أما الايرادات، فيقدرها المشروع بنحو 16800 مليار ليرة، مع اقتراح سلسلة من الاجراءات الضريبية التي يتوقع أن يكون لها مردود بنحو 2400 مليار. وبالتالي فإن العجز المرتقب هو في حدود 7800 مليار ليرة، وهو رقم يشكل نسبة 9,5 بالمئة الى الناتج المحلي الاجمالي، ونحو 31,7 بالمئة الى النفقات. ومن أبرز الاجراءات الضريبية المقترحة، رفع معدل الضريبة على القيمة المضافة (TVA) الى 11 بالمئة، وفرض رسم على عقود البيع العقارية بنسبة 2 بالمئة، وفرض غرامة على إشغال الأملاك العمومية، ورفع معدل الضريبة على شركات الأموال الى 17 بالمئة، وفرض رسوم على خروج المسافرين جواً وبحراً.