19 November,2018

التبـاين في المواقف حيال زيــارة الــوزراء الثلاثــة لدمشــق هــزّ وحـدة الـحكومــة وتـضـامنهــا... لـكـنــه لــن يسقـطـهــا!

 

 

الوزراء-الثلاثة---1الزيارات التي قام بها وزراء الزراعة والصناعة والأشغال العامة والنقل، السادة: غازي زعيتر وحسين الحاج حسن ويوسف فينيانوس الى دمشق الأسبوع الماضي، لم تكن الأولى من نوعها إذ سبق لهؤلاء الوزراء أن زاروا العاصمة السورية إفرادياً وبصفة خاصة، إلا ان زيارات الأسبوع الماضي اكتسبت طابعاً خاصاً لأنها تمّت بتغطية إعلامية واسعة من جهة، ورافقتها حفاوة سورية رسمية مميزة من جهة ثانية، وأتت ثالثاً ترجمة – كما كانت <الأفكار> قد أشارت إليه في عدد سابق – عن عزم وزراء 8 آذار إثارة موضوع العلاقة مع سوريا وسبب عدم التواصل بين الحكومتين. وعلى رغم أن اقامة <معرض دمشق الدولي> للمرة الأولى منذ سنوات كان الدافع لتلبية الدعوات الرسمية السورية التي وجّهت الى الوزراء الثلاثة، إلا أن مشاركة وزارية لبنانية في التوقيت الراهن حملت اكثر من رسالة في الداخل اللبناني وأعادت إحياء التجاذبات حول العلاقة مع سوريا في ظل التباين العلني في مواقف الوزراء حيال هذه المسألة، كما وجددت الجدال حول التضامن الحكومي الذي بدا غائباً في مقاربة هذا الموضوع بين فريق يجاهر بأهمية العلاقة مع سوريا، وفريق يرفض كلياً هذا الموضوع، وفريق ثالث مع… ولكن!

وتقول أوساط سياسية متابعة ان عدم تبني الحكومة رسمياً زيارات الوزراء الثلاثة، وحرص رئيسها الرئيس سعد الحريري على إعطاء الصفة الشخصية لها، لا يلغي حقيقة حصولها بين وزراء في الحكومة اللبنانية أجروا محادثات مع نظرائهم السوريين وركزوا على التعاون بين البلدين في المجالات الاقتصادية، ناهيك بالعرض الذي قدمته الحكومة السورية لتزويد لبنان بكميات إضافية من الطاقة الكهربائية يمكن أن تصل الى 500 ميغاوات أي أكثر مما سوف تنتجه البواخر الذكية… إذا ما تمّ تصديق العرض الذي تقدمت به. كذلك لا يلغي الموقف الحكومي اللبناني، ما أعلنه الوزراء الثلاثة عن زيارات متبادلة مع نظرائهم السوريين وعن تعاون مرتقب مع رجال الأعمال السوريين في إطار فعاليات <معرض دمشق الدولي> الذي شارك فيه عارضون من لبنان يمثلون مؤسسات صناعية وتجارية منوعة.

وتوقعت الأوساط نفسها أن تتفاعل الزيارات الوزارية لدمشق كونها تزامنت مع الانجازات العسكرية التي تحققت في جرود عرسال بعد تطهيرها من مسلحي <جبهة النصرة> في عملية عسكرية مشتركة بين حزب الله والقوات السورية النظامية التي آزرت من الناحية السورية، وكذلك دحر الجيش اللبناني لتنظيم <داعش> الذي انتشر مسلحوه في الجرود قبالة رأس بعلبك والقاع في معركة أطلق عليها اسم <فجر الجرود> حقق فيها الجيش انجازاً عسكرياً غير مسبوق من حيث المهلة الزمنية القصيرة التي أنهى خلالها وجود الارهابيين على الحدود اللبنانية لجهة السلسلة الشرقية.

 

مكاسب سياسية سورية

 

وتضيف الأوساط نفسها ان الفريق الوزاري اللبناني المتناغم والذي يمثل حركة <أمل> وحزب الله وتيار <المردة> لم يحقق مكاسب اضافية من هذه الزيارة المثلثة لأن علاقة الأحزاب الثلاثة مع النظام السوري قديمة ومستمرة ترتكز على خط الممانعة الذي برز أكثر فأكثر بعد اندلاع الحرب في سوريا. في حين أن المكاسب السورية من هذه الزيارات كثيرة، لاسيما وانها أتت لتتوج الحملة التي يقودها النظام السوري احتفاء بتوفير شبكة الامان العسكرية والامنية للعاصمة السورية، وعلى وقع ما يسميه <الانتصارات> التي حققها الجيش السوري على أكثر من جبهة، وتلك التي أحرزها حزب الله في القلمون الشرقي وصولاً الى تلال عرسال اللبنانية. كذلك فإن النظام السوري يكون من خلال المشاركة الوزارية اللبنانية، قد كسر حصاراً عربياً يتعرض له منذ أن قررت جامعة الدول العربية تعليق عضوية سوريا فيها. ذلك أن النظام السوري تعامل مع الزيارة الوزارية المثلثة على أنها تتجاوز التبادل الديبلوماسي القائم بين البلدين ومن خلال وجود سفيرين في كل من بيروت ودمشق، لأنها ترفع مستوى التعاون الى المصاف الوزاري، مع ما شمل ذلك من دلالات في هذه المرحلة بالذات. من هنا – تضيف الاوساط نفسها – يمكن فهم الحفاوة التي لقيها الوزراء الثلاثة و<الاهتمام الاعلامي> المميز إذ تولى <التلفزيون السوري> نقل وقائع وصولهم الى محلة المصنع عند الحدود اللبنانية – السورية وواكب لقاءاتهم ومؤتمراتهم الصحفية وكل <حركة> قاموا بها بالصوت والصورة.

غير أن ثمة من يرى أنه مع استعادة النظام السوري أحد وجوه شرعيته العربية، وإن كانت محدودة ومتواضعة قياساً الى حجم المقاطعة العربية شبه الشاملة، فإن ذلك لن يحدث أي تطور على صعيد العلاقة الرسمية اللبنانية – السورية، طالما ان رئيس الحكومة سعد الحريري يصرّ على عدم تغطية أي تواصل مع الحكم السوري، وهو وإن لم يعترض على أن تكون الزيارات الوزارية <شخصية>، إلا أنه ليس في وارد إضفاء أي طابع رسمي عليها بدليل أن الزيارات لم تعرض على مجلس الوزراء تفادياً للإحراج. في حين أن وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري الذي يمثل تكتل التغيير والإصلاح في الحكومة، طلب موافقة مجلس الوزراء لتلبية دعوة نظيره السوري لحضور <معرض دمشق الدولي>، إلا أن هذا الطلب لم يعرض على مجلس الوزراء، واعتبر الوزير خوري أن عدم عرض طلبه إضافة الى موقف رئيس الحكومة يعنيان أن لا موافقة، فآثر البقاء في بيروت ولم يذهب الى دمشق، علماً ان ثمة من تحدث عن زيارات شبه دورية يجريها وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية الدكتور بيار رفول الى دمشق بعلم رئيس الجمهورية وبموافقة منه.

 

<تضامن> باسيل مع الحريري

والجدل من الزيارات الوزارية لسوريا ظهّر حجم التضامن الذي يقوم راهناً بين الرئيس الحريري والتيار الذي يرأسه، ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل والتيار الذي يرأسه، لاسيما وان باسيل اتخذ موقفاً متقدماً لم يكن مضطراً لاتخاذه والإعلان عنه لولا رغبته في الوقوف الى جانب رئيس الحكومة الذي اعطى للزيارات الوزارية الطابع الشخصي، فقد أعلن باسيل في احدى تغريداته على <تويتر> ما يأتي: <عبّرنا عن الرغبة الاقتصادية بحضور <معرض دمشق> وعن الارادة السياسية بعلاقة جيدة مع سوريا، اما وقد عرض الموضوع على مجلس الوزراء من دون الموافقة، فلم يعد يصح الذهاب لأن مشاركتنا أردناها رسمية باسم لبنان، وبالنسبة الى المشاركة الفردية فهي شأننا ونحن نقوم بها كما يلزم>.

وقد اعتبرت الاوساط المتابعة ان موقف باسيل ميّز بين ما هو رسمي وبين ما هو خاص في العلاقة مع سوريا، الأمر الذي أثار علامات استفهام حول تموضع الوزير باسيل كوزير من جهة، وكرئيس للتيار الوطني الحر من جهة اخرى، بالنسبة الى حلفائه في حزب الله الذي يدعو أمينه العام السيد حسن نصر الله صراحة الى اعادة التواصل رسمياً مع النظام السوري، فضلاً عن موقف رئيس الجمهورية الذي لم يقطع صلته بالرئيس السوري بشار الاسد، وإن كان الأمر يقتصر على تبادل البرقيات حيناً، وعلى رسائل غير مباشرة أحياناً، ولا يخلو الأمر من تواصل هاتفي من وقت لآخر. وفي هذا السياق أكدت مصادر مطلعة ان الوزير باسيل أراد من موقفه هذا عدم إبقاء الرئيس الحريري وحيداً في ما يصدر عنه من مواقف حيال الاتصال مع سوريا، وهو – أي باسيل – وقف في منتصف الطريق إذ لم يجارِ الرئيس الحريري في مواقفه المتشددة من الموضوع السوري كما انه لم يعترض على التواصل <الفردي> الذي يقوم به هو أيضاً بعيداً عن الاعلام.

وفي الإطار نفسه، قال مصدر وزاري من فريق 8 آذار لـ<الأفكار> إن على الرئيس الحريري أن يتحضّر في الآتي من الأيام لمقاربة مسألة العلاقات اللبنانية – السورية من زاوية ضرورة احترام الاتفاقات الثنائية المعقودة بين البلدين والتي لم تُلغ حتى الآن، وكذلك الواقع القانوني المتمثل بوجود المجلس الاعلى اللبناني – السوري الذي لا يزال أمينه العام نصري الخوري يمارس مهامه في كل من بيروت ودمشق، وهو شارك بهذه الصفة الى جانب الوزراء زعيتر والحاج حسن وفينيانوس في المحادثات مع نظرائهم السوريين، ما أضفى على هذه المحادثات الصفة الخاصة التي كانت تتمتع بها العلاقات بين لبنان وسوريا. ولعل ما يعزز الطرح المتوقع من وزراء 8 آذار ونوابها، تلك الدعوة التي أطلقها الرئيس نبيه بري للمعترضين على الزيارة الوزارية الثلاثية بأن <يلحقوا حالن> في فتح الابواب مع دمشق والتدقيق في لائحة الدول العربية التي تعيد فتح قنواتها مع دمشق ومن بينها بلدان خليجية، وهو قال: <العالم تبدّل يا اخوان حيال التعامل مع سوريا>.

 

8 آذار تتقدم و14 آذار تنكفئ

ويتحدث المصدر الوزاري عن أسباب معاودة وزراء 8 آذار الى فتح هذا الملف، فيشير الى أن هذه القوى التي كانت قد انكفأت لفترة ما أفسح في المجال الى تقدم تيار 14 آذار، تشعر اليوم انها بدأت تستعيد الإمساك بالمشهد السياسي الداخلي مستفيدة من انكفاء أفرقاء 14 آذار، بدليل الغطاء الذي وفّره الرئيس بري لزيارة الوزراء الثلاثة، وعدم اعتراض الرئيس عون عليها. لذلك بدأت قوى 8 آذار تتحدث بصوت عالٍ هذه المرة عن أن سياسة <دفن النعامة رأسها في الرمال> لم تعد تنفع، لاسيما وان الوقائع والمعلومات المتوافرة لدى هذه القوى تؤكد ان التوجه الدولي حيال سوريا بدأ يتغير، وان محاورة النظام السوري القائم آتية لا ريب فيها بدليل وجود عدد كبير من الشركات العالمية في <معرض دمشق>، وهذه ما كانت لتشارك في المعرض لولا <غض نظر> من دولها ان لم نقل ان تشجيعاً حصل لهذه المشاركة. والانفتاح الدولي نحو سوريا أتى هو أيضاً كمحصلة لاستمرار دمشق في مقاتلة الإرهاب الذي ينكفئ تدريجاً في سوريا والعراق ولبنان، ليظهر في مدن أوروبية تشهد يوماً بعد يوم اعتداءات ارهابية كتلك التي حصلت في برشلونة وفنلندا والمانيا وإن كانت نسبة هذه الاعتداءات متفاوتة.

وهكذا يتوقع أن يعود ملف العلاقات مع سوريا ليفرض نفسه على مجلس الوزراء وليكرس واقع انقسام الحكومة على ملف خلافي جديد ظل حتى الأمس القريب بعيداً عن طاولة مجلس الوزراء، وإن كانت المظلة الواقية ستبقى فوق الحكومة لتجنيبها المصير المحتوم الذي يحلو للبعض الترويج انها ستقع فيه عاجلاً أم آجلاً بسبب التجاذبات السياسية الحادة بين اعضائها من جهة، وعدم القدرة على معالجة الخلافات الاساسية على نحو حاسم. ولا تخفي الاوساط المتابعة بأن الفريق الوزاري الذي يعارض أي تواصل مع سوريا أصيب بنكسة نتيجة لأنه رضخ، ولو على مضض، لضغط وزراء <أمل> وحزب الله و<المردة> لإتمام الزيارة الثلاثية لدمشق من دون موافقة رئيس الحكومة شخصياً او مجلس الوزراء مجتمعاً، وهذا يعني استطراداً أن القطيعة الحكومية مع نظام الرئيس السوري بشار الاسد لم تعد قطيعة شاملة، علماً أن واقع الامر يؤكد انها لم تحصل عملياً بالمرّة لأن التنسيق الأمني مستمر، واستجرار الكهرباء لم يتوقف، والكثير من المسائل المشتركة لا تزال تُحل كما كانت في زمن الوصاية السورية على لبنان!