18 November,2018

التأخير في تشكيل الحكومة وانعكاسه السلـبــــي عـــلـى الـوضــع الاقـتـصـــادي!

 

بقلم طوني بشارة

منذ ثلاثة أشهر تقريبا ومعظم الأحزاب والتيارات والقوى السياسية تحرص وبكل مناسبة على التصريح والتذكير بضرورة تشكيل الحكومة الجديدة بأسرع وقت ممكن، خاصة ان هناك عشرات بل مئات الملفات العالقة التي تحتاج إلى قرارات سريعة وإلى الكثير من العمل الجدي.

هذا على الصعيد الداخلي، اما عالميا فلا يمكننا ان نتناسى الوعود التي قطعها لبنان في <مؤتمر سيدر> الشهير والتي تنص على البدء بعدد كبير من الإصلاحات الجدية والجوهرية، مقابل الحصول على الدعم المالي الضروري لإنعاش الاقتصاد وتحسين البنى التحتية وجذب الاستثمارات من جديد.

 وعود وقرارات عالقة يقابلها تخبط لبنان في دوامة الحصص الوزارية، حصص للوصول اليها ضربت القوى السياسية بكل فئاتها عرض الحائط مصير البلد ومستقبله، وذلك في سبيل الحصول على حقيبة سيادية تنفعها في الانتخابات المستقبلية، حقيبة تم تفضيلها على الوضع الاقتصادي للبلد الذي بات للأسف اشبه بالرجل المريض القابع في غرفة الانعاش منتظرا علاجاً او ترياقاً يقيه من شر الموت المحتم، فهل تتفق القوى السياسية على الحصص والمقاعد الوزارية؟ وفي حال عدم الاتفاق هل سيحصل الانهيار فعلاً؟ وهل <خطّة ماكينزي> التي تم وضعها قادرة على إنتشال لبنان من المشاكل الاقتصادية المتراكمة؟ وهل الحكومة المنتظرة قادرة فعلا على تطبيق الإصلاحات المطلوبة؟ وكيف ينعكس هذا التخبط على موسم الصيف؟ وماذا عن نسب النمو المتوقّعة؟

عجاقة وسندات <يوروبوند>!

 البروفيسور جاسم عجاقة أشار الى ان ثلاثة أشهر قد مرت تقريبا على تكليف الرئيس الحريري تشكيل حكومة ما بعد الإنتخابات، ولكن حتى الساعة تعوق الخلافات على الحصص الوزارية عملية التشكيل، وهذا الواقع يُعقّد وضع المالية العامّة ويُنذر بخسائر قد تصل إلى عدّة ملايين من الدولارات إضافة إلى إرتفاع عجز الموازنة، وتابع عجاقة قائلا: تظهر البيانات التاريخية لأسعار سندات الخزينة <يوروبوند> أن أسعار سندات الخزينة على 5 سنوات لا تتأثر كثيراً بالأحداث السياسية التي تعصف بلبنان على عكس سندات الخزينة على 20 عاماً والتي تتأثر بشكل كبير بالأحداث السياسية، وهذا يعني باللغة الاقتصادية أن الأسواق مُستعدّة لتمويل عجز الدوّلة وحاجتها للأموال على الأمد القصير إلى المُتوسّط ولكن ليس البعيد، والمُلفت في الأمر أن سندات الخزينة <يوروبوند> 20 سنة، تتأثر كثيراً بالأحداث التي تطال الحكومة مثل استقالة الرئيس الحريري في تشرين الماضي وعودته عنها كما وتأخر تشكيل الحكومة حالياً، وبنسبة أقلّ بكثير بالأحداث الأخرى مثل الإنتخابات النيابية.

وتابع عجاقة:

ــ  هذا الأمر يعني أن الأسواق المالية تستخدم الحكومة وعملها كمؤشر أساسي في بلد يفرض دستوره أن تُتخّذ القرارات في مجلس الوزراء بالتوافق (المادة 65 من الدستور)، من هنا تربط الأسواق أي عمل استثماري بمدى توافق الفرقاء السياسيين الذي يُتوّج عادة بعمل حكومي مُنتظم وخال من العراقيل.

عجاقة والبيئة النقدية!

وعن اثر البيئة الاقتصادية على البيئة المالية النقدية في ظل عدم تشكيل الحكومة نوه عجاقة قائلا:

ــ  يعمد الكثيرون إلى مزج البيئة الاقتصادية مع البيئة المالية والبيئة النقدية، وهذا المزج يؤدّي إلى استنتاجات خاطئة في ما يخصّ دراسة تداعيات تعطيل العمل الحكومي إن من خلال عدم القدرة على تشكيل الحكومة أو من خلال الخلافات التي قد تطال عملها، فالبيئة الاقتصادية تحوي النشاط الاقتصادي من عمليات تجارية وكل ما يدور في فلكها، في حين أن البيئة المالية تحوي المالية العامّة وما يواكبها من عجز ودين عام، أما البيئة النقدية فأنها تحوي الشق المُتعلّق بالعملة من سعر صرف، سعر فائدة، إحتياط ونظام مصرفي، وهذه البيئات تعمل بشكل مُستقل ولكن هناك قنوات تؤثر كل بيئة من خلالها على البيئتين الأخريين، وهذه القنوات ثلاث ألا وهي: ميزان المدفوعات، عجز الموازنة، وسعر الفائدة.

ــ وماذا عن هذه القنوات الثلاث؟

ــ  ان ميزان المدفوعات هو عبارة عن معادلة حسابية تنصّ على جمع الحساب الجاري، الحساب المالي وحساب رأس المال، والحساب الجاري يحوي على التبادل التجاري بين لبنان والعالم ويشمل تبادل السلع والخدمات، ويتم حسابه من خلال الفارق بين الصادرات والواردات، ويُضاف إلى هذا الحساب الاستثمارات وتحويل الأموال من العمال المُغتربين، كما وتحاويل الأموال التي تأتي من الهبات.

وأضاف:

ــ  اما الحساب المالي وحساب رأس المال فيحويان على تدفقات رأس المال بين البلد وباقي الدول حيث تنقسم هذه التدفقات إلى أربعة أنواع: الاستثمارات الأجنبية المباشرة، المحافظ الاستثمارية، المُشتقات المالية، والإحتياطات من الأصول الأجنبية والذهب التي هي في عهدة المصرف المركزي.

ــ في أي حساب تقع المشكلة في لبنان؟

– الحفاظ على توازن ميزان المدفوعات (أي بقيمة صفر) هو <هدف ماكرو اقتصادي> ويجب أن يكون من صلب إهتمامات الحكومة ولكن أيضاً من إهتمامات المصرف المركزي، وبالتالي، فإن هذا المؤشر يُمكن إعتباره مؤشرا أساسيا لعمل البيئات الثلاث، وفي لبنان المُشكلة الأساسية هي في الحساب الجاري الذي يُسجّل عجزاً هائلاً ومُزمناً، وهذا العجز في الميزان الجاري سببه العجز في الميزان التجاري (28 بالمئة من الناتج المحلّي الإجمالي) والناتج عن ضعف الاستثمارات في لبنان بما يجعل لبنان غير قادر على التصدير (2.9 مليار د.أ) مقارنة بالاستيراد (17 مليار د.أ).

وتابع عجاقة:

– وبما أنه من المفروض زيادة الاستثمارات في الماكينة الاقتصادية اللبنانية لتعويض هذا العجز، نرى أن عجز الموازنة الناتج عن الإفراط في الإنفاق وضعف المداخيل من الضرائب على نشاط اقتصادي ضعيف لا يسمح بتمويل أيّة استثمارات من قبل الدوّلة، وعلى العكس ما يقوم به مصرف لبنان لتعويض هذا العجز هو رفع الإحتياطي من العملات الأجنبية وجذب رؤوس الأموال من الخارج (هذا ما تنصّ عليه النظرية الاقتصادية).

ــ إذاً، الوضع كما يبدو يعتبر غير طبيعي، فهل يمكن الاستمرار به؟

– هذا الوضع غير الطبيعي لا يُمكن الاستمرار به والسبب يعود إلى العوامل الآتية:

أولاً: زيادة الدين العام الناتج عن العجز المُزمن في الموازنة والذي بدأ يتحوّل ميكانيكياً إلى دين عام، هذه الزيادة في الدين العام ترفع من خدمته وتؤدّي إلى تراجع تصنيف لبنان الإئتماني مما يعني إلزامية رفع الفائدة للاستمرار بجذب رؤوس الأموال.

ثانياً: عجز الموازنة يؤدّي حكما إلى تراجع قدرة الدولة على الاستثمار، وبالتالي وفي ظل الوضع الحالي فإن المداخيل من الضرائب لا تكفي لتغطية الإنفاق العام وخدمة الدين العام وذلك بحكم تراجع النشاط الاقتصادي، وحتى ان طبقت فرضية زيادة الضرائب كما ينصح صندوق النقد الدولي، فهناك استحالة لرفعها بدون أن يكون هناك تحفيز للنشاط الاقتصادي لأن الضرائب هي على هذا الأخير.

ثالثاً: عجز الموازنة وكما سبق الذكر، سيؤدّي إلى تردّي تصنيف لبنان الإئتماني ومعه سترتفع الفوائد بما يعني استحالة الاستدانة بهدف الاستثمار نظراً للكلفة التي سترتفع، أضف إلى ذلك، ان حاجة الدولة إلى الاستدانة في الأسواق تجعلها تتنافس والقطاع الخاص على الأموال من خلال رفع الفوائد على سندات الخزينة، وهذا الأمر يحرم القطاع الخاص من الأموال بهدف الاستثمار.

واستطرد عجاقة قائلاً:

– من هذا المُنطلق، نرى أن الحلقة الأضعف بين البيئات الثلاث الآنفة الذكر هي البيئة المالية أي المالية العامّة والتي بتردّيها يوماً بعد يوم تُضعف معها البيئتين الأخريين، كما أن أسعار سندات الخزينة الطويلة الأمد والتي تتأثر بالتخبّط السياسي تمنع أي تمويل بهدف الاستثمار، لذا نرى أن كل تأخر في تشكيل الحكومة له تداعيات سلبية على:

أولاً: المالية العامّة بالدرجة الأولى ومعها تردّي في البيئتين الاقتصادية والنقدية بحكم الآليات الآنفة الذكر.

ثانياً: الماكينة الاقتصادية بحكم أن الأسواق المالية تُصنّف الحكومة وعملها كمؤشر أساسي للتمويل على الأمد البعيد وهو ما يتطلّبه الاستثمار، وتُشير حساباتنا إلى ان قيمة الخسائر المُباشرة وغير المُباشرة لتأخر تشكيل الحكومة قد تصل إلى حدود الـ 500 مليون دولار أميركي إذا لم تُشكّل الحكومة قبل نهاية شهر آب/ اغسطس.

وأضاف:

– لذا نرى أن من الضروري الإسراع في تشكيل الحكومة لتحقيق خطوتين أساسيتين: تنفيذ مشاريع <سيدر 1> والعمل على لجم العجز في الموازنة، ذلك ان تنفيذ مشاريع <سيدر 1> سيزيد من مدخول الدولة (ضرائب على عمل الشركات والعمّال) وسيُحفّز القطاع الخاص على الاستثمار مما يخلق تفاعلا إيجابيا، أما لجم العجز فستكون له تداعيات إيجابية على خدمة الدين العام وعلى الاقتصاد من ناحية خفض الفائدة، وبالتالي تشجيع الاستدانة بهدف تمويل الاستثمارات.

حبيقة والتهويل بالانهيار الاقتصادي!

اما الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة فاشار الى ان الكلام الذي نسمعه عن إمكانية حدوث انهيار اقتصادي ومالي في لبنان، هدفه التهويل والتخويف والضغط السياسي ليس أكثر .. فالمشكلة في لبنان اليوم ليست مشكلة اقتصادية بل هي مشكلة <إدارية فسادية سياسية> إذا صح التعبير، تنعكس على الاقتصاد.

فالوضع الاقتصادي متشنّج بدون شك، والقطاعات الاقتصادية في حالة ركود وتراجع، وهناك تعثّر اقتصادي ومالي، ولكن السبب الرئيسي هو سوء الإدارة والفساد المستشري في مؤسسات الدولة، لذلك اعتقد ان كلمة انهيار اقتصادي هي كلمة كبيرة جدا وفضفاضة.

وتابع حبيقة قائلا:

– ولكن هذا الحديث لا يعني أنه لا يوجد مشكلة في التأخر بتشكيل الحكومة، فالحكومة يجب ان تتشكل بأسرع وقت ممكن، ومن واجب السلطة السياسية والرئيس المكلّف تشكيل الحكومة بغض النظر عن الأوضاع الاقتصادية.

 ــ هل <خطّة ماكينزي> قادرة على انتشال لبنان من المشاكل الاقتصادية المتراكمة؟

 – باعتقادي أن خطّة <ماكينزي> لم تقدّم أي شيء جديد، فكل النقاط التي تضمنتها الخطة هي مشاكل نعرفها جميعاً، والكل على دراية بمكامن الخلل وبأماكن الهدر والفساد وغيرها من الأمور الاخرى، ولكن تكليف <ماكينزي> جاء بهدف إعطاء الدولة موقفاً قوياً خلال المفاوضات الخارجية، خاصة ان إسم <ماكينزي> له ثقل كبير على المستوى العالمي.

ورغم ذلك، فإن المبلغ الذي تم دفعه لهذه الشركة كبير جدا مقارنة بالدراسة أو الخطة التي قدّمتها للبنان.

حبيقة والتخبط!

 وفي ما يتعلق بالتأخير بتشكيل الحكومة بسبب الخلافات ومدى قدرة الحكومة الجديدة على تطبيق الاصلاحات نوه حبيقة قائلا:

– ان الطريقة التي يتم فيها تشكيل الحكومة وتقاسم الحصص الذي يحصل علناً وعلى وسائل الإعلام هو امر لا يبشّر بالخير بدون شك، فهذه الطريقة في تشكيل الحكومات لن تساعد في رفع إنتاجية الحكومة بل على العكس، وبالتالي ستكون هناك صعوبات كبيرة امامها لإتخاذ القرارات المناسبة في ما يتعلّق بالفساد والهدر والبدء بالإصلاح الحقيقي.

وأضاف:

– لذلك اعتقد ان العمل يجب ان يتركز على تشكيل حكومة متجانسة بدلا من تقاسم الحصص، وعلى بعض القوى السياسية ان تبقى خارج الحكومة وأن تشكل معارضة فعلية قوية قادرة على محاسبة الحكومة الجديدة ومراقبتها، فإذا كانت كل القوى السياسية ممثَلة في الحكومة، فمن سيحاسبها إذاً على قراراتها؟!

  وعن انعكاسات التخبط على موسم الصيف افادنا حبيقة:

 – لا اعتقد ان هناك تأثيراً كبيراً للخلافات السياسية الراهنة على موسم الصيف، فالسياح والمغتربون يبدأون عادة بالتخطيط لموسم الصيف منذ شهر أذار/ مارس، وبالتالي فإن الراغبين بالقدوم قدّ اتخذوا قرارهم منذ فترة، ولكن حتى الآن لا نرى حركة مرضية بالنسبة للسياح الأجانب والعرب، وحتى المغتربين أيضاً.

وتابع قائلاً:

– برأيي أن لبنان لا يعمل بالشكل المطلوب لاستقطاب السياح، خاصة انه لا يسعى لمنافسة الأسعار التي تقدّمها الدول المجاورة كتركيا ومصر وقبرص، إذ ان الأسعار في لبنان ما زالت مرتفعة للغاية مما يحد من عدد السياح الراغبين بالقدوم، خاصة ان الدول المذكورة تقدّم نوعية فاخرة جدا من السياحة والضيافة.

 ــ وماذا عن نسبة النمو المتوقعة؟

 – لا اعتقد ان النمو سيتخطى النسبة التي تحدث عنها صندوق النقد الدولي، وهي 1.5 بالمئة  أو 2 بالمئة  كأقصى حد، وعلى الرغم من ان هذه النسب غير كافية لاقتصاد يعاني من مشاكل متعددة كاقتصادنا، ولكنه يبقى أمرا مهما أننا ما زلنا قادرين رغم الظروف الصعبة على إبقاء نسب النمو إيجابية وليس سلبية.