16 October,2019

الباغور السورية شاهد على نهايــة تنظيم “داعش”!

 

بقلم علي الحسيني

 

بعد سنوات طويلة من القتل والتنكيل والاجرام، وبعد استحداث مؤسسات تُعنى بكل شاردة وواردة تبدأ بالإفتاء ولا تنتهي بالمشاريع التي كانت تدر عليه أموالاً طائلة بطرق غير شرعية، ها هو تنظيم <داعش> الإرهابي يحتضر بشكل لم يكن يتخيله أو يتوقعه أحد بما فيهم أولئك الذين خططوا له  ودعموه وسلحوه وأطالوا بعمره لهذه الحرب. بسرعة فائقة سقط الوهم الذي لم يكن يرتضي لدولته مساحة تقل عن مساحة العالم العربي كخطوة أولية على طريق <احتلال> العالم للوصول إلى أسلمته، لكن على الطريقة الخاصّة به والبعيدة كل البعد عن ما أنزل الله به في الشرع الإسلامي.

نهاية حقبة <جهاد النكاح>

 

مساحة لا تتجاوز مئات الأمتار في بلدة الباغوز شرقي سوريا، تفصل عن نهاية <داعش> واحتضاره كليّاً في سوريا، فهذا الجيب الصغير الذي يتحصّن في داخله خوفاً من إبادة قد يتعرض لها ما تبقى من عناصر <التنظيم>، يشهد اليوم على نهاية حقبة إجرامية كان السيف فيها العدل وقطع الرؤوس هو دستوره و<جهاد النكاح> عنوانها الأبرز. يوم الأربعاء الماضي دعا تنظيم <داعش> عناصره في شمال سوريا وشرقها إلى <الثأر> من الأكراد الذين باتوا يحاصرون مقاتليه في بقعة محدودة في بلدة الباغوز ويقتربون من إعلان انتهاء <الخلافة المزعومة>. وناشد المتحدث باسم التنظيم <أبي الحسن المهاجر>، في تسجيل صوتي من اسماهم <رجالات الدولة> في محافظات دير الزور والرقة والحسكة بالثأر، وطالبهم بتفجير العبوات

الناسفة ونشر القناصة وإعداد المفخخات. لكن في المقابل، كانت <قوات سوريا الديمقراطية>، المدعومة بقوة جوية وقوات خاصة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، تواصل عملية دفع داعش إلى التقهقر من أغلب الركن الشمالي الشرقي من البلاد.

المعركة استمرت 30 يوماً منذ إعلان إطلاقها في 9 شباط 2019. وكان التحالف الدولي قد فتح ممراً آمناً من المخيم، ليخرج منه عشرات آلاف المدنيين، والمئات من عناصر التنظيم. وتخلل تلك المدة قصف مكثف من <التحالف الدولي> وهجمات متعددة من <قسد>، ومقاومة من <الدواعش> معتمدين على السيارات المفخخة و<الانغماسيين> وتفخيخ محيط المخيم وإغراق الأراضي الزراعية المحيطة به بالمياه لمنع تحرك الآليات الثقيلة. كما جرت أكثر من جولة تفاوض لإقناع المتبقين من عناصر <داعش> المتشددين بالاستسلام، لكن حتى الأمس كان الجيب الصغير المتبقي، لا يزال خارج عن سيطرة التحالف والأكراد. وقد كشفت المعلومات أن <داعش> تمكن من نقل المُعتقلين المهمين لديه وسبائك الذهب، عبر شبكة أنفاقه من مدينة هجين إلى صحراء الأنبار. وبعد استسلام قادة بارزين في التنظيم، واعترافهم أثناء التحقيق معهم، حصل <التحالف> على صناديق مجهولة المحتوى، من مناطق متفرقة شرقي الفرات ونقلها بالمروحيات إلى قاعدة الشدادي. وتضاربت الأنباء عما بداخلها، إن كان ذهباً أو مالاً أو أسلحة.

 

هكذا بدأ تقهقر <الدواعش>

يوم الثلاثاء الماضي فقد <داعش> آخر شبر كان يسيطر عليه، من الأراضي الواسعة التي أعلن عليها <دولة الخلافة> لأكثر من أربع سنوات، هذا إذا تم استثناء الجيب الصغير المجرح أن يسقط بين ساعة وأخرى بعد فتح طريق لعبور العناصر المتحصنة في داخله.. معركة أخيرة، طويلة ودامية في منطقة بالغة الرمزية، جرت في قرية الباغوز الواقعة على الحدود العراقية – السورية. لكن قبلها، كانت قوات <التحالف الدولي> قد حسمت خياراتها، ومنحت عبر قناة التفاوض الميدانية لمن تبقى من عناصر <داعش> في مخيم الباغوز مهلة أخيرة مدتها يومان، لكن عناصر التنظيم هاجموا <قوات سوريا الديموقراطية> بشراسة، بدل أن يستسلموا. هذا الهجوم كان من المفترض أن يتزامن مع موجة عمليات أمنية وعسكرية لخلاياها

النائمة في مناطق سيطرة <قسد>، فقد كان المتحدث باسم <داعش> الملقب بـ<أبو الحسن>، طلب تنفيذ تلك العمليات في تسجيل صوتي له، لكن الهجمات كانت محدودة التأثير للغاية.

 المحاصرون في الباغوز من <داعش>، نجحوا حينها باستعادة العديد من النقاط التي خسروها، وقتلوا 35 عنصراً من <قسد> وجرحوا أضعاف ذلك. ولم يتمكن طيران <التحالف> من القيام بالمساندة الضرورية، بسبب تداخل خطوط الاشتباك وعدم القدرة على التمييز بين المقاتلين. من جهتها استدعت <قسد> رصيدها الاحتياطي من القوات، وتمكنت من تثبيت الموقف ولم تسمح بخرق الطوق المفروض على جيب الباغوز. في اليوم التالي شنت طائرات <التحالف الدولي> والمدفعية هجوماً هو الاعتى على المنطقة، إذ تناوبت 5 طائرات مقاتلة على قصف المكان المطوق لساعات، واتسمت حركتها بالانتظام. ومساء اليوم نفسه، توقفت أصوات الانفجارات العنيفة، ولم يعد يسمع أي صوت في المكان، بما في ذلك أنين المصابين. الجميع كان تحت الصدمة، بما في ذلك عناصر <قسد>، الذين زج بـ1500 منهم، لتمشيط المخيم، تتقدمهم أربع كاسحات ألغام. وكانت الأوامر هي قتل الجميع، وعدم قبول استسلام أحد، خشية الوقوع بكمائن، أو تفجير دواعش أنفسهم بمقاتلي قسد.

وقد عُثِرَ على عشرات الأطفال وعدد كبير من النساء، من عائلات التنظيم أحياءً، بين نحو 350 جثة متفحمة أو ممزقة لأطفال ونساء ورجال. وخرجت امرأة من بين الجثث والمصابين، لتفجّر نفسها، مع اقتراب عناصر <قسد> من المكان، لكنها لم تصب أياً منهم. طفلها الصغير الذي كان برفقتها، نجا أيضاً من الموت بأعجوبة. بدورها قامت <قسد> بإرسال شاحنات لإجلاء النساء والأطفال، نقلت الجرحى، ومعظمهم اصاباته بليغة للعلاج في النقاط الطبية العسكرية.

 

مخيم الباغوز وشبح <داعش>

 

بعد انتهاء المعارك، تبين أن مخيم الباغوز، الذي شكل لغزاً محيراً، ما هو إلا حفرة عملاقة حفرت حديثاً بواسط <بلدوزرات>، بعمق نحو ثلاثة أمتار، تحيط بها سواتر ترابية، ومئات الآليات المعطلة او المحترقة، تجمعت فيها عائلات التنظيم، التي قام بعضها بحفر خنادق إضافية والاختباء فيها، بعد تغطيتها بخيم وقماش. وقد وُجدت مستلزمات عيش بسيطة مثل مواقد غاز وبعض الأطعمة والاغطية والأدوية، في المكان. ووجدت أيضاً كميات هائلة من الاسلحة، خاصة الفردية، وذخائرها، مخزنة في خنادق محصنة جيداً، كما عثر على طائرات مسيرة حديثة، تستخدم للمراقبة، وأجهزة اتصالات فضائية.

عدد القتلى في ميدان العملية قُدر بنحو 350 شخصاً. وقد شوهد بين الجثث عدد لا يستهان به من الأطفال والنساء، إضافة إلى مقاتلين. وشوهد على من لم يكن محترقاً آثار جراح بليغة تلقوها في معارك الايام القليلة الماضية. وتكشف عمليات القصف أن القرار كان بقتل كل من يتحصن هناك، وأن نجاة البعض حدثت بمحض الصدفة. وقيل إن من يعاين المشهد بعد نهاية المعركة، لا يمكنه أن يصفها سوى بأنها <مجزرة الباغوز>. بدورهم مقاتلو <قسد> تبادلوا التهاني بفتور بعد المعركة، فهم يعلمون جيداً أن <داعش> قد انبعث في مناطق سبق وطردوه منها قبل أكثر من سنة، وقتل العشرات من زملائهم. وهم يعلمون جيداً أن المعركة لم تنته فعلياً، وأن عليهم الاستعداد لمعركة أمنية طويلة مع التنظيم الذي زال كشكل مجسد، ربما إلى الأبد. لكن شبح <داعش> ما زال يتحرك، تاركاً أثاره المحسوسة في معظم مناطق سيطرته السابقة.

فتيات في صفوف <قسد>

 

<روجدا> البالغة من العمر (24) سنة، تروي قصة سفرها صيف العام الماضي من بعدها ألمانيا إلى سوريا أكثر البلدان سخونة في الشرق الأوسط منذ العام 2011، واختارت القتال إلى جانب <وحدات حماية المرأة> المنضوية في صفوف <قسد> المدعومة من التحالف الدولي بقيادة أميركية. ذكرت <روجدا> أنها في سوريا لمحاربة عناصر <داعش>،  الذي بث الرعب والخوف خلال الأعوام الماضية، وقالت: <جئت لقتال أكثر التنظيمات تطرفاً. أعمل في مجال الإعلام وتوثيق جرائم وانتهاكات عناصر التنظيم>. وكشفت أنه لا يوجد تواصل مع أسرتها منذ سفرها لكنها جاءت بموافقتهم. وأعربت عن أنها تؤمن بالانتصارات التي حققتها هذه القوات في هزيمة التنظيم شرق نهر الفرات، وقالت: هذا الشعب قاوم أكثر عناصر التنظيم توحشاً. وعندما أشاهد فتيات وسيدات مشاركات في القتال ضد <داعش> يزيد إيماني بأنهنّ مدافعات عن حقوقهنّ وتخليص نساء العالم من إرهاب هذا التنظيم.

كما كثر الحديث عن المقاتلين الأجانب في صفوف تنظيم <داعش> الإرهابي، لكن في المقابل هناك مقاتلات ومقاتلون من دول أجنبية يحاربون هذا التنظيم ضمن صفوف <قسد> في شمال شرقي سوريا. المتطوعات بخبراتهن التي جمعنها أثناء خدمتهن في جيوش بلدانهم، من بينهن المقاتلة الفرنسية <آرين ميرخان>، واسمها مستعار تيمناً بالمقاتلة الكردية التي نفذت عملية انتحارية، أثناء هجوم واسع نفذه عناصر التنظيم على مدينة عين العرب (كوباني)، إذ تقول إنها طالعت قبل عام ونصف العام خبراً بإحدى الصحف في بلادها، عن تحرير <قسد> لمدينة الرقة أبرز معاقل التنظيم سابقاً في سوريا، الأمر الذي دفعها إلى السفر والالتحاق بهذه القوات للمشاركة في العمليات القتالية ضد مسلحي <داعش>. وتضيف: دفعني للمشاركة في القتال مشاهدة مقاطع ذبح صحافيين ومتطوعين في الإغاثة على يد عناصر التنظيم، حيث تركت أثراً عميقاً لدي ولدى الكثير من أمثالي. هذه الجرائم دفعتني لأكون هنا وبموافقة عائلتي.

 

لبنانية هاربة تروي قصتها ونسـوة يهتفن لـ<داعش>

مئات النسوة ممن تهافتت وسائل الاعلام الغربية للحديث معهن أثناء هروبهن من الباغوز، قبل نقلهن إلى مخيم الهول في الحسكة. بعضهن رفضن الحديث، واكتفت أخريات بالهتاف: <دولة الإسلام باقية>. وعبّرت أخريات عن رغبتهن بالعودة إلى بلادهن، وبعضهن رفعن احذيتهن في وجه عدسات الصحافيين. بعضهن أصبحن جثثاً هامدة، عقب اقتحام مخيم الباغوز. ما كان يجمع بين هؤلاء النسوة هو الزي الأسود الذي يُغطيهن من هامة الرأس إلى أسفل القدمين، ويكسوهن بمزيد من الغموض. وهنا بيت القصيد اللبناني. فهي لم تكن تعرف الكثير عن <داعش>، وكل ما كانت تسعى إليه هو الهرب من زوجها. هكذا قالت الفتاة اللبنانية (ح.س)، التي غادرت الباغوز مع ولدها وابنتها، برفقة امرأة روسية من زوجات عناصر التنظيم أيضاً، وسلموا أنفسهم لاحدى نقاط <قسد>. ولأنها بحاجة لمساعدته، فقد روت (ح.س) لقائد النقطة كل حكايتها، وفوق ذلك سلمته هاتفها الجوال الذي تؤكد صوره ورسائله مزاعمها.

هربت (ح.س)، 24 عاماً، من منزل زوجها في البقاع في لبنان، في العام 2016، مع ولديها الصغيرين، وتوجهت إلى مناطق سيطرة <داعش>، لاعتقادها بأن ذويها وزوجها لن يلحقوا بهم إلى هناك. الزوجة الشابة، سرقت عشرة آلاف دولار، من خزانة زوجها، وقد مهدت صديقة مغربية الطريق لـ(ح.س) إلى مناطق سيطرة <داعش>، بعدما كانت قد تعرفت عليها في وسائل التواصل الاجتماعي. وتقول (ح.س) إنها فوجئت بخشونة استقبال عناصر التنظيم لها، إذ قاموا بتحويلها إلى سكن خاص للنساء، يدعى <مضافة النساء>، الإقامة فيه شبه جبرية، ويتم الضغط فيه يومياً على غير المتزوجات والأرامل لتزويجهن من عناصر في التنظيم. إذ لا انتقال من مضافة النساء قبل الزواج. وفي هذه الاثناء اختيرت إحدى الفتيات للزواج من عنصر عراقي الجنسية، وبعد رفضها ووضعها لمدة سنة ونصف السنة في المضافة شبه سجينة، وافقت على الزواج من <ابي صهيب الانباري>، لكن القدر لم يمهله طويلاً، وقتل بضربة جوية لقوات <التحالف> في بلدة البوحسن، بعدما تنقلت معه

في المناطق والقرى بعد انحسار مساحة سيطرة التنظيم.

وتقول إنها استمرت بالنزوح مع ولديها، حتى الوصول إلى الجيب الأخير في الباغوز، وبعد طول تفكير قررت أن تسلم نفسها لـ<قسد>، لكن لم يكن لديها أي خطة. أخبرت (ح.س) قائد المنطقة أنها ستتعرض للقتل على يد أهلها، لو أعيدت إلى بلادها، وناشدته المساعدة، فوعدها وعداً قاطعاً بأن ذلك لن يحدث. وهي اليوم تعيش داخل نقطته العسكرية.

نهاية حقبة ام هناك تتمة؟

من راية مرفوعة فوق مساحات شاسعة من أراضي سوريا والعراق وليبيا وجزء من جرود لبنان، إلى أخرى مرمية على بُعد أمتار من نهر الفرات، هكذا سقطت <دولة الخلافة> التي أعلنها تنظيم <داعش>، بعد خمس سنوات زرع فيها الرعب في كل أنحاء العالم، وفرض قوانينه على <دولته>، التي لم يتبقَ منها شيء فعلياً. لكن يقول البعض إن إعلان قوات <قسد> النصر على التنظيم لا يعني انتهاء خطره، في ظل قدرته على تحريك خلايا نائمة في المناطق الخارجة عن سيطرته، واستمرار وجوده في البادية السورية المترامية الأطراف.

والمفارقة، أن رجل سوري تسعيني كان يقف على مقربة من فلول عناصر وعائلات <داعش> على متن باصات وسيارات عسكرية تابعة لـ<قسد>. تقدم الرجل من شخص كان معروف بأنه <أمير> على المنطقة، وما أن دنا منه حتى توجه اليه بالقول <بدأتم بجهاد النكاح، وانتهيتم وانتم تصرخون كالكلاب عند النباح>.