18 November,2018

البابا: نعمل لبقاء لبنان نموذجاً فريداً في المنطقة عون: خلافاتنا سياسية ولن تكون يوماً دينية

 

pope francisلم تكن الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للفاتيكان في الأسبوع الماضي مجرد تقليد يقوم به رئيس الجمهورية المسيحي الماروني لحاضرة الفاتيكان للقاء رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، بل شكلت محطة مهمة في مسار العلاقات اللبنانية ــ الفاتيكانية لاسيما في التوقيت الذي يشهد فيه الحضور المسيحي في المشرق العربي تراجعاً دراماتيكياً نتيجة الأحداث الدامية التي وقعت في عدد من الدول العربية، لاسيما منها سوريا والعراق واليمن، فضلاً عن الاعتداءات التي تطاول المسيحيين الأقباط في جمهورية مصر العربية من حين الى آخر. ولعل الزيارة التي سوف يقوم بها الأب الأقدس البابا <فرانسيس> الأسبوع المقبل لمصر، تأتي مكملة للقاء قداسته مع الرئيس عون من حيث الشق المتعلق بمسيحيي الشرق الذي استفاض الرئيس عون في الحديث عنه مع البابا أولاً ثم مع أمين سر الدولة البابوية الكاردينال <بيترو بارولين> ووزير الخارجية المونسنيور <بول كالاغار>.

وعلى رغم ان الشق العائلي من زيارة الرئيس عون للفاتيكان أخذ حيزاً من توقيت الزيارة لاسيما خلال استقبال الأب الأقدس للبنانية الأولى السيدة ناديا الشامي عون وكريمات الرئيس ميراي وكلودين وشانتال وأزواجهم روي الهاشم وشامل روكز والوزير جبران باسيل لالتقاط الصور التذكارية، إلا ان الخلوة التي عقدها البابا مع الرئيس عون وامتدت 35 دقيقة كانت كافية لطرح الكثير من المواضيع التي لم تقتصر على الوضع في لبنان، بل تعدته الى الأوضاع في دول الجوار اللبناني خصوصاً ودول المشرق العربي عموماً، واستكمل البحث مع الكاردينال <بارولين> والمونسنيور <كالاغار> حيث كان الدخول في التفاصيل سيد الموقف بالتوازي مع سلسلة أسئلة واستفسارات دلت كم ان الديبلوماسية البابوية حاضرة حتى في التفاصيل التي قد لا يتوقف عندها الكثيرون.

 

ماذا دار في المحادثات؟

 

مصادر ديبلوماسية وأخرى قريبة من قصر بعبدا، لخصت لـ<الأفكار> أبرز ما دار من أحاديث بين الرئيس عون والبابا وكبار معاونيه فأكدت أولاً على الحفاوة التي لقيها رئيس الجمهورية من المسؤولين في الكرسي الرسولي بدءاً من الاستقبال الذي خُص به في قاعدة <تشامبينو> العسكرية، وصولاً الى القصر البابوي والجولة في حدائقه الخاصة التي لا تفتح إلا أمام <الضيوف الأعزاء> للأب الأقدس من زعماء دول العالم وقادته. أما في المضمون فإن الاهتمام البابوي كان ظاهراً من خلال التأكيد على استمرار الفاتيكان في الوقوف الى جانب لبنان واللبنانيين، المسيحيين والمسلمين على حد سواء، في مسيرتهم المتجددة لصناعة مستقبل بلدهم بعد فترة الشغور الرئاسي وفراغ المؤسسات الدستورية، والتي انتهت بانتخاب العماد عون رئيساً وتشكيل حكومة نالت ثقة مجلس النواب، وهذا يعزز ــ حسب الدوائر البابوية ــ الأمل بتعاون مستقبلي متزايد ومثمر بين مختلف المجموعات الاتنية في سبيل تحقيق المصلحة العامة وتطور البلد.

من جهته ركز الرئيس عون، في الشق اللبناني من حديثه في الكرسي الرسولي، على القوة المعنوية والروحية للبابا القادر على مساعدة لبنان في الظروف الصعبة التي يمر بها، خصوصاً ان لبنان يقوم بما يفرضه عليه الواجب الوطني من إعادة النهوض الاقتصادي والاجتماعي بعد انتظام المؤسسات الدستورية، إلا انه يبقى بحاجة الى المساعدة الاقتصادية والسياسية والأمنية على حد سواء ليبقى النموذج الذي يحتذى القادر على لعب دور فاعل في محيطه والعالم. وأبرز الرئيس عون في أحاديثه القيمة التي يمثلها لبنان والتي كانت دائماً محور اعجاب الكرسي الرسولي، بفعل تعدد طوائفه المسيحية والاسلامية والتي تعيش بتناغم منذ تكون الديانات ما جعل أبناء هذه الطوائف يساهمون في الحضارة العربية فحصل تراكم ثقافي عربي مسيحي ــ اسلامي فريد من نوعه.

لبنان ملتقى الحضارات

وفنّد الرئيس عون أمام البابا والكاردينال <بارولين> والمونسنيور <كالاغار>، حقيقة الواقع اللبناني حين قال انه على رغم وجود أزمات سياسية من حين الى آخر يعتقد البعض انها مذهبية أو طائفية، في حين ان الأمر هو خلاف ذلك، لأنه خلاف سياسي وليس له أي طابع ديني، ولا يجب ــ قال الرئيس عون ــ أن يخشى أحد أن يكون هذا الخلاف دينياً لأنه لن يكون كذلك. ما من أحد قاتل الآخر في لبنان بهدف تغيير مذهبه الديني، لذلك فإن لبنان يعتبر مركزاً للتلاقي في العالم بين المسيحية والاسلام بكافة طوائفهما، وكذلك ملتقى لمختلف الحضارات. وسمع رئيس الجمهورية ثناء بابوياً وتشجيعاً للاستمرار في المحافظة على هذه الفرادة وذلك التمييز، مع وعد بابوي بالوقوف دائماً الى جانب لبنان وتشجيعه وتوفير الدعم اللازم له دولياً من خلال علاقات الكرسي الرسولي مع دول العالم. ولم تغب التفاصيل اللبنانية عن المحادثات في الفاتيكان ولاسيما موضوع قانون الانتخابات حيث وجد الرئيس عون الماماً بابوياً بالتفاصيل من النظام الأكثري الى النظام النسبي، والطبعة الجديدة التي تحمل عنوان المختلط. وقدم الرئيس عون لمحدثيه شروحات مستفيضة مركزاً على الثوابت في سياسته في هذا السياق. وسمع الرئيس عون اطراء فاتيكانياً للمصالحة التي تحققت بين المسيحيين <التي كانت ضرورية ومفيدة>.

أما في الشق الخارجي من المحادثات فقد توزعت الاهتمامات بين الوضع المأسوي في سوريا والعراق، وضرورة الوصول الى حل سياسي شامل يعيد الأمن والاستقرار ويقضي على التيارات الارهابية، الى الوضع في فلسطين التي كانت حاضرة في محادثات الفاتيكان حيث أكد الرئيس عون ان جوهر أزمة الشرق الأوسط تبقى القضية الفلسطينية التي لا تزال تنتظر الحلول العادلة والدائمة لها، في وقت تواصل فيه اسرائيل رفضها الانخراط في عملية سلام حقيقية وهي تعمل على افراغ الأراضي المحتلة من أهلها عموماً ومن المسيحيين خصوصاً لأنها لا تنظر الى الفلسطينيين على انهم أصحاب الأرض بل مقيمين فيها. والتقى الجانبان اللبناني والبابوي على تأييد الحل القائم على أساس الدولتين على رغم الممانعة الاسرائيلية لذلك.

 

لبنان في مؤتمر الأزهر

 

ولم يغب موضوع التطرف الاسلامي عن الحوار بين الرئيس عون والبابا والكاردينال <بارولين>، فعرض رئيس الجمهورية للمشاركة اللبنانية في المؤتمر الذي دعا إليه شيخ الأزهر في القاهرة والذي ادرج تحت عنوان عريض هو إعادة نظر المسلمين أنفسهم بما آل إليه الوضع بعد بروز ظاهرة الارهاب وتأثيرها السلبي على دين الاعتدال والتسامح. وهذا التطور في النظرة الاسلامية ترك بصمات ايجابية وصحوة لا بد من مقاربتها ايجاباً كي تتفاعل وتتعمم في وجه التكفيريين والمتطرفين. وقاد الحديث عن الجوار اللبناني شرحاً عن معاناة النازحين السوريين في لبنان والمضاعفات الاقتصادية والمالية السلبية التي انعكست على الاقتصاد اللبناني، فكان طلب من الرئيس عون بتدخل الفاتيكان لدى المحافل الدولية لمساعدة لبنان وتمكينه من الاستمرار في أداء واجبه الانساني تجاه هؤلاء النازحين الذين يجب أن يعودوا الى بلدهم فور ان تسمح الظروف الأمنية إذ لا مجال لبقائهم في لبنان.

وأشارت مصادر الوفد اللبناني الى ان البابا الذي أبلغ أعضاء الوفد رغبته بزيارة لبنان واستمرار الصلاة له، عبّر أيضاً عن محبته للبنانيين وهو الذي تعرف على كثيرين منهم في الأرجنتين حين كان رئيساً لأساقفة بيونس أيرس، وكان اتفاق أيضاً على استمرار التواصل وتبادل وجهات النظر، مع وعد بابوي بالعمل على مساعدة لبنان لاسيما مع الإدارة الأميركية الجديدة التي يخشى لبنان أن تكون مقاربتها للوضع فيه مختلفة عن تلك التي اعتمدتها العهود الرئاسية الأميركية السابقة. في المقابل كان استعداد من الرئيس عون للمساهمة في أي خطوة أو مبادرة من شأنهما المساعدة على تقريب وجهات النظر بين الدول العربية من جهة، وبين بعض هذه الدول وإيران التي أبلغ رئيس الجمهورية الكرسي الرسولي انه يعتزم القيام بزيارة لطهران في القريب.