21 September,2018

الانـتـخـــــابـات الـبـلـديـــــــة تـــــكـرّس قــــــانـون الـسـتـيــــــن!

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

أرادوها معركة سياسية بامتياز – وكلمة <امتياز> دارجة كثيراً في الإعلام – فجاءتهم نتيجة مخيّبة بامتياز. ونحن اللبنانيين لم نعد نميّز بين الأمهات لكثرة ما استُخدمت عبارة <أم المعارك> وضياع الابوات…

<مهضومون> كثيراً إعلاميونا ومراسلونا لأنهم يخاطبوننا بـ<الكرشوني> وكلمات تردّد مئات المرات مثل <يعني> ليتكئوا عليها عند كل تعثر أو إرباك في التعبير عن فكرة أو معلومة أثناء تأديتهم لرسالتهم مباشرة على الهواء…

رحم الله الفكرة الخلاّقة والجملة القصيرة والمعلومة الصحيحة وقصّر عمر الانحطاط!…

هذا في المشهد الإعلامي، أما في المشهد السياسي، فالكوارث دائماً أكبر وأكثر تشويقاً، وما هو أكيد أن الانتخابات البلدية فضحت المستور وخلقت وعياً غير مسبوق لدى الناس وأسست لغدٍ أفضل خالٍ من زغل سياسي أفسد الحياة العامة على مدى عقود طويلة.

إن القيادات الحزبية والسياسية بإصرارها على التعاطي بالشأن البلدي وبهذا الشكل، إنما تسبّبت بخدوش كبيرة لنفسها، وخسرت النسب المئوية التي تباهت بامتلاكها، ولو أنها بقيت على الحياد وتركت المعركة لأهلها لربما كانت حافظت على ما اعتبرته ملكاً لها.

لقد حمّلت هذه القيادات الانتخابات البلدية أكثر مما تحتمل، هي التي تتعاطى أو هكذا يُفترض بالأمور الكبرى والقضايا الكبرى والمبادئ العامة الكبرى، هي التي ترتقي بخطابهــــا الى مستوى الوطن، كيف يُعقـــل أن تبــــالغ الى هــذا الحــدّ في التعـــاطي مع انتخــــابات أهلية بلدية عائلية، كمن يُطلق قذيفة مدفعية على عصفور أو فراشة؟!…

وأي ربح جنته هذه القيادات من هذه العمليات في بلدات وقرى أرادوا استرداد كرامتها، وممّن؟ من أهلها وناسها وعائلاتها؟!

ما الذي أضافته هذه القيادات الى معركة جونية مثلاً؟

أضافت للسيد جوان حبيش عشرة بالمئة على أبعد تقدير، هو الذي حصد في انتخابات سابقة أربعين بالمئة من دون مساعدة الأحزاب.

الأحزاب بكل ثقلها لم تستطع أن تجيّر سوى نسبة ضئيلة من الأصوات إن في بيروت وإن في زحلة وإن في جونية على سبيل المثال لا الحصر.

ومن نتائج انتخابات جبل لبنان أيضاً وأيضاً، أن رئيس حزب الوطنيين الأحرار دوري شمعون استردّ في يوم واحد ما خسره على مدى سنين واستعاد قلب تريسي ابنة شقيقه… صحيح ان لائحته لم تفز بالكامل، ولا حتى بالنصف، إلا أن الصحيح أيضاً أن كثيرين على مساحة الوطن تعاطفوا مع ابن كميل شمعون لسبب يعرفه كل الناس.

ومن النتائج، أن الطامحين للانتخابات النيابية المقبلة من نواب حاليين ومرشحين فتحت شهيّتهم عالياً لإجرائها وفق قانون وحده القادر ربما أو هكذا يعتقدون، على إيصالهم الى ساحة النجمة، ألا وهو قانون الستين الذي لم يرَ الرئيس فؤاد شهاب بدّاً إلا في اعتماده قبل ستة وخمسين عاماً، لإرضاء الزعامات وتخفيف الاحتقانات المتراكمة منذ الأربعينات من القرن الماضي والمستمرة بقوة في الالفية الثالثة.

لقد حدث شيء في لبنان. لقد حدثت أشياء كثيرة وعديدة يسمّيها الزعماء انتصاراً…

تُرى من يقول الحقيقة لهؤلاء؟ لا لشيء الا لكي لا يكونوا غير مطلعين على الواقع.. إننا نخشى أن تكون معلوماتهم الأخرى عن أمور أخرى من هذا القبيل، إننا نخشى على كل شيء في لبنان، ولاسيما إذا استمرّت معظم الشاشات في نقل <الحكي> الرخيص والكلمات الرخيصة والتجييش الرخيص واللغة الضعيفة، لا لشيء إلا لكي ترتفع نسبة المشاهدين…

ألم تلاحظ هذه الشاشات أن الناس عند استصراحها في أثناء العمليات الانتخابية كانت تتكلم لغة واحدة وتجيب على الأسئلة المستفزة بكلمات ملؤها الالفة والمحبة بين ابناء الضيعة الواحدة والمدينة الواحدة؟

إن لبنان الغد، يستشعر من خلال ممارسته عملية الانتخاب أن دوام ذلك كله مرتبط الى حدٍ كبير بإظهار مضمون الديموقراطية وإبرازها أكثر فأكثر، وبترجمة ذلك من خلال توجّه النواب الى ساحة النجمة لانتخاب رئيس للجمهورية كما نزل قادتهم (قادة النواب) الى الساحة العائلية لانتخاب مجالس بلدية، وهذه أولوية لانتظام الحياة العامة قبل أي شيء آخر.

فالمنادون بانتخاب مجلس نيابي جديد وهذا حق، خصوصاً أن قرار المجلس الدستوري المبرّر للتمديد أصبح باطلاً لانتفاء الأسباب، هؤلاء لا يملكون أية ضمانة تتيح للمجلس الجديد انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة جديدة بعد اعتبار حكومة الرئيس سلام مستقيلة بموجب الدستور.

إذاً الأولوية بعد تجربة الانتخابات البلدية، هي لانتخاب رئيس جديد للجمهورية يحفظ الجمهورية ومؤسساتها وكرامة الوطن…