20 September,2018

الاقتصاد العالمي ينتخب للخروج من قمقم التقليديين!

 

بقلم خالد عوض

Emmanuel-Macron-1222  

مهما تراكمت الانتقادات حول كلام أو أداء الرئيس الأميركي <دونالد ترامب>، فهناك أمر أكيد، الأسواق المالية العالمية مرتاحة لوجوده في البيت الأبيض، ليس لأن أداءه يطمئن الشركات بل لأنه يشكل فرصة اقتصادية مختلفة عن السابق. <دونالد ترامب> هو نافذة تغيير ولذلك ارتفع مؤشر <داو جونز> أكثر من ٢٠ بالمئة منذ انتخابه وحتى اليوم مناهزاً لأول مرة في التاريخ مستوى ٢١٠٠٠ نقطة، كما صعد مؤشر <ناسداك> أكثر من ٢٠ بالمئة هو الآخر متجاوزاً منذ أيام ولأول مرة أيضا حاجز الستة آلاف نقطة.

حتى <صندوق النقد الدولي>، المتحفظ دائماً، زاد توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي لهذا العام من 3,1 بالمئة إلى 3,5 بالمئة، وهذا التغيير هو أول رفع يقوم به الصندوق لتوقعاته منذ ست سنوات بعدما ظل يخفضها على الأقل مرة في السنة منذ ٢٠١١.

القلق الذي أصاب الأوروبيين قبيل الدورة الانتخابية الأولى من الرئاسة الفرنسية لم يطل الأسواق. كان هناك مرشحان انقلابيان على وجود فرنسا في <الإتحاد الأوروبي> و<منطقة اليورو> هما: <مارين لوبان> التي تأهلت للدورة الثانية، و<جان لوك ميلانشون> الذي كان مفاجأة الانتخابات بحصوله على 19,2 بالمئة من الأصوات لم تكن كافية لعبوره إلى الانتخابات الفاصلة في ٧ أيار (مايو) المقبل. ورغم استمرار <لوبان> المتطرفة في المنافسة، وعدم وجود خبرة طويلة في الحكم للمرشح الأوفر حظا <إيمانويل ماكرون> ولا وضوح كاملاً في طريقة تنفيذه لبرنامجه الرمادي، الذي ينتقي بعض الأفكار من اليسار وأخرى من اليمين ويصنف نفسه وسطيا، تبدو الأسواق مرتاحة إلى ما يجري في فرنسا.

ماذا يعني كل ذلك؟ باختصار الاقتصاد اليوم يريد التغيير ويتفاعل إيجابياً معه من خلال التحركات التي تشهدها الأسواق المالية.

المؤشرات لا تتفاعل مع شخصية هذا الرئيس أو ذاك بقدر ارتياحها للخروج من التقليد. سيغيب الحزبان الرئيسان في فرنسا عن قصر <الاليزيه> لأول مرة منذ حوالى نصف قرن، والأسواق المالية تقول <نعم> لذلك. <دونالد ترامب> ليس جمهورياً سعد---11بالمعنى التقليدي ولذلك تبدو نظرة الأسواق إليه إيجابية، فقط لأنه <مختلف>.

التغيير السياسي في الغرب يأتي بزخم اقتصادي ومالي. هذا لا يعني أن الأسواق المالية لن تحاسب <ترامب> أو <ماكرون> في المستقبل، ولكنها على الأقل قالت كلمتها في أن عالم اليوم يريد التغيير والخروج من قمقم التقليد.

الاقتصاد في منطقتنا لا بد وأن يتأثر بما يحصل في الغرب اليوم عاجلاً أو آجلاً. هو مشغول اليوم بعبء الإحتلال الإسرائيلي وتبعاته، وبالحروب العسكرية وأخطار الإرهاب التي تهدد كل الدول العربية من دون استثناء، ولكنه لن يتأخر في التعبير عن ضرورة التغيير. التوجه التغييري الذي يصر عليه الاقتصاد ويتفاعل معه إيجابياً جذوره في الجيل الجدي الذي يأتي إلى سوق العمل وسوق الاستثمار. الشباب الذين نشأوا على الانترنت هم اليوم القوة الانتخابية المؤثرة. هؤلاء هم ناخبون بقدر ما هم مستهلكون ومستثمرون ولذلك هم أساس الرياح التغييرية.

المملكة العربية السعودية التقطت منذ أيام النبض التغييري عند الناس بقرارات ملكية نوعية: تعيين أمراء شباب في مناصب قيادية، وإقالة وإحالة وزير الخدمة المدنية إلى التفتيش، والعودة عن قرارات تقشفية لإعادة الحيوية الاقتصادية إلى الأسواق التي تأثرت سلبياً بهذه القرارات. ليس شكل الحكم هو المهم بقدر قربه وتفاعله مع نبض الناس، هذا ما عبّر عنه السعوديون من خلال ارتياحهم وترحيبهم بالقرارات الملكية التغييرية.

رئيس الحكومة سعد الحريري يحاول مؤخراً قيادة نهج تغييري عبر مبادرات متعددة وحضور مختلف. هذا جيد ولكنه غير كاف لأنه يبقى في الشكل. الصورة تغيرت ولكن الأداء لا زال هو نفسه. الشباب يفرحون بالصور ولكنهم لن ينتخبوا من خلال إعجابهم هذا. المطلوب يا شيخ سعد تغيير حقيقي يصيب حياة الناس ولا يشغل الجرائد ومواقع التواصل بصور <مختلفة>.

كيف نقول للناس ان التغيير حاصل عندما يخيرون بين التمديد و<قانون الستين>؟ كيف نقنعهم بالأداء الشبابي عندما تصبح <وزارة مكافحة الفساد> جزءاً من المنظومة الفاسدة؟ كيف يمكن أن يصدقوا أن سياسييهم جديون عندما نسمع الكلام الخشبي نفسه منذ ثلاثة عقود؟

هنــــاك أمـــــر عــــلى العهـــــد الحـــــالي وحكومــــة الحريــــري لمســـــه: لــــن يــــأتي النمــــو الاقتصـــــادي إلى البلد بهذه السلة المهترئة في الأداء والمحتوى.