4 July,2020

الاعــتـــــــــذار يـكـفـــــــي

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208 

الأوراق في لبنان خُلطت مع تبدل الواقع الإقليمي بشكل أساسي، ودخول الاتفاق النووي مرحلة التنفيذ.

كل شيء تقريباً تغيّر في لبنان، ولا مكان للعجب بعد اليوم، ففي هذا البلد <كل شيء بيصير> رحم الله الأخوين رحباني…

فريق 14 آذار سلّم طوعاً الرئاسة الى فريق 8 آذار بمعزل عما يمكن أن تسفر عنه تداعيات هذا التسليم ضمن الفريق نفسه، وصُدم بخروج ميشال سماحة من السجن وبمعزل عما يمكن أن يسفر عنه هذا الخروج المدوّي…

وبعيداً من شكليات إعلان الدكتور سمير جعجع تبني ترشيح العماد ميشال عون للرئاسة الأولى، والقبلات الحارة وتبادل الأنخاب على وقع قالب حلوى <ناصع البياض>، فإن حدث معراب هو أكبر امتحان للموارنة في تاريخ لبنان، وتثبيت لواقع لم يعد في الإمكان تعديله أو تغييره، وهو ان رجال الأزمات يبقون أبطال الحلول ورجال الماضي يبقون أمل المستقبل.

نعم، يجب احترام إرادة الناس ورغبة الموارنة الذين ينادون منذ عقدين بالاتفاق والمصالحة وطي صفحة الماضي السوداء، ولا يريدون بعد الذي آل إليه رهان الماضي ان يراهنوا من جديد على سواد…

لا مجال اليوم لتنغيص فرحة الناس أو إحباطها… فالفرحة يجب أن تتوج في نهاية سعيدة. إلا أن ثمة اسئلة في السياسة وبعيداً من العواطف يجب أن تُطرح مقرونة ببعض الملاحظات:

1 – هل ستُعقد جلسة الانتخاب؟ ومتى؟

2 – هل يمكن فصل الجلسة عن المشهد الإقليمي؟

3 – هل ينزل النواب الى المجلس النيابي لحسم المعركة بين العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية؟

4 – هل ينسحب فرنجية لعون، وهو الذي أعلن استعداده للأمر في حال رشح جعجع عون؟

5 – ما هو موقف الرئيس سعد الحريري الذي أكد منذ أكثر من سنة بأن العامل المقرر في الرئاسة هو توافق المسيحيين على مرشح؟ <ونحن نوافق عليه سلفاً من دون تحفظ>…

6 – هل يصوت الرئيس بري وكتلته للعماد أم للبيك؟ وهو الذي قال في شباط الماضي <الحمد لله هناك حوار اليوم بين الجنرال عون والدكتور جعجع، وقد أعلنت أمس أن أي اتفاق يصل اليه المسيحيون أسير به مثل <البلدوزر>.

7 – هل صحيح أن مرحلة تقاسم المسيحيين انتهت وفق ما أدلى به الوزير السابق وئام وهاب؟

8 – هل يختصر الرجلان المسيحيين؟

أياً تكن الأجوبة، فإن على الموارنة تحديداً، وبعد حدث معراب، أن يدركوا أن المستقبل يمكن أن يكون أسهل من الماضي، إذا أدركت قياداتهم أن المسؤوليات تجاه لبنان وتجاه الطائفة أصبحت كبيرة بحجم العصر الذي نعيش فيه والتحولات الكبرى في المنطقة وربما في العالم.

إن لبنان في حاجة الى رئيس يكون للبنان وليس للطائفة المارونية التي تنظر بعين الى الاجماع وعين الى المعركة، ويدها على قلبها.

إن الموارنة يخوضون اليوم آخر معاركهم، فإذا أنقذوا لبنان، يكونون قد أنقذوا الشعب اللبناني بأسره. ولا يمكن إنقاذ لبنان إلا إذا فكروا بإنقاذ لبنان فقط، لأن خلافاتهم على مدى ثلاثة عقود كانت الكارثة اللبنانية الحقيقية.

لقد خاضت قياداتهم معارك الغاء، جروحها لا تندمل إلا مع مرور الزمن، وفوّتوا فرصاً كثيرة وكبيرة لا تعوّض، وخسروا الجمهورية الأولى لما رفضوا انتخاب رئيس لها ولهم في أيلول 1988 متوافقين على التعطيل.

بقي الموارنة يسألون أنفسهم على مدى ربع قرن، لماذا لم نستطع أن ننتج طبقة سياسية جديدة؟ لماذا لم نتمكن من إيجاد من ينقذ المجتمع المسيحي؟ ومن هو القادر على إيقاظ هذا المجتمع من غيبوبة فكرية وروحية؟ لماذا عشنا كل هذا الوقت في الماضي ولم نطلع منه.. الماضي مضى، وليكن التطلع الى فجر جديد!

إن خيار الدكتور سمير جعجع، وبمعزل عن توقيته، لا شك أنه خيار ذكي ويمكن وصفه بـ<ضربة معلم> وبمدخل حقيقي لإعادة خلط الأوراق…

كما أن زيارة عون لجعجع لم تكن الأولى، لقد فعلها الجنرال في سجن الحكيم…

ولكن…

ألا يتطلب الأمر شيئاً أساسياً تحتاجه الناس ولاسيما المجروحون؟ لم يعد لدى الناس من الوقت لتضيّعه، لقد ضاق الزمن، وكل لحظة منه قياساً الى ظروفها تعادل عمر إنسان…

إن أي لفتة وجدانية كانت لترضي الناس التي اكتوت وأنهكتها الحروب العبثية والأزمات، لقد انتظرت بوعيها ولاوعيها اعتذاراً من قائدين خاضا حرباً مكلفة جداً.. اعتذاراً من الضحايا والأرامل واليتامى…

كبار فعلوها… في أوروبا فعلوها.. بابا روما فعلها…

يمكن أن يستدركا، لم يفت الأوان بعد!