15 November,2019

الاصدقاء والمحبون والزملاء ينعون الفقيد الكبير ويشيدون بمزاياه!

ما أن انتشر خبر وفاة صاحب ورئيس تحرير <الأفكار> الصحافي العريق وليد عوض، حتى انهالت الاتصالات بأسرته معزية بوفاته، وأجمعت التصريحات الرسمية على الإشادة بمناقبيته ودماثة خلقه، ونعاه كل محبيه من أصدقاء وزملاء في المهنة واعلاميين عاصروه لحقبة من الزمن، حيث اتصل رئيس مجلس النواب نبيه بري، بكريمته زينة عوض، مدير تحرير <الافكار>، معرباً لها عن حزنه العميق بفقدان احد عمالقة المهنة الصحافية.

 وتوالت الاتصالات المعزية، والتغريدات التي ترثي الراحل، حيث كان اب

رزها ما كتبه الرئيس الأسبق لمجلس الوزراء نجيب ميقاتي في حسابه الشخصي في <تويتر> عندما قال: خسرت الصحافة اللبنانية والعربية أحد اركانها إبن طرابلس الصديق وليد عوض الذي كان قدوة في نشر الكلمة الطيبة والنقد البناء بعيداً عن التجريح والسلبية. رحمه الله.

وتلقت أسرة الفقيد برقية من رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة جاء فيها:

حضرة المهندس خالد عوض المحترم

جانب عائلة المغفور له وليد عوض وأنسبائهم المحترمين

نشاطركم الأسى والحزن بوفاة فقيدكم وفقيد لبنان المغفور له المرحوم بإذن الله تعالى وليد عوض، <رحمه الله وطيب ثراه>، ونتقدم منكم ومن العائلة الكريمة، ومن أصدقائكم ومحبيكم الكثر، بأحرّ التعازي القلبية، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الفقيد الغالي برحمته الواسعة ويسكنه فسيح جنّاته ويلهمكم جميعاً جميل الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون

وتلقى آل الفقيد برقية من رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي قال فيها:

 

آل عوض وأنسباؤهم المحترمون

تلقينا ببالغ الأسى نبأ وفاة الصديق الأستاذ وليد عوض، ولقد حالت ظروف وجودنا خارج لبنان دون التقدم شخصياً بالعزاء. وإننا إذ نعبّر لكم عن مواساتنا ومشاطرتكم أحزانكم، ندعو الله أن يحيط الفقيد برعايته ورحمته، وأن يلهمكم وعائلتكم الصبر والسلوان.

لكم من بعده طول البقاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ونعاه النائب جان عبيد بكلمة قال فيها:

الصديق الراحل وليد عوض كان من إعلاميي الزمن الجميل اللائق والمتعِب في سبيل مهنة أحبَّها وأتقَنَها، في أصعب الظروف وأحسنها، وقد كان باراً بصداقاته وبأصول المهنة ومستواها ومستلزماتها، معتبراً ان الصحافة تفقد بغيابه نجماً وركناً ومناضلاً أضاف مداميك صلبة إلى هذا الصرح الصحافي العريق العميق الجذور.

 وختم قائلاً: نقدّم تعازينا القلبية الحارة إلى عائلته العزيزة وأسرة مجلة <الأفكار> المتميّزة دائماً بالموضوعية والحوار والودّ النبيل، ونسأل الله أن يجزيه الجزاء السامي ويحلّه في رحاب المؤمنين الخالدين.

وغرد الوزير السابق النائب سمير الجسر على حسابه في تويتر قائلاً:

<بغياب الأستاذ الكبير وليد عوض، خسرت الصحافة ركناً اساسياً من أركانها حافظ على رسالتها كما حافظ على آدابها، في زمن تفتقد فيه

الى الكبار الا ما ندر. كان الرجل الذي بقدر ما يتمسك بقناعاته ومبادئه، لا يترك لمخالف له مجالاً لشكوى او عتب>.

واضاف في تغريدة ثانية: <كما خسرت طرابلس محباً وغيوراً على أمنها واستقرارها وازدهارها… وان غاب عنها يوماً لم تغب عن قلبه لحظة. رحم الله الأستاذ عوض وجعل مسكنه الجنة ان شاء الله>.

كما نعى رئيس تيار <الكرامة> النائب فيصل كرامي، الصحافي وليد عوض، في بيان قال فيه:

خسر لبنان والصحافة العربية رائداً من رواد العمل الصحافي ومدرسة في هذه المهنة الرسالة هو الراحل الاستاذ وليد عوض ابن طرابلس 

الذي ربطتنا به على الدوام علاقات الود والاحترام.

وأضاف: كل العزاء لعائلته الكريمة، وللعائلة الصحافية في لبنان، ولفقيد طرابلس ولبنان الرحمة والذكرى الطيبة مدى الأيام.

كذلك نعى النائب محمد كبارة الصحافي الراحل عوض، في بيان قال فيه: برحيل الصحافي القدير وليد عوض يخسر لبنان أحد أقلامه المبدعة وتخسر طرابلس أحد أعلامها وخسرت الصحافة أحد وجوهها البارزة. رحم الله وليد عوض الذي حمل طرابلس في وجدانه حتى الرمق الأخير.

وكتب رئيس حزب الحوار الوطني النائب فؤاد مخزومي على صفحته في <الفايسبوك>:

رحل اليوم أحد أعمدة الصحافة اللبنانية الصديق الأستاذ وليد عوض رحمه الله. كان الصديق وليد رمزاً للموضوعية والأخلاق والمصداقية، التي نفتقدها اليوم اكثر منّا

في أي وقت مضى، قوّته في صفاء رؤيته وعمق تحليله وصدق مسعاه. كل العزاء لأسرته ومحبيه وعموم أهالي طرابلس وزملائه وعارفيه.

وغرّد وزير العدل السابق اللواء أشرف ريفي عبر <تويتر> وقال:

برحيل الصحافي الأستاذ وليد عوض تخسر الصحافة اللبنانية والعربية كما تفقد طرابلس إسماً لامعاً كتب بقلمه أفكاراً وكلمات ستبقى راسخةً في تاريخ الصحافة اللبنانية، خاتماً بالقول: رحمَ الله الأستاذ وليد عوض والعزاء لعائلته وللأسرة الصحافية.

بدورها، تقدمت أسرة جريدة <الانباء> ومفوض الاعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي رامي الريس بأحر التعازي من عائلة الفقيد ومن الجسم الاعلامي اللبناني والعربي، وقالت في بيان:

غيّب الموت الاعلامي وليد عوض بعد صراع مع المرض، راحلاً وفي جعبته خميرة الزمن الجميل والكثير من ذكريات مهنة المتاعب في هذا الوطن المعذّب. تألق في مسيرته المهنية

والاعلامية في العديد من المحطات، حتى باتت له مجلته الدورية، فكانت <الأفكار> منبراً اعلامياً موضوعياً رئس تحريرها حتى وفاته. وعُرف بنقده البنّاء وبموقفه الشفاف والصريح والمهني، فكان لكلمته ومقالاته في المراحل المصيرية وقعها الخاص وتأثيرها في تكوين الرأي العام، تماماً كما الملفات والقضايا التي كانت تطرحها مجلته وتعالجها.

وكتب ناشر وصاحب السفير طلال سلمان عن <كبار لا يموتون> مقالة تحت عنوان <رحيل قلم رصين: وليد عوض..>، قال فيها:

غيب الموت صحافياً رصيناً وقلماً لم يترك موضوعاً إلا عالجه، وذاكرة مضيئة احتفظت بخبرات ثمينة من تجارب في صحف ومجلات عدة قبل أن يتفرغ الزميل وليد عوض لإصدار مجلته <الأفكار>.

ولقد عانى الزميل الهادئ والمبتسم غالباً ما يعانيه المغامر الذي يرى نفسه صاحب قضية مع شركات الإعلان، وشركة التوزيع، ومع الطبقة السياسية برغم دماثته وابتعاده عن <الحروب> والحملات الدونكيشوتية.

كذلك فلقد أفاد وليد عوض من ذاكرته الممتازة وتجاربه العديدة ليعيد تأريخ مرحلة مهمة من مراحل الحياة السياسية في لبنان، مستعيناً

بأوراق وشهادات ومستندات مهمة سقطت سهواً أو قصت من ذاكرة اللبنانيين.

رحم الله هذا الزميل الودود الذي كان يفضل المشي بين مكتبه ومنزله على ركوب السيارة، موزعاً التحيات والابتسامات على كل من يصادفه عابراً في الطريق.

وكتب الصحافي سمير عطالله في جريدة الشرق الاوسط مقالة تحت عنوان: <غياب صحافي كبير>، قال فيها:

كان وليد عوض من «الشوافع» في الصحافة اللبنانية. أي من كتبة التسامُح والتصافح وتجنب الافتراء والإيذاء والابتزاز، بصرف النظر عن سياسة، أو طبيعة، أو أخلاق المطبوعة التي يعمل فيها. وعندما أصبحت له مجلته الأسبوعية الخاصة، «الأفكار»، حرص على أن تكون مثله تماماً، راقية ومتزنة وغاية في الاجتهاد.

عاش سنواته الطويلة مجتهداً ومؤدباً وباشاً ولا يحسد موظفيه على نجاحهم أو أرزاقهم. ولم يرسل مرة الاتهام الظالم أو الإجرامي المجاني على زميل أو صديق أو عدو. واعتبر أن السبق الصحافي في الاجتهاد والجمال، وليس في البشاعة وعدمية القيم والأخلاق.

وأدرك مبكراً أنه قادر على التميز في «الريبورتاج» فتكرس له. وبرع فيه. وحافظ على مستوى أخلاقي رفيع في علاقاته مع السياسيين والحكام والدول: إذا عارض، كان شريفاً، وإذا والى، كان أديباً. وشاع عنه طوال العمل المهني المديد أنه صحافي بلا أعداء أو خصوم. ولما أصدر «الأفكار» وضع فيها كل خبرته الصحافية، وكل ضوابطه الأخلاقية وقيَمه الوطنية. ولم ينسَ مرة أنه جاء من طرابلس وتقاليدها وكونها أكثر المدن محافظة في لبنان.

وسع آفاقه المهنية بالثقافة والقراءة والسفر. وتقرب من أهل السياسة الذين يفيدون في معرفة التاريخ. وانصرف خلال حقبة طويلة إلى المقابلات التي تثري عمله وقراءه معاً. وظل مجتهداً ومقتصداً في كل شيء. فلم يقلد الناشرين في البذخ والإسراف، ولا عمل بقاعدة «اصرف ما في الجيب يأتِ ما في الغيب». جعل حجم طموحه في نطاق مقدرته، مع أن كفاءته كانت أكبر بكثير.

ظل حسابياً في كل شيء، ومهنياً في كل عمل. لا مبالغة ولا اعترار. لم يذل نفسه للذين أكرموه، ولم يحاول أن يذل الذين حجبوا عنه، أو تجاهلوا الاعتراف به، مع أنه عاش وعمل وبرز، في عصر كانت الصحافة خلاله تقوم أحياناً بقطع الطرق، وتحرض أحياناً على قطع الأعناق. هو، بقي في جانب العقل منها، وفي جانب التعقل من حياته. ولم يكن ذلك سهلاً في جيله. فقد كان التنافس بين من يكون عدوانياً أكثر من الآخر، وبين من يخيف الأوادم أكثر من غيره، وبين من يتخيل صنوف الافتراء أكثر من سواه.

هو كان من «شوافع» المهنة. وظل نقياً برغم التلوث الذي أحاط بها حتى قضى عليها. وبالإضافة إلى ما ترك من مؤلفات جميلة وعمل أنيق، يترك أثره الأهم، «الأفكار»، ونتمنى أن يكون الأبقى أيضاً.

وكتب نائب رئيس المجلس الوطني للاعلام الزميل ابراهيم عوض مقالة بعنوان  <أي سرٍّ في قلم وليد عوض؟!> قال فيها:

هو انسيابي لمّاح. والأهم سلس يسرد الواقعة أو الحدث بأسلوب قصصي مشوّق يُغنيه بروايات من التاريخ أو تجارب عاشها يستحضر تفاصيلها، وإن مرّ عليها الزمن، مستعيناً بذاكرة لا تنضب تميز بها حتى أضحى مرجعاً يلجأ اليه كثيرون ليتزودوا بمخزونه.

لقد أنعم الله سبحانه وتعالى عليّ، وأنا العاشق للصحافة منذ صغري، أن تتلمذت على يد ابن عمي الأستاذ وليد عوض، منذ أن دخلت مدرسة الصحافي الراحل سليم اللوزي صاحب مجلة <الحوادث> التي ذاع صيتها في الستينيات والسبعينيات

بصورة خاصة.

كان ذلك في العام 1968. يوم جاءني المحامي الالمعي الأستاذ باسم الجسر، حامل لقب <منظر الشهابية>، حينذاك الى مكتب صاحب <الحوادث>، ورئيس تحريرها، الكائن في كورنيش المزرعة، والذي أتاح لي فرصة تعلم المهنة قائلاً لي إنني محظوظ <لأن ابن عمك وليد سينضم الينا مديراً للتحرير ولا بد أن يُشرف عليك ويأخذ بيدك>.

فرحت لهذا الخبر. ورحت أعد الأيام التي سأرى فيها ابن العم يستوي على مقعده خلف المكتب في الطابق الثالث. كما أن الزملاء أخذوا يحسدونني كوني سأصبح <مدعوماً>. وثمة من تعمد التودد لي علّه يحظى أيضاً ببركة مدير التحرير القادم الينا.

ما حصل كان عكس التوقعات. فها هو الأستاذ وليد يقسو عليّ أكثر من غيري، موضحاً أنه لا يريد أن يسمع عبارة <عم تغنج ابن عمك> أو تعامله معاملة خاصة غير الباقين. وهذا لعمري كان الدرس الأول لي، حيث أراد صاحبه أن أعتمد على نفسي أولاً، وأن أكون يقظاً في عملي كسكرتير تحرير تقع عليه مسؤولية مراقبة صفحات المجلة قبل طباعتها والتأكد من خلوّها من الأخطاء، سواء بالعناوين أو بالنص أو بالصور وكلامها. من هنا كنت أُطرب عندما يقول لي مبتسماً وهو يشير بابهامه الى عينيه: <ابراهيم كونترول>.

من واجبات سكرتيرية التحرير أن أقرأ ما تيسر من مقالات وتحقيقات معدّة للنشر. ولا أبالغ اذا قلت إن أكثر ما كان يستهويني وأستمتع بقراءته ما يخطه قلم ابن العم، خصوصاً اذا ما كان هناك تحقيق يصنّف <سكوب>، أي خبطة صحافية كما هي التسمية المتعارف عليها.

كثيرة هي <السكوبات> التي خرج بها وليد عوض. لكن هناك واحداً ما فتئ عالقاً في ذهني، وماثلاً أمام عيني. هو ذلك التحقيق الذي كان نجمه رئيس حركة <تشرين 24> الطرابلسي الراحل فاروق المقدم، الذي أعلن <انتفاضة> على طريقته ولجأ الى القلعة الشهيرة في <أبي سمراء> وحاذر الجيش يومها دخولها خوفاً من إراقة الدماء، بعد أن حصل اطلاق نار ودارت اشتباكات روّعت المدينة التي شُلّت الحركة فيها وأضحى <نزيل القلعة> حديث الناس والشغل الشاغل للبنان بأسره.

وقف سليم اللوزي يتساءل كيف يجب التعاطي مع الموضوع؟ فإذ بوليد عوض يرد <علينا دخول القلعة بأي طريقة>. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى كان ابن العم يحطّ في طرابلس ويقوم بعملية تسلل اليها. لا أدري كيف تمّ ذلك. ولم يشأ الإفصاح عمّا فعله لبلوغ هدفه. لكن ما أعرفه أنه استغل علاقته الممتازة مع قادة عسكريين في الشمال، ومجموعة من رفاق فاروق المقدم (أبو نافذ) وحقق ما أراد. وصدرت <الحوادث> يوم الجمعة، في موعدها الأسبوعي المعتاد، وعلى غلافها صورة كبيرة للشاب الطرابلسي الثائر وهو ينفث سيجارته مع تطاير الدخان منها.

لا أخفيكم بأن العدد هذا نفذ من الباعة والمكتبات بعد ساعة من توزيعه، مع العلم أننا ضاعفنا كمية الطباعة. وأضحت <الحوادث> يومها على كل شفة ولسان من القمة حتى القاعدة. واسم وليد عوض <يلعلع> في كل مكان. وهذا يحدوني الى القول، بكل صراحة وصدق من دون مجاملة، صحيح أن اسم <الحوادث> ونجاحها ارتبط باسم صاحبها سليم اللوزي، لكن من ساهم في انتشارها هم العاملون فيها، وفي مقدمهم الأستاذ وليد عوض. وإذا كان هناك من مايسترو جيد فما نفعه ان لم يصحبه قائد أوركسترا ممتاز؟.

هكذا كانت <الحوادث>.. المجلة الأولى في لبنان. المدرسة الصحافية التي لا تتكرر. والدليل أنني حين غادرتها بعد سنتين من التعلم فيها، ورحت أبحث عن وظيفة في مطبوعة ثانية، استُقبلت بالترحاب من قبل القيمين عليها الذين لم يسألوني حتى عن سيرتي الذاتية بعد أن أبلغتهم بأنني آتٍ من <الحوادث>. وكان ردهم <أنت من تلاميذ سليم اللوزي ووليد عوض هذا يكفي>.

نعم.. ابراهيم عوض الذي تتلمذ على يد الأستاذين الراحلين شقّ طريقه في دنيا الصحافة. ولم يكن ليوفّق لو لم ينتسب الى المدرسة إياها ويتعلم <ألف باء> الاعلام من المبدع في دنياه ابن العم أستاذي وليد عوض، الذي رحل عنا قبل أيام وأبقى القلم أمانة في أيدينا مع وصية لطالما كان يرددها أمامي وأمام المئات من الذين غرفوا من أسلوبه وساروا على دربه: لا تجنح في الكلام. ولا تقسو. لا تفقد التوازن ولا تضعف أمام المغريات.أنسج أوسع شبكة من العلاقات مع الخصم قبل الصديق والأهم قل كلمتك وتوكل على الله.

في مجلس العزاء، وعلى مدى الأيام الثلاثة التي استقبلنا فيها المعزين برحيل صاحب ورئيس تحرير <الأفكار> وليد عوض، شاهدنا الجميع من كل حدب وصوب، ومن مختلف المشارب والاتجاهات. وبين البعض منهم <عداوة كار> كما يقال. وثمة من استاءه رؤية هذا أو ذاك وهذا شأنهم <لأن الوالد علمنا بألا نكره أحداً>..

كلمات ــ وصية أسرّها لي نجله المهندس خالد.

ورثا الدكتور محمود فاعور الراحل بكلمة مختصرة قال فيها:

في جنات الخلد يا وليد…

كان صرحاً من كفاح فهوى

عصاميٌّ مخطط مثابر خلوق. كان مترفعاً عن الخصومات في حياته الصحفية والإجتماعية، محباً للجميع، محبوباً من الجميع.

قسا الدهر عليه في السنوات الأخيرة فمن وعكة صحية إلى أخرى تفاوتت في وطأتها وثقلها فكان يتقبل القدر بصبر وإيمان وكان كما قال الشاعر:

وحالات الزمان عليك شتّى                         وحالك واحد في كل حال

لقد تحمل الكثير من الآلام بصمت وقاوم حتى الرمق الأخير… كان لديه همان: <الأفكار> والعائلة.

لقد أخذ معه الكثير من الوفاء والمحبة رحمه الله وصبرٌ جميل.

ونعاه المحامي عبد الحميد الأحدب تحت عنوان  <لا أقول لك وداعاً يا وليد>، وقال:

وداعاً يا وليد.

أبى القدر إلا أن يخطفك منا.

كان وليد عوض مدرسة في الصحافة!!! سعيد فريحة كان من حلاق في حلب الى أكبر صحفي في العالم العربي وغسان تويني من <هارفرد> الى الصحافة.

وحده وليد عوض من المدرسة الى الصحافة!!! وقد انفرد في أنه بعد فترة تدرب أصبح يحمل على كتفيه عبء الصحيفة التي تصدر باسم صاحبها…

الحوادث صدرت في غياب سليم اللوزي وكانت في غياب اللوزي محلقة أكثر مما هي خلال وجوده والفضل لوليد عوض!!! الذي كان المارد الجبّار المستتر.

كانت الصحافة تسيل في دمه!!! كان وفياً وصدوقاً وكان لصديقه عند ضيقه!

يوم حرروا فلسطين من منزلي في بيروت كتب بكل جرأته مقالاً يهز عظامهم وهم محسوبون على الإسلام السياسي! ورفع وليد عوض صرخته: لكم طريقكم ولنا طريق!!!

في كل مرة يسافر الى باريس كان يزورني وكنا نزور معه العماد ميشال عون الذي كان بيته خالياً لا تجلس معه سوى زوجته السيدة الفاضلة. وكان ميشال عون يتحدث عن عزمه على هز سوريا قبل هز لبنان!!! وسترون!!! ورأيناه يهز لبنان ويترك سوريا تهتز لحالها!!!

وكان وليد الوحيد الذي يسجل أحاديث طويلة مع ميشال عون ــ ميشال عون الآخر ــ وكان دائماً مع العميد ريمون اده صحفياً وشاهداً على هذا البطل اللبناني الذي كان مقيماً في باريس ومقيماً في قلوب اللبنانيين.

وداعاً يا وليد.

لا أقول لن ننساك لأنك لا تنسى في خلقك وعملك!!!

ولأنك كنت مدرسة لتخريج الصحافة الناجحة.

وتلقت مديرة  <الأفكار> زينة عوض رسالة تعزية من عميد السلك القنصلي الفخري في لبنان وقنصل عام سنغافورة جوزيف حبيس، قال فيها:

بعد التحية، آلمنا فقدان الأخ والصديق وصاحب الكلمة الحرّة الراحل وليد عوض كما آلم كل من عرفه وصادقه وقرأ له المقالات البيّنات. ومع أن رحيل الأحباء والمميزين، يزيد الجرح عمقاً والأسى رسوخاً، إلا أن عزاءنا جميعاً أن أمثاله لا يغيبون، بل يبقى إرثهم حيّاً وذكرهم طيّباً، ويظلّون حاضرين في القلب وفي الذاكرة.

بفقد الأستاذ والصحافي الكبير وليد عوض، خسرت الكلمة قلماً والصحافة علماً ونحن فقدنا أخاً، على رجاء أن تكون جنات الخلد سكناه وطيب الذِكر عزاءً لكم ولنا جميعاً.

كما تلقت الزميلة زينة برقية من رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس قال فيها: تبلغت بمزيد من الأسى والحزن وفاة والدكم المرحوم الاستاذ وليد عوض. لقد خسر لبنان اليوم احد اعمدة الصحافة اللبنانية وصاحب الكلمة الحرة والمدافع الشرس عن السيادة والاستقلال والكرامة.

اتقدم باسمي الشخصي وباسم مجلس الادارة وادارة الجمعية من حضرتكم ومن العائلة الكريمة بأحر التعازي بوفاة والدكم العزيز، سائلين المولى عز وجل ان يلهمكم الصبر والسلوان وللفقيد الغالي الرحمة ولكم من بعده طول البقاء.

كما تلقت الزميلة زينة برقية تعزية من كل من عثمان وعمر وخالد وهاشم غندور قالوا فيها:

بقلوب خاشعة ومؤمنة بقضاء الله، تلقينا نبأ وفاة والدكم الفاضل، نسأل المولى عز وجل ان يتغمده بواسع رحمته وان يسكنه فسيح جنانه. نشاطركم الاحزان ونتقدم منكم ومن سائر العائلة الكريمة بأحر التعازي وخالص المواساة ونسأل لله سبحانه وتعالى ان يلهمكم والعائلة الكريمة الصبر والسلوان.

وكتب السيد كمال قطاناني مقالة تحت عنوان: <رحيل وصاحب القلم الشامخ الأخ والصديق وليد عوض> قال فيها:

بمزيد من الأسى والتسليم بقضاء الله تلقيت خبر رحيل الصحافي الكبير والصديق الأستاذ وليد عوض (أبو خالد) صحافي وصديق من الزمن الجميل حيث كانت الكلمة تهز عروشاً وتقلب أنظمة، وكان الأستاذ وليد عوض من بين هؤلاء الصحفيين في

لبنان والعالم صاحب كلمة ونصير قضية.

لم نكن لنلتقي يوماً إلا ويبادرني بالقول <بعدنا البريمو>. في إشارة الى تفوق شركة <VIP ترافل> في مجال المبيعات.

كان الأستاذ وليد عوض يشبه ذاته، طيب القلب ودمث الأخلاق، وفي زمن الصحافة الذي لن يعود أبداً، قرر الانضمام الى كوكبة من سبقوه من الكبار أمثال سعيد فريحة وسليم اللوزي.

ارقد بسلام أيها الصديق الكبير فهناك من استلم الأمانة يسير على خطاك إيماناً منه برسالتك الصحفية السامية إنها زينة عوض.

تعازينا الحارة للعائلة الكريمة وخاصة الأخ خالد عوض.

وكتب المهندس هشام جارودي مقالة تحت عنوان: <كبير من بلادي هوى> قال فيها:

صحافي كبير.. ووطني قدير.. عاصرته منذ الستينات، يوم كان من أعمدة الصحافة ومع أعمدتها.. محمد بديع سربيه وسليم اللوزي وعبد الغني سلام… وكانوا من رعاة الصحافة والفكر الوطني الحرّ في بيروت..

كانت <الأفكار> مجلة الفكر النيّر والصحافة اللامعة، التي عاش لها عمره كلّه… لن أنسى ما قدمه بـ<جناح الرياضة> في <الأفكار>.. من دعم للنادي الرياضي، البطل الذي كان له مع صاحب <الأفكار> صولات وجولات، فقد كان داعماً للنادي ومبدياً فخره واعتزازه في كل بطولاته وانتصاراته…

أيها <العلم> الكبير، الكلمات تعجز عن الرثاء، ولكن تتضرّع لرب العالمين أن يرعاك في عليائه.. فمثواك الجنّة بإذن الله مع الطيبين!!

رحمك الله كبيراً من وطني. وستبقى ذكراك في قلوبنا، <من دار الى دار>.

وكتب القنصل خالد الداعوق كلمة قال فيها:

عرفته في نهاية الستينات والقرن الماضي حيث كان يسكن بالقرب من منزلنا في شارع الحوراني والمعروف بنزلة الداعوق. لقد كان يزورنا بين الحين والآخر حيث كون صداقة معنا ومع عمي المرحوم الرئيس أحمد الداعوق.

كان كاتباً بليغاً ملماً بالمعلومات السياسية الحاضرة والتاريخية. كانت مجلته <الأفكار> تجمع بين السياسة والأدب والاجتماعيات والاقتصاد بالإضافة الى البحوث التاريخية الجدية.

كان المرحوم وليد في غاية الأدب واللطف والديبلوماسية البناءة حيث بنى علاقات طيبة مع كافة الأفرقاء السياسيين والاجتماعيين والأدباء وغيرهم. كانت طلّته في أية مناسبة جامعة حوله الشخصيات للتداول معه بشؤون الساعة والأمور الأخرى.

تأثرت كثيراً برحيله حيث لم أراه منذ مدة من الزمن.

برحيله فقدت الصحافة اللبنانية، والوطن ككل رجلاً عصامياً أديباً، مفكراً مؤرخاً أغنى الصحافة اللبنانية والعربية بكثير من الأبحاث والأخبار والمقالات القيمة. خسرت صديقاً وفياً بشوشاً.

كما تلقت الزميلة زينة رسالة من البروفيسور فيليب سالم قال فيها:

<ابنتي> الحبيبة زينة…

لقد فوجئت هذا الصباح إذ قرأ في جريدة <النهار> خبر وفاة <أخي> وأعز صديق عندي وليد. خمسون سنة من المحبة والصداقة. خمسون سنة من الذكريات. شيء مني دفن معه.

لم يكن وليد رجلاً عادياً. كان رجل النبل. لم ينحن لأحد. وكان رجل القلب الكبير المتسامح والمتعالي على الصغائر. لم <يجرح> يوماً أحداً بكلمة قالها أو كتبها. وكان رجل التواضع. لم يسمح يوماً للنجاح أن يأخذه الى مكان لا يليق به.

أضمك الى صدري وأقبلك. كما أقبل الحبيبة الوالدة نهى وأقبل خالد وسوسن. ليعانقه الله بكل محبته.

وتلقى المهندس خالد عوض برقية من السفير علي حسن الحلبي جاء فيها:

تلقينا بمزيد من الحزن والأسى نبأ ووفاة والدكم الأستاذ الكبير المرحوم وليد عوض الذي ربطتنا به وبكم صداقة كبيرة تعود الى عشرات السنين.

لقد خسر لبنان والعالم العربي هامة إعلامية كبيرة وشخصية وطنية وعروبية دافعت عن الوطن الصغير والعالم العربي الكبير بأسلوب اعلامي احترافي مميز.

تغمد الله الفقيد الغالي بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته وألهمكم الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وتلقت الزميلة زينة برقية من رئيس مجلس ادارة <جمال ترست بنك> أنور علي الجمال قال فيها:

أثناء وجودي في الخارج، تبلغت وبمزيد من الأسى والحزن نبأ وفاة فقيدكم الغالي صاحب ورئيس تحرير مجلة <الأفكار> وعضو نقابة الصحافة (السابق) المغفور له المرحوم الأستاذ وليد عوض.

أتقدم من جميع أفراد العائلة الكريمة بأحر التعازي راجياً من الله عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه الفسيح من جناته ويلهمكم الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وكتب العميد المتقاعد فؤاد حسين آغا تحت عنوان: <أهكذا دوماً تمضي أمانينا/ نطوي الزمان وموج العمر يطوينا> وقال:

الى روح الأخ الكبير والجار العزيز

ورفيق الطفولة الأستاذ وليد رحمه الله.

رحمك الله أيها الصديق الكبير… رحمك الله يا من حافظت على استقلاليتك وخطك في الصحافة رغم المغريات… وأصررت منذ بدء مسيرتك الصحافية أن تكون الصوت المدوي للمواطن، لا تحيد عن الحق سواء منذ بدء عملك كرئيس تحرير مجلة <الحوادث> ثم صاحب ورئيس تحرير مجلة <الأفكار> الزاهرة والتي لا تزال في عز عطائها رغم تراجع الصحافة الورقية وذلك بفضل الأسس والمبادئ المتينة والدعائم الثابتة التي أرسيت عليها هذه المجلة، وأخص بالذكر اختيارك لابنتك زينة لقيادة هذه المسيرة والتي برهنت عن نجاح كبير حظي بإعجاب الجميع… والتي نتمنى لها دوام التقدم والازدهار والعطاء…

تلامذة الراحل يرثونه بكلمات دافئة

كتب الصحافي طلال شتوي تحت عنوان: <ذكريات مع وليد عوض/ مقاطع من كتابي <بعدك على بالي>، وقال:

اليوم، حين يسألني زملاء في مقتبل العمر تخرّجوا حديثاً من كلّيات الأعلام عن كيفية الحصول على <فرصة> لممارسة المهنة، لا أتردد في الأجابة ممازحاً: عليكم برصيف سينما <ستراند> في شارع الحمرا! انه أكبر مكتب توظيف في بيروت!

هذا ما فعلته ذات صباح عام 1983. قصدت بسطة الصحف والمجلات على ذاك الرصيف، وخلال أقل من 5 دقائق كانت مجلة <الأفكار> قد نادتني اليها. كان فيها كل السحر الذي يكفي لأغوائي. صاحبها ورئيس تحريرها صحافي كبير من جيل الروّاد وأحد كبار مجلة <الحوادث> في زمانها الذهبي وتلميذ عملاق الصحافة اللبنانية سليم اللوزي. وفوق ذلك فإن المجلة لاتزال في سنتها الأولى وتحمل كل زخم ووهج البدايات والتي يمكن أن تفسح لي مكانا آمنا فيها لكي أتعلّم أو أجن، وقد فعلت

الأثنين معاً!

الأهم بالنسبة اليّ، في تلك اللحظة، هو أن وليد عوض طرابلسي المولد والنشأة والهوى… ولم يكن لطرابلسي يكتشف بيروت مثلي سوى أن ينحاز الى حضن أهله. في تلك اللحظة كان وليد عوض،

الذي لا أعرفه، هو كل أهلي في العاصمة التي لا ترحم العشّاق والمريدين… إما أن ترفعهم الى السماء وإما أن ترميهم عن صخرة الروشة وتواصل يومياتها المعتادة.

صدقاً، لا أعرف لماذا استقبلني وليد عوض بعد نحو 10 دقائق من وصولي. ربما لأنني من طرابلس، وربما لأنه يعرف اسم عائلتي والكثير عن أبي وعمي، وربما لأنه يتنفس ويأكل ويشرب <صحافة> وبابه لا يمكن أن يغلق في وجه  <مشروع زميل> لا يملك في سجلّه المهني سوى الشغف وسنواته العشرين.

لم أمكث في مكتبه سوى دقائق كلّفني خلالها بكتابة مقالة سياسية عن الوضع في طرابلس ومقالة ثقافية أو فنية تاركاً لي اختيار موضوعها، وحمّلني مجلتين فرنسيتين كانتا على مكتبه محددا لي موضوعين عن <مايكل جاكسون> و<أرنست همنغواي>. قال لي: هذا أول <التعارف> وهو ليس امتحاناً، لأن ما ستكتبه سينشر في حال كان يستحق النشر! وقبل أن أغادر أردف ضاحكاً: لا أنصحك بالترجمة الحرفية! اقرأ واكتب من جديد بلغتك.

مضيت مسرعا الى بيتي في شارع بشارة الخوري في البسطا التحتا وأنا أعدّ نفسي لليلة بيضاء بلا نوم. لقد وجدت مدرستي: مدرسة وليد عوض…

في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي، كنت قد أنجزت كل ما كلّفني به <الأستاذ>… وهو اللقب الذي سأنادي به وليد عوض، كما يفعل الآخرون في مكاتب المجلة، خلال السنة التي سأمضيها في <الأفكار>.

لم أخطّط لادهاش <الأستاذ>. كنت فقط أنتزع فرصي. لكنني أدهشته!

سرعان ما لاحظ وليد عوض أنني <جاهز>. قرأ المقالة السياسية… مقالتي الأولى، وضحكت عيناه.

خلال لحظات كان وليد عوض قد وضع العناوين والمقدّمة وصحّح بقلمه بعض الأخطاء في اللغة ودفع بالمقالة الى النشر. التفت اليّ وقال لي: مكتبك مع جوزف وغسّان! جوزف بدوي كان محرر المحليات الأساسي وغسّان كنج كان يكتب في الشؤون العربية والدولية. وحين تساءلت عن طبيعة عملي بخفر اتفقا على أن <الأستاذ> سيجعلني <باس بار تو> وضحكا: كان الله في عونك!

كل شيء حصل بسرعة. وليد عوض أراد أن أكون الحصان الرابح في فريق العمل وأنا سلّمت نفسي له بكل طواعية مفتوناً باللحظة التي سأربح فيها السباق الى الأحتراف. أذكر أنه قال لي: يا طلال لا تزال بحاجة الى درع التثبيت! لم أفهم. عرفت لاحقاً أنه درع يمنحه البطريرك للكاهن في مراسم سيامته واعلانه مطراناً!

منحني <الأستاذ> مفاجأتين دفعة واحدة.

الأولى عبارة عن 900 ليرة، حرص على افهامي أنها مكافأة رمزية، وأن راتبي الشهري سيكون 1700 ليرة. وكان الرقم معقولاً ويتقاضاه محترفون في المهنة في تلك الأيام.

المفاجأة الثانية كانت أهم: انقل أغراضك الى المطبخ!!

للوهلة الأولى اعتقدت انها مزحة! لكن <الأستاذ> كان يعني ما يقول. أردف موضحاً لي: ستكون <سكرتير التحرير> وستتعلّم في المطبخ أسرار اللعبة.

لجأت يومها الى جوزف وغسان اللذين كانا في جلسة استرخاء ومزاح قبيل الأجتماع الأسبوعي لأسرة التحرير. وشرح لي جوزف بجدية أن المطبخ <مصطلح> في لغة المهنة يطلق على المكان الذي تتمّ فيه صناعة العدد، تحريرياً واخراجيا. وأكمل غسان بأن <سكرتير التحرير> هو <عتّال> المجلة او الصحيفة، ويوصف عادة بأنه رئيس تحرير سيء الحظ!

تدّخل الدكتور عبد الله الطبّاع، بظرفه وكياسته، وكان قد سمع جزءاً مما يدور بيننا، وقال لي بلهجة وقورة: يا ولدي ان مهمات سكرتيرية التحرير ستجعلك الرجل الثاني في المجلة بعد وليد عوض! وحبكت النكتة: ستكون مثل عبد السلام جلود!! وانخرطوا جميعاً في نوبة ضحك! لم أكن قد سمعت بعبد السلام جلود! كان صاحب لقب <الرجل الثاني> في ليبيا بعد معمّر القذّافي…

لقد تعلّمت في <المطبخ>، خلال 11 شهراً، كلّ ما أعرفه اليوم عن هذه المهنة. كانت مهماتي الجديدة تتقاطع مع رئاسة التحرير ومع المحررين ومع المخرج الفني والمنفذّين ومع أقسام الأرشيف والتنضيد والتصحيح والمونتاج، وصولاً الى المطبعة.

كانت المهنة لا تزال تتصل بموروث عمره لا يقلّ عن نصف قرن من التقنيات والأساليب التي يصّح وصفها باليدوية، مقارنة بما طرأ عليها بعد سنوات قلائل من تحديث نقلها الى طور العصر التكنولوجي! لقد اختصر الكمبيوتر الكثير من الوقت

والكثير من التعب، لكنه أخذ بالمقابل سحر <المطبخ> والمهارات التي يمكن أن يكتسبها صحافي ناشئ اذا أتيح له حظ البدء من <المطبخ>.

اليوم، أدرك كم أنا مدين لتلك المرحلة المبكرة في حياتي المهنية. لقد تعلّمت من وليد عوض كل شيء. فن العناوين، الرئيسي منها والفرعي والداخلي. فن المقدّمة وفن الأستهلال وفن <القفلة>. تعلّمت منه كيف نحوّل موضوعاً بارداً الى مادة صحافية ساخنة، وكيف نرمّم الورق المليء بالأخاديد والحفر ونجعل منه بنية متماسكة، وكيف نصنع الاثارة بدون ابتذال وبدون انزلاق الى سقوط مهني قد يكسبنا لمعة عابرة، لكننا سنخسر حتماً الوزن والقيمة.

غادرت <الأفكار> بعد سنة واحدة فقط!

حتى اللحظة، لا أعرف كيف اتخذت ذاك القرار! كلّ ما أعرفه أنني كنت في الحادية والعشرين من عمري…أي في العمر الذي تكون فيه كلّ القرارات سهلة!

لقد أتاح لي وليد عوض فرصاً استثنائية، ونجاحات استثنائية، وكان يدرك أنني لن ألبث أن أذهب بشجاعة وثقة الى أقداري الجديدة.

نقل لي يوماً سائقه الخاص رامز، حديثاً دار في السيارة بينه وبين صديقه رجل الأعمال واصف فتّال الذي سأله ببساطة: <كيف رضاك على الشتوي؟>، فأجابه <الأستاذ>: <خطير! موهوب وابن مهنة! بعد 8 سنوات، على الأكثر، ستكون له مطبوعته الخاصة>!

هل كان وليد عوض يضرب في الرمل؟!

لقد أسّست، مع زياد غالب، بعد 8 سنوات على هذا الكلام، مجلة <مرايا المدينة>… وتذكّرت يومها <نبوءة> أستاذي الأول.

أستطيع القول إنني حظيت بشهرة غير متوقعة، خلال سنة <الأفكار>. صار لي قرّاء، وصار لي <اسم>! ووصلت رسائل الى المجلة تسأل: هل طلال شتوي شخص حقيقي؟!

كانت صوري في الحوارات المهمة، أو تلك التي تنشر في الصفحات الأخيرة التي أكتبها، تثير الدهشة: انه <ولد>! وقد وصلت رسالة بهذا المعنى، تولّى وليد عوض الرد عليها في أحد الأعداد، وكتب يومها: طلال شتوي تلميذ جامعة يتخصّص في الصحافة، وهو قد بلغ سن الرشد!!

أحببت شخصية وليد عوض. لقد نجحت في التسلل الى وجهه الآخر الذي لم يكتشفه معظم الزملاء، لأن <الأستاذ> كان يحرص على ادارة العمل بصرامة لا تخلو من القسوة أحيانا! في الحقيقة، كان يخفي ظرفاً ساحراً، يحب النكتة ويجيد صنعها، وحين يمسك زمام الحكي فأنه يروي بمهارة تحبس أنفاس المستمعين. قال لي مرّة: الكاتب الذي لا يمتلك شجاعة التعرّي لن يصل الى الجمهور! الكتابة <ستريبتيز>!

وكتب الزميل علي الحسيني تحت عنوان: وليد عوض.. رجل حوّل الفكرة إلى <أفكار>، وقال:

<شو يا علي شو عنا هالأسبوع>.. كانت الجملة الأحب لدى عند سماعها من الأستاذ وليد عوض خلال الاجتماع التحريري الأسبوعي الذي كان يُصرّ على انعقاده كل ظهر خميس في مكتبه قبل أن تُلزمه الشيخوخة المنزل لفترة طالت بعض الشيء،

لكنه ظلّ خلالها يُعاند تقدّم السن في العديد من الجوانب التي تتطلبها مهنة الصحافة، أبرزها الإصرار الأسبوعي على معرفة <شو عنّا هالاسبوع يا علي>.

أمس رحل الاستاذ وليد بعد أن طعنه السنّ في كافة أنحاء جسمه، وهو الذي ظل يرفض فكرة الإستسلام لملاك الموت، حتّى ربما دخل أكثر من مرة في صراع معه حيث كان يرد الى بعض الكّتاب في مجلة <الأفكار> من بينهم كاتب هذه السطور، بأن الأستاذ قد يرحل عن هذه الدنيا بين ساعة وساعة، لكنه كطائر الفينيق، سرعان ما كان ينفض غبار الرحيل عنه، ليعود إلى الحياة مُبتسماً، منتصراً وبمقالة جديدة تمتزج فيها رائحة حبر انحرف فيه الخط في الكثير من المرّات عن موضعه، وضاعت في الكثير من الأحيان <الأفكار> عن تسلسلها، لكن لم يضع المعنى مرة.

قليلة هي المرّات التي كانت ترتسم فيها الإبتسامة على محيا الاستاذ وليد، لكن هذا الأمر كان يظهر بشكل كبير لحظة اكتمال نصاب الحضور خلال الإجتماعات التحريرية. كان يسأل الزملاء: عبير ووردية وحسين وطوني وصبحي، ويسألني عن الأوضاع العامة في البلد، كلّ في مجال عمله وعلمه بالأمور المُستجدة في حينه. مع مين عنّا مقابلة يا حسين؟ ما حدا بيتأخر عن الاجتماع غيرك يا بنتي (وردية)، ما شفت <الأفكار> هالاسبوع؟ (طوني) وكان يقوم بين الحين والآخر بتذكير عبير ببعض الشخصيات السياسية أو الفنية أو الإجتماعية التي ستفد إلى بيروت، وذلك بهدف إجراء مقابلات صحافية مع بعضها، أو جميعها في حال تمكنت. اما بالنسبة لي، فكان عذري المتكرر عن التغيّب، أنني <مريض>، فكانت إجابة الاستاذ الدائمة: يا علي أنت ما بتمرض إلا الخميس؟.

في نبش الروايات والحكايات والأسرار والغوص في الزمن الجميل، كان هو التاريخ، أمّا في تعداد البلدان لاسيّما العربية والمدن والأحياء وفي ربط خطوط الإمداد الفكري والسياسي والاجتماعي بين العالم العربي، فكان هو الجغرافيا، فلطالما أطلقنا على ذاكرته الحيّة الدائمة والحاضرة على الدوام، <ذاكرة الفيل>. والأبرز من هذا وذاك، ان الاستاذ الراحل، كان ينتمي الى جيل ظلّ حاضراً في وجدانه وحكايته حتّى آخر أيام حضوره الشخصي في <الأفكار>. فكما حدثنا عن جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وعمر البشير ومعمر القذافي ومن عهد الرئيس اللبناني بشارة الخوري وصولاً الى الرئيس الحالي ميشال عون، كذلك حدثنا عن عمر الشريف وفاتن حمامة، عن عبد الحليم وسعاد حسني وعن فريد الأطرش يوم غنّى في لبنان وعن شوشو ومحمد شامل وغيرهم الكثيرين من اهل السياسة والفن. كان يستمع لنا جميعاً قبل أن يُسمعنا ما لديه أو ما يمتلك من مخزون فكري عميق كان يُمكنه أن يحتل من خلاله، مساحة العالم العربي كّلها، ولو ذهنيّاً.

من نافل القول، إن وليد عوض ترك بصمة خاصة في عالم الصحافة والمكتوبة على وجه الخصوص حيث استلهم منه كُثر او ربما اقتبسوا عنه صياغة الجمل وتطويعها فكرياً، فكانت تخرج من بين أصابعه كحبّات مطر دافئة وكأنها تبحث عن أرض طريّة لكي تستلقي عليها، بعدما أنهكها التعب من جراء رحلة طويلة امتدت لأزمان، بدأت من حلم الفضاء وانتهت في حضن الأرض. والأبرز، أن الإنضمام إلى قوافل الراحلين لا يعني بأي حال من الأحوال، أن القصة قد انتهت ولا يعني أن الذكرى قد تركت مكانها للنسيان، بل العكس فهناك أشخاص كُثر في هذه الدنيا سيترحمون على مؤسس <الافكار> عندما يمرون بجانبها، أو عندما يقرأون اسمه أو يسمعون به. وهناك من سيخلفه في المهنة وسيحمل عنه الوصية وسيوصل الآمانة إلى حيث

يجب أن تصل، ولو أنها ثقيلة بعض الشيء.

قبل أن التقي بالاستاذ الراحل وليد عوض عن طريق احد الأصدقاء حيث كانت المرة الاولى التي اتعرف بها عليه شخصيّاً قبل أن أنضم لاحقاً إلى أسرة <الأفكار>، كنت قد قرأت له العديد من المقالات والقصص والروايات، منها السياسي ومنها

الفنّي، لكن أكثرها تاريخي كان يسرد خلالها مجموعة من الروايات التي لا يُمكن لعقل أن يحصرها ولا أن يستذكر حذافيرها.

يجوز القول إن الاستاذ وليد عوض، هو آخر عمالقة الجيل القديم، جيل نقش في حروف الكلمات وقواعدها، إلى أن حولها إلى جُمل معروبة في زمانها ومكانها وفي وجدان الأجيال التي تلته. رحيله كما رحيل من هم قبله، خسارة لن تُعوّض بل لا شك أنها ستترك أثارها الواضحة على آخر ما تبقّى من الصحافة المكتوبة التي نزف قلمه ذات يوم، حبراً أحمر لدى سماعه تعرضها لنكسات وانتكاسات، أدت إلى إغلاق بعضها، وكان آخرها جريدة السفير التي ترك عددها الأخير حزناً عميقاً في نفسه وأثراً بالغاً في وجدانه الصحافي والمهني.

على الرغم من الفترة الزمنية التي حالت دون رؤية الاستاذ وليد بين أسرة تحرير مجلة <الافكار> خلال الاجتماعات الإسبوعية والتي أصرّت كريمته مديرة التحرير زينة عوض على انعقادها في الزمان والمكان نفسيهما، إلا أن الخميس الرابع من تموز، سيكون الاجتماع الأول الذي يُعقد في ظل غياب الاستاذ وليد عن الدنيا وهو الذي ينعم اليوم بجوار ربه. لكن ستبقى صوره موزعة داخل المكتب البنّي اللون. في هذه الصورد ثمة ضحكة من القلب، وفي تلك دردشة مع الأصحاب، وصور مع

ملوك وأمراء ورؤساء ووزراء ونواب وفنانين، لو جُمعت في كتاب لكانت لخّصت حياة رجل مرّ في هذه الدنيا على صهوة جواد الصحافة الحرة والنزيهة، فخلّف وراءه الف فكرة وفكرة، يُمكن جمعها في كتاب مليء بـ<الافكار>.

أمس، تم تجميد رصيد حساب الاستاذ وليد عوض في الحياة عن عمر عاشه على النحو الذي أراده وأحبه. أمس خرج من حياة الدنيا بغلّة وافرة من الطمأنينة على مملكته <الافكار> وبمحصول يُمكّنها من الإستمرار على النحو الذي كان يأمله في آخر أيام العمر وأرذله.

ورثت الزميلة وردية بطرس الراحل بكلمة قالت فيها: اليوم خسرت الصحافة اللبنانية أحد رواد الصحافة الذي كرّس نفسه لهذه المهنة على مدى عقود. اليوم جفّ قلمك بعد ستين عاماً في رحاب صاحبة الجلالة. قلمك كان دائماً حراً وصادقاً ووفياً لوطنك، وكنت صوتاً للمواطن وهمومه وتنصر المظلوم على الدوام. تعلمنا منك الكثير.

سنفتقدك وقلمك الرائع وسنفتقد كل الأحاديث حول مختلف القضايا التي كنا نتناولها في اجتماع التحرير اسبوعياً حيث لم تخنك ذاكرتك يوماً عن اي حدث وقع في لبنان والمنطقة وحتى العالم… وكان الجميع يلقبك بـ (الموسوعة المتنقلة).

رحلت اليوم ولكن كتاباتك ستخلد ذكراك… كنت تنتمي الى مدرسة عريقة في الصحافة اللبنانية وعاصرت فيها كبار الصحافيين فتركت بصمة لا تُنسى… نعم لا تُنسى.