20 November,2018

الاسيــر: هـنـاك جهــة تريد قتلي وأعاني من مــرض الـسكـــري

 

بقلم علي الحسيني

الاسير-في-زمن-الامامة

على الرغم من التكهنات والتحليلات التي خرجت قبل موعد جلسته بأيام والتي تحدثت عن فرضية عدم حضوره لأسباب صحية، جلس الشيخ احمد الاسير في مكانه المعتاد اثناء جلسات محاكمته يوم الثلاثاء الماضي ينصت الى أسماء المتهمين التي كان يتلوها رئيس المحكمة العسكرية الدائمة العميد أنطوان فلتاكي من الذين يُحاكمون معه في ملف حوادث عبرا الذي يضم اليه 33 متهماً بينهم 20 موقوفاً.

 

لحية كثيفة وشكل هزيل

 

دخل الى قاعة المحاكمة برفقة حرّاس أحاطوا به من الخلف والظهر فيما ظلت المقدمة مهيئة للسير باتجاه مكانه الذي دأب على الجلوس فيه. بدا شاحب الوجه هزيل الجسد بعدما فقد الكثير من وزنه، لكن ورغم ذلك اصر ان يتكلم وان يُفرغ كل ما في جعبته من تذمر وعدم رضاه عن وضعه في السجن او سوء المعاملة كما عبّر. عاد الاسير نوعاً ما الى سابق عهده من حيث الشكل حيث بدت لحيته كثيفة كما كان حاله في زمن توليه إمامة مسجد <بلال بن رباح> ليُبدّد من الاذهان نوعاً ما الشكل الذي كان عليه يوم حاول الفرار من مطار الرئيس رفيق الحريري يوم أُلقي القبض عليه اثناء محاولته الخروج من لبنان الى دولة أوروبية.

بتاريخ 15 آب/ أغسطس من العام الماضي وفي اول خطاب له أمام المحكمة منذ ان تم الاعلان عن توقيفه، اتهم الاسير جهة محددة في عرقلة نقله من سجن الريحانية وتعذيبه بصحته بهدف قتله تدريجياً وببطء او اخذه نحو الجنون، يومئذٍ نطق الاسير بهذه الكلمات ومضى الى مكان توقيفه فخرج من الباب الذي دخل منه صديقه خالد حبلص لكن من دون أن يلتقيا، حيث كان الاخير يحاكم ايضاً مع مجموعة تضم 40 متهماً هم من مجموعته وذلك على خلفية ملف معركة بحنين، مع العلم ان الاسير ايضاً ملاحق في هذا الملف الذي لا يزال عالقاً امام قاضي التحقيق.

يشتكي وضعه الصحي

الاسير-مقاتلا-في-سوريا

جلس على مقعده المخصص في قاعة المحكمة ينتظر سماع ما سيقوله العميد فلتاكي، وما هي الا لحظات حتى أعلن فلتاكي رفع الجلسة الى 12 تموز/ يوليو المقبل لعدم حضور ستة من وكلاء المتهمين وتقديم المحامي محمود صباغ معذرة طبية عن موكله المتهم هادي قواس. في تلك اللحظة وقف الاسير في مكانه ورفع يده طالباً الكلام، فقال له فلتاكي <تفضل الى هنا>. سار الاسير باتجاه قوس المحكمة وحيداً من دون اي مساعدة وبادر الى الحديث عن وضعه الصحي الذي لا يتناسب مع مكان توقيفه، فقال بحضور وكيله المحامي محمد صبلوح: انا في الريحانية منذ سبعة أشهر ومنذ وصولي تبين لي ان السجن غير مهيّأ لحالتي، فأنا أعاني من مرض السكري وأتناول ثلاثة ادوية مع <الانسولين>.

واضاف:

– ان المحامين قدموا طلبات للمعنيين انما صحتي كرمالها لورا مع هبوط شديد يصل الى 43، حيث يعمد الطبيب الى تعديل السكري الامر الذي ادى الى اصابتي بفقر في الدم.

وشرح الظروف التي يمر بها، فنظر مرة الى رئيس المحكمة العسكرية الدائمة، ومرات الى الحضور قائلاً: السبب الرئيسي يا حضرة القاضي ان قوانين السجن وطبيعة البناء لا تتناسب ووضعي الصحي. هنا يُقاطعه رئيس المحكمة بالقول: ان افضل الاطباء يقومون بمعالجتك، ليرد الشيخ الموقوف وقد احتدت نبرته نوعاً ما: حتى ان الطبيب المعالج وبعد ان شرحت له وضعي قال لي انني بحاجة الى نظام غذائي وصحي يتناسب ومرضي وهذا الامر ليس متوافرا في السجن يا حضرة الرئيس. واضاف الاسير: منذ توقيفي وانا لا اخرج من زنزانتي الا لمدة عشر دقائق فقط ولا ارى الشمس وهذا الامر ادى الى اصابتي بنقص في <الفيتامين د>.

جهة ما تريد قتلي

 

يصمت الاسير عن الكلام لبرهة من الوقت، يتمتم ببضع كلمات سُمع منها <لا حول ولا قوة الا بالله>، وبعد ان اكد له العميد فلتاكي بأن غرف السجن قانونية وشرعية، اوضح الاسير ان باقي السجناء يُسمح لهم بالخروج ثلاث مرات في النهار كما انه لا يوجد منفذ في زنزانتي المجاورة للباحة التي يسمح فيها للسجناء بالتدخين الامر الذي يؤدي الى تنشقي رائحة الدخان. وقال الاسير ان اللجنة زوجة-الاسيرالطبية ابلغته بأن علاجه غير متوافر لان الامر يتطلب تغيير البناء الذي هو فيه. وكشف عن ان الطبيب وصف له دواء للاعصاب وطبعاً تمنّعت عن تناوله، وقد ترك لي الطبيب الخيار في ذلك. هنا يسأله فلتاكي: لماذا لم تأخذ الدواء؟ أجاب: حتى طبيبة من الصليب الاحمر الدولي لم تنصحني بتناوله. واشار الى أن معدل السكري لديه وصل إلى 43 ما جعل الطبيب المعالج يعدل حقنات الأنسولين لتحسين مستوى السكري، ولقد بدأت أعاني من فقر في الدم، وقال: <هذا الامر يبيّن لي ان جهة محددة هي وراء عرقلة نقلي من السجن وتعذيبي بصحتي بهدف قتلي تدريجياً وببطء او اخذي نحو الجنون>.

 

من يقتل الجيش طبيعي ان يُعاني

 

في ختام كلمته طلب الاسير مراعاة وضعه ليتناسب مع حقوق الانسان فيما رد عليه رئيس المحكمة بالقول: ان المحامي سيراجع بوضعك. ومن جهة أخرى فقد اعتبر وكيل الاسير المحامي محمد صبلوح بعد الجلسة ان موكله بحاجة الى عملية جراحية عاجلة لاستئصال المرارة، موضحاً ان اللجنة الطبية التي عينها مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية من الطبابة العسكرية لمعاينة موكله لم تبدأ بعد المهمة المكلفة بها منذ خمسة ايام. اما وكيل عائلات شهداء الجيش المحامي زياد بيطار، فقد علّق على كلام الاسير خلال الجلسة بالقول: تحدث عن موضوع الصحة وكأنه يعاني، علماً انه اعترف ان الاطباء كانوا يزورونه باستمرار. وحول ما ذكره الاسير انه يعاني من مشاكل نفسية وهو رفض تناول الادوية، قال: من يقتل الجيش اللبناني من الطبيعي انه يعاني من مشكلة نفسية والمؤسسة العسكرية من مهمتها حماية الاسير وتأمين كل ما يريده، لكن لا ان يعيش بفندق 5 نجوم بعد ان قتل عسكريين وشرّد عائلات.

يُذكر ان المحكمة كانت قد ارجأت الى التاريخ عينه محاكمة الاسير بملف يعود الى العام 2012 حول اقدامه في صيدا على معاملة دورية قوى الامن بالشدة وتحقيرهم وتهديدهم بمسدس حربي غير مرخص، كما ارجأت محاكمة الموقوفين حسن الزعتري ومروان ابو ضهر بملفين متفرعين عن ملف عبرا. وبعد الانتهاء من محاكمة الاسير ضمن الجلسة المخصصة، مثُل صديقه خالد حبلص في قفص الاتهام الى جانب مجموعته المؤلفة من 40 متهماً، معظمهم موقوفون من الذين شاركوا في الاعتداء على الجيش ومراكزه في بحنين وطرابلس في 25 و26 من تشرين الاول/ اكتوبر العام 2014 ما ادى الى سقوط شهداء للجيش بينهم ضباط، لكن الجلسة أُرجئت أيضاً الى 12 تموز/ يوليو المقبل بسبب عدم حضور عدد من وكلاء الدفاع عن المتهمين. كما تم إرجاء محاكمة مجموعة اخرى في ملف متفرع عن معركة بحنين  تضم 23 متهما وكذلك محاكمة لحظة-القبض-عليه-في-مطار-بيروتعلي مصطفى مرعي في ملف آخر.

والملاحظ ان جلسة محاكمة الاسير كانت قد انطلقت وسط تدابير أمنية مشددة في محيط مبنى المحكمة امتدت إلى مسافة عشرات الامتار عن مدخلها، وكان يحيط به أكثر من خمسة عسكريين، والقضية التي كان يُحاكم بها الاسير تضم اليه مجموعة أخرى من المتهمين، من بينهم الفنان فضل شاكر بعد ان تم فصل هذا الملف عن ملف احداث عبرا.

 

زوجة الاسير تتحرك بكل الاتجاهات

 

منذ اسبوع تقريبا نفذت زوجات الموقوفين الاسلاميين وأمهاتهم، تتقدمهن زوجة الشيخ الموقوف احمد الاسير اعتصاماً امام <دار الافتاء> في صيدا طالبن خلاله مشايخ لبنان عموما وصيدا خصوصا، بالتحرك وتحمل مسؤولياتهم في ما يتعلق بملف المعتقلين الاسلاميين ،ولاسيما الشيخ الاسير لما يعانيه من وضع صحي سيئ وعدم تأمين العلاج اللازم له في سجنه في الريحانية. وصرحت باسم المعتصمات زوجة الأسير أمل شمس الدين: فقالت: زرت مفتي صيدا واقضيتها سليم سوسان لاضعه امام مسؤوليته وامام الله، بأن الشيخ احمد الاسير امام وخطيب مسجد <بلال بن رباح> منذ عشرين سنة، هو الآن في سجن الريحانية وحيد ومريض ويعاني ما يعانيه من أمراض وفقر دم حاد ولا يستطيع الوقوف على قدميه، وقد صدر تقرير طبي بهذا الامر، ومع ذلك كله لا احد يتحرك لنصرة المظلوم ولرفع هذا الظلم الشديد عنه. وأنا جئت احمّل المسؤولية للمفتي لان هذه مسؤوليته أيضاً امام الله وامام الطائفة السنية. وانا امام <دار الافتاء> التي هي دارنا، دار المسلمين، أطالب كل المسؤولين والمعنيين بأن يتحمّلوا مسؤوليتهم في حال تعرض الشيخ احمد لأي أمر.

وكانت المعتصمات قد التقين مفتي صيدا الشيخ سليم سوسان في مكتبه في <دار الافتاء> وشرحن له الوضع الصحي للاسير وللمعتقلين الاسلاميين في سجن الريحانية، وطالبنه بالتحرك من اجل تحسين اوضاع السجناء الانسانية وتسريع محاكماتهم، وذلك بعد أن دخلت زوجة الاسير إلى مكتب المفتي حاملةً معها شهادة زوجها الدينية التي حصل عليها من <دار الفتوى>.

شمس لـ<الافكار>: أخشى تدهور حالته

وكيل-اهالي-شهداء-الجيش-المحامي-زياد-بيطار 

ومنذ أيام التقى المفتي عبداللطيف دريان وفداً نسائيا ًبرئاسة زوجة الأسير التي أطلعته على وضع زوجها الصحي في سجنه، وطالبته بالسعي مع المعنيين لمعالجته صحيا بعد ان تدهورت صحته بسبب قلة الطعام، ووعد المفتي دريان الوفد بـمعالجة الموضوع انسانيا وصحيا مع جميع المعنيين بهذا الملف لتوفير العناية اللازمة في هذا الإطار. وفي هذا السياق، أكدت شمس الدين ان وضع زوجها الصحي مزري وهو لا يقوى على الوقوف بعد ان خسر الكثير من وزنه في سجن الريحانية، ولفتت الى ان احد الاطباء قام بمعاينته منذ مدة وأفادنا ان لديه فقرا بالدم وانه بحاجة الى إجراء عملية لاستئصال المرارة، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لم يتمكن بعض المحامين من تسهيل عملية نقله الى المستشفى. وابدت شمس الدين خشيتها من التدهور الكبير الحاصل في وضعه الصحي ومن تأمين الدم له وهو في سجنه بدلاً من نقله الى المستشفى. وناشدت أمل كل الضمائر الحية والجهات المعنية في البلد العمل فورا من اجل نقل زوجها الى اقرب مستشفى لان حالته الصحية سيئة جدا. وقالت: الشيخ كتير كتير تعبان وحياته في خطر>.

وللتذكير ان <الافكار> كانت قد التقت الاسير قبل اسبوع من وقوع معركة عبرا حيث عبّر يومذاك عن <المظلومية> التي تلحق بالطائفة السنية على أيدي حزب الله الذي اعتبره الاسير انه بارع في تسويق مشروعه السياسي، وان له القدرة الكاملة على تسييس معظم رجال الدين الذين ينتمون لطائفته عن طريق المال الايراني الذي ينفقه بوفرة، ولأنه يتقن فن السلاح فهو يعمل على إشعال معارك وهمية لإلهاء الخصم، وما يجري اليوم من احداث متنقلة هي واحدة من فنونه. وقال يومئذٍ ان الجرح ينزف من كل الجهات ولنا الحق ان نثور على الظلم الذي يلحق بنا وبأهلنا في سوريا. نريدها سلمية وكررنا هذا الأمر اكثر من مرة لكن حزب الله يصر على توريط البلد من خلال استفزازاته ومن خلال دعمه للنظام السوري على حساب دماء الابرياء وخصوصاً الاطفال والنساء. اليوم نجد ان الحزب هو من يسيطر على مقدرات البلد وعلى مؤسسات الدولة، من يستطيع ان يقف في وجهه؟ وقال: دعوت الحزب اكثر من مرة الى تصفية القلوب مع المجتمع الصيداوي لكنه يتعمد إهانة هذا المجتمع سياسياً ومذهبياً  لقد طفح الكيل من ممارسات عناصره.

في تلك الاثناء دخل احد مرافقيه الى غرفة الجلوس دون استئذان حيث اقترب من الأسير وهمس في أذنه. اضطُر الشيخ الى قطع المقابلة مع اعتذاره منا وهو يردّد لمرافقه كلمة: <يلا يلا نازل وانت بلّغ الشباب>. سألنا الأسير عما يحصل فاجاب: <يبدو ان زعران جماعة حزب السلاح ما بدهن يصلوا عالنبي>، ثم خرج من اللقاء، ومنذ ذلك الوقت اختفى الاسير الى ان ظهر مجدداً في مطار بيروت وهو يحاول الفرار.