20 September,2018

الاستحقاق الرئاسي ”يصيّف“ للسنة الثانية على التوالي وبداية الحلّ في الخريف رهن تواصل سعودي - إيراني!

 

    joumblatt-hollandeتجمع مصادر ديبلوماسية أوروبية وعربية على التأكيد بأن أزمة الشغور الرئاسي لن تشهد حلاً سريعاً لها خلال فصل الصيف رغم التحركات التي تشهدها عواصم أوروبية وإقليمية في هذا الاتجاه، لأن أوان الحل ــ التسوية التي تعمل له مرجعيات دولية بالتنسيق مع الفاتيكان لم يحن بعد، وهي تضرب موعداً مبدئياً في شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل من دون ان تجزم بأن فصل الخريف سيشهد انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية وإن كانت تلوح الى تطورات محتملة قد تجعل ما هو غير ممكن الآن… ممكناً في بداية الخريف!

وفي الوقت الذي لا تحمل فيه المواقف الداخلية أي جديد في الاستحقاق الرئاسي مع استمرار المواقف على حالها وكان آخرها موقف رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون الذي قال انه طالما هو موجود فهذا يعني انه مستمر في الترشح للرئاسة. وفيما تنشغل القيادات اللبنانية في التجاذبات حول آلية العمل الحكومي وتعثر الاتفاق عليها، ترى المصادر الديبلوماسية الأوروبية والعربية المطلعة ان حلاً يُصنع في لبنان لم يعد وارداً في حسابات الدول الصديقة والشقيقة في آن، وان البديل قد يكون من خلال التحرك الفرنسي الذي بدأ مع زيارة وزير الخارجية الفرنسي <لوران فابيوس> لإيران  رغم ان عنوانه العريض هو مستقبل العلاقات الفرنسية ــ الإيرانية في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي بين طهران ومجموعة الدول الخمس + 1، علماً ان الشق اللبناني من الزيارة الفرنسية يشكل ــ في رأي المصادر نفسها ــ بداية وليس نهاية، لاسيما وان الموقف الإيراني من الاستحقاق الرئاسي اللبناني لا يزال هو هو، أما ضرورة البحث فيه فتتم مع القيادات اللبنانية وفي مقدمها حزب الله الذي أكد أمينه العام السيد حسن نصر الله مرة أخرى ان <خارطة الطريق> الخاصة بهذا الاستحقاق هي لبنانية صرف، وان الحوار بين القيادات ولاسيما بين تيار <المستقبل> وتكتل التغيير والإصلاح هو مدخله الطبيعي، بمعنى ان مفاعيل الاتفاق النووي لن تنسحب على الملف الرئاسي اللبناني.

وفي هذا السياق، قالت مصادر متابعة ان عودة لبنان الى جدول الاهتمامات الفرنسية لا تقابلها عودة مماثلة الى جدول الاهتمامات الاميركية ذلك ان إدارة الرئيس <باراك أوباما> تضع الملف اللبناني في الدرجة الرابعة من اهتماماتها، بعد الأوضاع في سوريا والعراق واليمن والعلاقات مع دول الخليج، ولاسيما السعودية، وبالتالي فإن واشنطن <ستتابع> تطور المسعى الفرنسي المنسّق مع الفاتيكان من دون ان تكون مشاركتها فيه فاعلة في المرحلة الراهنة، وعندما يتحول هذا الملف الى واقع ملموس يمكن إذ ذاك للإدارة الأميركية ان تقول كلمتها. اما في الوقت الراهن، فإن الموقف <التقليدي> الأميركي هو حث القيادات اللبنانية على الاتفاق في ما بينها لإخراج البلد من أزمتها الرئاسية الخانقة، ومع تكرار لأزمة ضرورة المحافظة على الاستقرار الأمني الذي هو الأساس في المرحلة الراهنة.

حركة فرنسية… ولا نتائج سريعة

والذين زاروا العاصمة الفرنسية مؤخراً، سواء وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق أو رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط (مع نجله تيمور) أدركوا ان المسعى الفرنسي مع طهران سوف يحرّك الملف الرئاسي اللبناني من دون أن يعني ذلك الوصول الى نتائج عملية فيه، لاسيما وان طهران ليست في وارد التركيز راهناً على غير المفاعيل التي تتوقعها من الاتفاق النووي والتي وعد المجتمع الدولي بتحقيقها لترجمة هذا الاتفاق عملياً، خصوصاً ان مهلة الستة أشهر الاختبارية ستكون ضاغطة لمعرفة مدى التزام الأفرقاء بما وعدوا به، إضافة الى ان طهران ليست في وارد تقديم اي <تنازلات> للفرنسيين الذين تصلبوا كثيراً خلال المفاوضات معها ولم يبدوا أي ليونة على عكس دول أوروبية أخرى، وان سارعت باريس الى محاولة قطف ثمار هذا الاتفاق من خلال زيارة <لوران فابيوس> لطهران، فضلاً عن ان المسؤولين الإيرانيين يعرفون حق المعرفة مدى تقدم العلاقات الفرنسية ــ السعودية وسيعملون بالتالي للاستفادة من هذه العلاقات لإثارة العديد من المواضيع العالقة بين طهران والرياض والتي ليس بينها الملف اللبناني… في الوقت الراهن على الأقل.

ولاحظ زوار العاصمة الفرنسية أيضاً ان الإدارة الفرنسية التي تابعت مسار المفاوضات مع إيران رفضت البحث في اي ملف مع دول الغرب غير الملف النووي، قاطعة بذلك الطريق أمام أي <مقايضة> بين ولادة هذا الاتفاق والتداول في قضايا عالقة أخرى لها إيران الرأي المؤثر فيها، سواء تعلق الأمر بالوضع في سوريا والعراق او حتى في اليمن. لذلك ثمة قناعة لدى الفرنسيين بأن ملف الرئاسة اللبنانية منفصل تماماً عن الملف النووي، وان الأمر ينسحب أيضاً على ملفات أخرى تهتم بها طهران راهناً. وإذا كانت القيادة الإيرانية تعيد الاستحقاق الرئاسي الى الداخل اللبناني، فلأنها لا تريد أن تفرض على حلفائها في لبنان (والمقصود طبعاً حزب الله) أي حلول أو مقترحات حلول، لأن هذا الملف في يد قيادة حزب الله وما توافق عليه يحظى بدعم إيران، وما يرفضه حزب الله لن تعمل طهران على <إقناعه> بقبوله.

وفي هذا السياق، قالت مصادر مطلعة على النهج الإيراني قبل مفاوضات الاتفاق النووي وخلالها وبعدها ان طهران ترى ان ملفات المنطقة منفصلة عن الملف النووي، لأن لكل أزمة في بلد ما وضعية معينة تختلف عن البلد الآخر، ذلك ان حل الأزمة السورية مثلاً مختلف عن حل الأزمة العراقية، وكذلك الأمر بالنسبة الى الأزمة اليمنية والوضع في ليبيا. لذلك تدعو المصادر نفسها الى عدم المراهنة على دور إيراني في الملف الرئاسي <يناقض> أو <يحرج> حزب الله الذي تمنحه طهران حق البت فيه على نحو يتناسب مع صعوبات الواقع السياسي اللبناني الراهن.

حوار الرياض وطهران مدخل الحل

ووسط هذا <الجزم> بعدم تدخل القيادة الإيرانية في ملف الاستحقاق الرئاسي اللبناني، فإن مراجع رسمية وأخرى سياسية ترى ان اي تقدم في الملف الرئاسي اللبناني لن يتحقق في المدى المنظور إذا لم يتجدد التواصل بين السعودية وإيران نظراً لتأثير السعودية على أفرقاء لبنانيين، مسلمين ومسيحيين، في مقابل تأثير مماثل لإيران على أفرقاء آخرين في الطرفين المسيحي والإسلامي. لذلك، تقول هذه المراجع ان المؤشر الوحيد لحصول أي تقدم في الملف الرئاسي سيكون من خلال تحقيق أي خرق في حائط العلاقات الإيرانية ــ السعودية، ومثل هذه الخروق ليست قريبة المنال، أقله في الوقت الراهن. وما عزز هذا الانطباع المعلومات الاكيدة التي تداولتها مراجع لبنانية رسمية وسياسية نهاية الأسبوع الماضي، وفيها ان الرياض <غير متحمسة> لأي نقاش مع إيران عنوانه تسهيل إنجاز الاستحقاق الرئاسي لأنها لا تريد أن تعطي طهران مكسباً سياسياً إضافياً على مستوى أزمات المنطقة، بل بالعكس، فإن التوجه السعودي مال نحو المزيد من التشدد مع حزب الله لكونه الحليف الأقوى مع ايران وهو ما تم التداخل به خلال زيارة رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع قبل أسبوعين للرياض، وما تُرجم على صعيد التعثر الكبير الذي اعترى مسار حكومة الرئيس تمام سلام والتي جعلها حكومة تصريف أعمال بحكم الواقع أو بفعل قرار رئيس الحكومة بالاعتكاف أو الاستقالة.

وتضيف المراجع نفسها ان المواجهة مع حزب الله ستأخذ وجوهاً سياسية مختلفة، بالتزامن مع نشاط إعلامي يصب في الاتجاه نفسه، أي تحميل حزب الله عبء كل ما ينشأ من أزمات في لبنان، وهو ما نفـــــــــــــــــــــــاه السيد نصر الله في إطلالته الإعلامية الأخيرة داعياً، على العكس، الى حوار بين <المستقبل> والعماد عون للوصول الى حلول جذرية للمشاكل العالقة لبنانياً. غير ان مثـــــــــــــــــــــــــــــــــــل هذه الدعوات لا تسقط حقائق قائمة أبرزها ان لا مجال في الوقت الراهن لـ<هدنة> بين حزب الله من جهة، والسعودية وحلفائها من جهة ثانية. وعليه فإن كل المعطيات <تبشّر> بمواجهات ساخنة يؤمل ان تبقى في إطار سياســــــــــــــــــــــــــــــــــــي ولا تجنح نحو المشاكل الأمنية، لاسيما وان الأرض <خصبة> ومهيأة لكل فتيل يشتعل.

والتقت مصادر نيابية قريبة من ايران مع مواقف لـ<وسطيين> في التشديد على ان الوقت لم يحن بعد لإطلاق دينامية حوار بين الرياض وطهران حول المواضيع المطروحة ومنها الموضوع اللبناني، وان سياسة <النفس الطويل> التي تجيدها القيادة الإيرانية تعني عملياً ان أي نقاش حول لبنان ــ اذا ما حصل ــ بين الرياض وطهران سيكون نقاشاً طويل الأمد لا يحقق نتائج سريعة تحدث تبديلاً في المشهد اللبناني الراهن، وبالتالي بدلاً من الرهان على مفاعيل الاتفاق النووي الإيراني يجب العمل على <تبريد> الأجواء المشحونة بين الرياض وطهران، وهي مهمة لن تكون سهلة في أي حال، لاسيما في ما يتعلق بلبنان حيث تشعر القيادة السعودية بأنها قادرة على إحداث <توازن> بين الحلفاء المؤيدين لها في قوى 14 آذار من جهة، وقوى 8 آذار من جهة ثانية، بعدما كادت الدفة ان تميل في اتجاه معاكس لا ترضى به السعودية راهناً. وينتظر ان تنضج مواقف سياسية وإعلامية تصب في هذا الاتجاه، في الوقت الذي يتحدث فيه زوار الرياض عن ان الاهتمام السعودي بلبنان كبير، ولا يمكن للمرجعيات الرسمية السعودية إلا ان تكرس الدعم السعودي المقدم للجيش سواء من خلال تمويل تجهيزه فرنسياً، أو من خلال هبة المليار دولار التي تولى الرئيس سعد الحريري الإشراف على تسييلها.