13 November,2018

الاختصاصي في طب النفس والعضو في ”جمعية ادراك“ الدكتور جورج كرم: استعدنا داليدا للتذكير بنهايتها!

 

 

بقلم عبير انطون

IMG-20171114-WA0000

الصحة النفسية في لبنان، تأخذ مدى أوسع من قبل مؤسسات جدية ومراكز جامعية عريقة حتى ان خطوطا ساخنة جندت لها. في شهر ايلول (سبتمبر) الفائت سمعنا عن اطلاق <جمعية Embrace> الخط الساخن الاول للوقاية من الانتحار في لبنان تحت شعار <الحكي بيطول العمر> تضم مشغلي هاتف مدربين تدريبا عاليا ويؤمنون تقييما لخطر الانتحار والدعم العاطفي للمتصلين، مع إحالتهم إلى المراكز الاجتماعية المناسبة للعلاج… قبلها شاركت كريمة رئيس الجمهورية السيدة شانتال عون باسيل في حملة توعية تحت عنوان <بكرا اكيد أحلى> بالتعاون مع <الجمعية الفرنكوفونية للأمراض النفسية في لبنان>، وقالت باسيل خلال الإعلان: <لو كنا قادرين على رؤية ما في قلوب الناس وقراءة التحديات التي يواجهونها لكنا تعاملنا معهم بكثير من المحبة، التسامح، التفاهم والاحترام>. من جانبها، نظمت <<جمعية ادراك>> غير الحكومية ثلاثة احتفالات كانت مميزة للاضاءة على الصحة النفسية ايضا في مجال الاكتئاب تحديدا، ودعت للتوعية حوله غناءً الفنانة المعروفة <ساندي سيمس>.

فما كان دور المغنية، ماذا تقول الاحصاءات حول الاكتئاب والانتحار، ولم يتفوق القطاع العام على القطاع الخاص في مجال الصحة النفسية؟

 اللقاء مع الدكتور ايلي كرم، المتخصّص في طب النفس للراشدين وكبار السن، ومن مؤسسي <<جمعية ادراك>> التي بدأت عملها في شتى مجالات الصحة النفسية منذ العام 1982، اضاء لـ<الافكار> على مختلف هذه الجوانب وعاد الينا بالارقام…

 ــ كيف توجز لنا عمل <جمعية ادراك>؟

– <جمعية ادراك IDRAAC> (مركز الأبحاث وتطوير العلاج التطبيقي) هي جمعية غير حكومية، تعنى بالصحة النفسية وتقدم المساعدة لليافعين والراشدين والمسنين بالإضافة إلى اللاّجئين ساعيةً إلى تحسين حالتهم النفسية ودعمهم المعنوي ومحاربة <التابوهات> عبر فريق من الاختصاصيين، ويمكن للمهتم ان يتواصل معنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة أو زيارة المركز القائم في <مستشفى القديس جاورجيوس> في الأشرفية للاستشارة والتقييم.

 ــ لفت الانتباه احياء الجمعية للذكرى الثلاثين لانتحار المغنية العالمية داليدا باحتفالات قدمتها المغنية الفرنسية <ساندي سيمس>. كيف ولدت الفكرة وما اهميتها لتسليط الضوء على عمل الجمعية؟

– نعرف جميعا ان داليدا عانت من الاكتئاب الذي اودى بها الى الانتحار في العام 1987، وهذه الذكرى الثلاثون لغيابها فقررنا القيام بنشاط يحيي ذكراها وثلاثة احتفالات نجمع من خلالها المال لدعم نشاطات <جمعية ادراك>، خاصة ان الهدف من الاحتفال والموضوع حول النجمة الكبيرة مترابطان في مجال الصحة العقلية.

ــ لماذا اخترتم المغنية <ساندي سام> تحديدا؟

 – وقع اختيارنا على هذه الفنانة الرائعة لأنها سبق وكانت معنا في احتفال عرف نجاحاً هائلاً مع فرقتها المرافقة منذ خمس سنوات، اي في الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل داليدا، وهي معروفة باستعادتها لأغنياتها وعروضها من حول العالم الى حد تقمص شخصيتها خاصة وانها تشبهها بالفعل. لبّت <ساندي> الدعوة من دون تردد، وبيعت جميع البطاقات منذ الايام الاولى، فالناس جمعت الاستمتاع بادائها الى دعم الجمعية. وبعد تركيز نشاطنا في بيروت سابقاً اردنا التنقل ما بين المدن الكبرى في احتفالاتنا الثلاثة التي توزعت ما بين طرابلس، بيروت وصيدا وسلطنا الضوء على الكآبة والانتحار، ومن خلال داليدا ومسيرتها اردنا لفت النظر الى عواقب اهمال السودواية والكآبة، وما يمكن ان تؤديا اليه…

أرقام لبنانية وعالمية

 

ــ هل لديكم احصاءات سنوية عن حالات الاكتئاب المعلن عنها في لبنان وما هي معدلاتها؟

– بالطبع لدينا احصاءات دقيقة في دراسة هي الاولى من نوعها على المستوى الوطني اللبناني وفي العالم العربي وقد شملت مختلف الاراضي اللبنانية وحصلت بشكل علمي ودقيق، وغالبية ما تسمعونه في وسائل الاعلام عن هذه الارقام نتيجة لدراستنا. في لبنان أظهرت النتائج أن 25.8 بالمئة من البالغين في لبنان عانوا اضطراباً نفسياً واحداً على الأقلّ خلال حياتهم، وبيّنت أن اضطرابات القلق (16.7 بالمئة) والاضطرابات المزاجية (12.6 بالمئة) هي أكثر انتشاراً من اضطرابات التحكم في الاندفاعات (4.4 بالمئة) والاضطرابات المتعلقة بالإدمان (2.2 بالمئة)، والذين يعانون من الاكتئاب يصلون الى نسبة واحد على تسعة أشخاص، 10 بالمئة، منهم فقط يخضعون للعلاج، اما الباقون فلا يتعالجون او حتى لا يعرفون انهم يعانون من الكآبة.

وأضاف:

– كذلك فإن الذين يعانون من مشاكل نفسية من حول العالم لا تقل نسبتهم عما هي في لبنان، وهذا صادر عن <منظمة الصحة العالمية> التي تشير إلى أن الاكتئاب بات من العلل الشائعة على مستوى العالم برمته حيث يؤثر على أكثر من 300 مليون شخص. وأكثر من ذلك، هو أحد العوامل التي تؤدي إلى الانتحار حيث يموت كل عام ما يقارب 800000 شخص جراء الانتحار الذي يمثل ثاني سبب رئيسي للوفيات لمن هم بين أعمار 10 و29 عاماً. وفي هذا الإطار، يعدّ لبنان من بين البلدان التي يقع فيها مرض الاكتئاب في <الدرجة المتوسطة>.

ويزيد  الدكتور كرم قائلاً:

 – الذين لا يخضعون للعلاج او يتركون الامور <تحل وحدها> هم بنسبة 90 بالمئة، اما السبب فليس لأن في الأمر محظوراً او <تابو> كما يعتقد كثيرون، بل لأن اصحاب الحالة النفسية لا يدركون بانهم يعانون منها، وذلك بسبب النقص في التوعية او ايضا بسبب العوائق المادية، ومن هنا تركيزنا على الحاجة الملحّة الى تشخيص الأمراض النفسية في وقت مبكر والشروع في معالجتها.

images48ــ هل من عوامل مباشرة تؤدي الى الاكتئاب؟

– ثمّة عوامل كثيرة منها العوامل البيولوجية التي تتحدث عن أسباب وراثية، واخرى تعود إلى التربية في العائلة ما بين الطفولة وعمر 15 سنة، ومنها العوامل الطارئة التي صارت مزمنة: كالحروب والازمات او الصدمات الخاصة بكل شخص وظروف حياته.

ــ هل تختلف النسب في لبنان ما بين المناطق؟

– لا تختلف جداً بحسب المناطق لكن برز في دراستنا ان اهل الجنوب يعانون بنسب اعلى من غيرهم مما يعرف بـ<اضطراب ما بعد الصدمة> (PTSD) وذلك بفعل صدمات الحروب التي تعرضوا لها.

ــ هل النسب متفاوتة بين النساء والرجال في حالات الاكتئاب؟

– الكآبة تصيب النساء اكثر بمرتين من الرجال، ونسبة من يحاولن الانتحار اكبر، الا ان تنفيذه لدى الرجال نسبته اعلى، خاصة وان النساء يستخدمن لانهاء حياتهن وسائل تعتمد على الافراط في الادوية او <الاوفردوز> على غرار ما فعلته داليدا مثلا، وفي بعض الحالات يتم انقاذ من يحاول الانتحار بهذه الوسيلة لان سريان الدواء يتطلب وقتاً، فيما يلجأ الرجال الى وسائل اكثر حدة كإطلاق الرصاص او شنق انفسهم.

ــ هل تؤثر الكآبة على الانتاجية؟

– بكل تأكيد وقد تبين لنا ان الموظفين الذين يعانون من حالات نفسية تكون انتاجيتهم مترادفة لـ11 شهراً في السنة، اي ان رب عملهم يدفع لهم العام كاملاً في حين ان انتاجهم يوازي شهرا اقل بسبب الغياب في التركيز وقلة النشاط الخ…

ــ ماذا عن الاكتئاب لدى الاطفال، وما هو جرس المؤشرات للاهل؟

– يصبح الولد عصبيا، غير سعيد في كل ما يقوم به، يعيش بعزلة عن اصحابه، لا يأكل جيداً، يعاني من التعب الدائم، يتشاجر مع الجميع وينخفض تركيزه في المدرسة وتتراجع علاماته… هذه المؤشرات لا يجب ان تؤخذ في فترة قصيرة بل على الاهل مراقبتها على مدى اسابيع متواصلة. العلاج هنا ضروري وناجع، واكرر ان عنوان حملاتنا الدائم هو ان الكآبة مرض يعالج، فمن الاولوية الا يتم اهماله.

معصّب… مضغوط!

ــ نسمع جميعنا بكلمة <ستريس> أي الضغط الذي نعاني منه على الصعيدين العام والخاص، هل يمكن ان يؤدي <السترس> الى الاكتئاب؟

– نعم اذا لم يعالج بالشكل المطلوب والآني، اذ ان 90 بالمئة من حالات الانتحار سببها الكآبة، وهناك 4 بالمئة يفكرون بالانتحار اما الذين يقدمون عليه فتبلغ نسبتهم 1، 5 بالمئة. وفي هذا المجال، ليست الاحصاءات دقيقة تماما لان هناك عوائق دينية في هذا الصدد اذ تُرفض الصلاة على جثمان المنتحر، فلا يذكر السبب الحقيقي على شهادة الوفاة ويستبدل بأن <طلقة من بارودة الصيد اصابته عن طريق الخطأ، او انه هوى عن السطح> الخ…

ــ هل من سبل للوقاية من الاكتئاب وصولاً الى ما لا تحمد عقباه؟

– بالطبع، والعلاج للاكتئاب لا يرتكز اولا على الدواء. ننصح بالرياضة المنتظمة وهي خير دواء حتى اننا شاركنا سابقا في <ماراتون بيروت> للتوعية حول اهمية الرياضة في الصحة النفسية، ومنذ مدة أقمنا يوماً ترفيهياً وإرشادياً في احدى الصالات الرياضية الشهيرة تشجيعا عليها، وعلى ضرورة الاهتمام بالصحة البدنيّة لتأثيرها على الأمراض النفسية المختلفة كالكآبة والوسواس القهري وغيرها…

ــ كيف يعرف الشخص بعوارض الاكتئاب، والى اي طبيب يلجأ؟

 – يعيش واعصابه مشدودة ويكون دائم التوتر لا ينام بشكل جيد، لا يعمل او لا يركز في عمله ويشعر بإحباط وتعب دائمين… من جانبنا نقوم كجمعية بحملات توعية للاضاءة على المؤشرات وسبل الحلول، كما نقوم بالتوعية وبشكل محدد وبالغ الاهمية للاطباء الذين يعتبرون في البعض منهم الحالات النفسية بانها ثانوية، في حين اثبتت الدراسات ان المريض الذي يعاني من مشكلة عضوية جسدية فان علاجه يتطلب ضعف كمية الدواء ان كان يعاني من مشكلة نفسية متزامنة. وبالنسبة للطبيب الذي يمكن ان يلجأ اليه الفرد الذي يعاني من حالة نفسية معينة، فإن الطبيب النفسي هو الأقدر على تقييم الحالة، ولكن ذلك لا يمنع مثلاً أن يقوم طبيب صحة عامة بمتابعة مريض الاكتئاب ووصف العلاجات له.

ــ ما كانت التوصيات التي نتجت عن دراستكم الحديثة؟

– الاهم حملات التوعية حول الموضوع، في اميركا مثلا الحملات لا تتوقف والاعلانات عبر التلفزيون ووسائل الاتصال قائمة دائماً. في لبنان تساعدنا وزارة الصحة مشكورة، ومنذ شهر كانت حملة لافتة حول موضوعي الاكتئاب والانتحار.

وأضاف:

– اود ان اشير هنا الى خطا شائع عند الكثيرين وهو ان الأدوية التي توصف لمعالجة الاكتئاب خطرة وتؤدي الى الادمان عليها. هذا غير صحيح بتاتا وهذه الأدوية يمكن ان توصف كأي دواء لمرض عضوي على فترة معينة وعندما تأتي بالنتيجة المرجوة يطلب الطبيب وقف تناولها، وهي تختلف عن المهدئات التي قد تؤدي الى الادمان عليها وهذه لا توصف في علاج الكآبة.

 ــ تعهدت وزارة الصحة بان يكون العام 2018 عاماً لتغطية الصحة النفسية كجزء من التغطية الصحية الشاملة، هل لا زالت الجمعية عند هذا الامل؟

– الوزارة تؤمنها، واشير هنا الى ان وضع القطاع العام في هذه المسألة افضل من القطاع الخاص حيث ان بوالص التأمين لدى الشركات الخاصة لا تغطي الحالات الصحية النفسية وترفض الاستشفاء بموجبها.