19 November,2018

الاختصاصيــة في العــلاج النفسي الدكتــورة ديـــالا نجــــار: علـى الأهــل ان يشرحوا لأطفالهم بعض الأمور الجنسية لحمايتهم من التحرش الجنسي!

بقلم وردية بطرس

3

يظن العديد من الأهالي ان عليهم حماية أطفالهم من الغرباء، ولطالما نسمع تحذيرات متكررة من أجل عدم اقتراب الطفل من الغرباء وعدم التحدث اليهم، لكن وفقاً للاحصائيات التي أجرتها منظمة <راين> الأميركية والمتخصصة بحالات التحرش والاعتداء الجنسي، فإن 7 بالمئة من المتحرشين هم غرباء و59 بالمئة هم معارف وأصدقاء و34 بالمئة هم من أفراد العائلة، وبالتالي معظم الحالات التي يتم فيها التحرش تكون من قبل شخص معروف بالنسبة للأطفال بنسبة 93 بالمئة اي شخص يحبونه ويثقون به، مثل الأشخاص الذين يعتنون بالأطفال او الجيران او أصدقاء الأهل اضافة لأطفال من الفئة العمرية نفسها او أكبر. وغالباً ما تتعرض الفتيات للتحرش أكثر من الفتيان وذلك تبعاً للاحصائيات التي تقوم بها منظمة <راين> التي تعمل على وضع برامج متكاملة لمنع العنف الجنسي ومساعدة الأشخاص الذين يتعرضون له. وتبعاً لأرقام <راين> فان كل 8 دقائق يتعرض طفل فوق سن الثانية عشرة لاعتداء او تحرشي جنسي في الولايات المتحدة الأميركية، اي أن واحدة من كل 9 فتيات تتعرض للتحرش تحت سن الثامنة عشرة، وكذلك واحداً من كل 53 صبياً، ما يدل على ان 82 بالمئة من الضحايا هن فتيات بين سن 12 و18.

وفي لبنان واحد من ستة أطفال هو ضحية اعتداء جنسي، الى جانب الايذاء الجسدي والنفسي فضلاً عن الاهمال، وهي نسبة تستدعي خطة وطنية للحد من أشكال العنف كافة ضد الأطفال لتأمين الأمان والحماية لكل طفل.

وكانت دراسة قد نُشرت في العام 2013 هي الأولى من نوعها في لبنان اذ أطلقت منظمة <كفى عنف واستغلال> نتائج الدراسة الوطنية حول التحرش الجنسي بالأطفال والتي قامت بها بالاشتراك مع منظمة <غوث الأطفال ــ السويد> الى جانب المنظمات غير الحكومية التي تُعنى بحماية الأطفال، وأظهرت الدراسة التي تناولت 1025 طفلاً ان 16.1 بالمئة من الأطفال الذين شملهم المسح قد تعرضوا لأحد أشكال الاساءة الجنسية على الأقل، و12.5 بالمئة كانوا ضحايا أفعال جنسية، في حين ان 8.7 بالمئة تعرضوا لمحاولات الشروع في أفعال جنسية، و4.9 بالمئة أرغموا على مشاهدة صور وأفلام اباحية، أما معدل عمر الأطفال الذين تعرضوا لأحد أشكال الاساءة فهو 10.3 سنوات، ولم يلحظ اي احتمال لجهة أن يكون تعرض الطفل للاساءة مرتبطاً بنوع الجنس او الدين او نوع المدرسة او مستوى تعليم الأهل او جنس الشخص الذي يشارك الطفل غرفته.

 

الدكتورة ديالا نجار

ومظاهر التحرش

فكيف يؤثر التحرش الجنسي بالأطفال على حالتهم النفسية؟ وماذا عن حماية الأطفال وعلاجهم اثر تعرضهم للتحرش الجنسي؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على الدكتورة ديالا فيصل نجار الحائزة على دكتوراه في العلاج النفسي والمجازة من البورد الأميركي (علاج الفرد، الطفل، العائلة والزوجين) والتي درست علم النفس في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم انتقلت الى الولايات المتحدة وأكملت دراساتها العليا حيث حازت الماجستير في علم النفس من <جامعة بوسطن> وأيضاً الدكتــوراة في علــــم النفس مــــن جامعــــة <California School Professional Psychology> في لوس أنجلوس، ثم درست لمدة سنة <Post Doctoral Fellowship> وبعدها عادت الى لبنان في العام 2004 وعملت لمدة ثلاث سنوات في مجال علم النفسي العيادي في مستشفى الجامعة الأميركية، واليوم لديها عيادة خاصة داخل مركز الأطباء مقابل مستشفى الجامعة حيث تعاين حالات عديدة تتعلق بالتحرش الجنسي، وقد استهلت حديثها قائلة:

– للأسف مشكلة التحرش الجنسي بالأطفال تتزايد وخصوصاً اليوم مع تزايد نسبة المشردين على الطرقات سواء الأطفال اللبنانيين او غير اللبنانيين الذين يتعرضون لأمور عديدة ومنها التحرش الجنسي. فعندما تصطحب الأم طفلها او طفلتها الى العيادة طلباً للمساعدة عند تعرضه او تعرضها للتحرش الجنسي، أطلب منها تحديداً ان تعلمّ أطفالها أن يقولوا <لا> لأي شخص يطلب منهم نزع ثيابهم او القيام بملامسة أعضائهم التناسلية وما شابه.. كما عليها ان تعلّم أطفالها بأنه في حال قام أحدهم بالتحرش الجنسي ان يخبروها بذلك لكي تتصرف في الوقت المناسب لحمايتهم لئلا تتفاقم المشكلة أكثر ويصل الأمر الى مرحلة نفسية صعبة، كما ننصح الأم بأن تخبر أطفالها بأنها ستحميهم لأن الطفل يظن بأن أهله سيعاقبونه اذا أعلمهم بما حصل معه لهذا يلزم الصمت في كثير من الأحيان، لهذا ننصح الأم بالتنبه لكل هذه الأمور وان تكسب ثقة أولادها، والأهم أن تسعى لمعاقبة اي شخص يقوم بالتحرش بهم. اذاً أهم ما في الأمر هو ان يشعر الطفل بالاطمئنان دائماً وبأن ذويه يوفران له الحماية والأمان مهما حصل.

وتتابع:

– على الأهل أن يدركوا بأن أي شخص قد يلحق الأذى بابنهم أو ابنتهم سواء داخل المنزل أو خارجه، لأنه 90 أو 95 بالمئة من الأطفال الذين يتعرضون للتحرش الجنسي يكون المعتدي من المقربين إليهم، إذ أعاين حالات لا يمكنك أن تتصوريها فمثلاً قصدتني سيدة لتعلمني عن تعرض ابنتها للتحرش الجنسي من قبل خالها منذ أن كانت في السادسة من عمرها لحين بلوغها سن العشرين… وغيرها من الحالات المشابهة، وبالتالي فإن معظم حالات التحرش الجنسي بالأطفال تحدث من قبل أشخاص مقربين اليهم، وتحدث هذه الأمور لأن الطفل يثق بالمقربين إليه ولهذا تصبح العملية أسهل على المتحرش. لا شك أن الطفل الذي يتعرض للتحرش الجنسي تظهر عوارض عديدة لديه على الصعيد العاطفي والجسدي وأحياناً يفكر بالانتحار للحد من معاناته. وهناك أمر أود أن ألفت نظر الأهل اليه الا وهو عندما تتراجع علامات ابنهم او ابنتهم في المدرسة فعليهم ان يعرفوا سبب هذا التراجع، وماذا يحدث معه او معها في المدرسة، اذ قد يكون عامل التنظيف في المدرسة قام بالتحرش بهم او حتى ربما الأستاذ، اذاً على الأم ان تأخذ هذه الاحتمالات بعين الاعتبار لان هذه الأمور قد تحصل في المدرسة. ومن جهة أخرى عندما يعلم الطفل أمه بأنه تعرض للتحرش الجنسي من قبل قريب له او أحد أصدقاء العائلة او أحدهم في المدرسة، فعلى الأم ان تصدقه وتستمع لكل كلمة يقولها لان الطفل في هذه الحالة لا يكذب أبداً ولا يختلق ذلك، وطبعاً يحتاج الطفل لدعم والديه بشكل دائم، ولهذا عليهما ان يرددا دائماً بأنهما يحبانه ولن يقدما على ضربه وما شابه.

التحرش الجنسي داخل المنزل

ــ الى اي مدى يتوجب على الأهل مراقبة أطفالهم سواء داخل المنزل او اي مكان آخر؟

– على الأهل أن يتنبهوا لأمر مهم وهو ألا يتركوا طفلهم أو طفلتهم مع الخادم أو الخادمة في المنزل طوال الوقت، كما على الأهل أن يتنبهوا لأصدقائهم الذين يترددون الى المنزل سواء بحضورهم أو غيابهم، لهذا أردد دائماً بأن هناك مؤامرة صمت عند الأم، إذ أحياناً تعرف الوالدة بما يتعرض له ابنها او ابنتها من قبل أحد أفراد العائلة أو الأقارب، ولكنها تلزم الصمت لأنها تخشى الفضيحة، وهذا يؤدي الى إستمرار حدوث التحرش والاغتصاب في مختلف المجتمعات… ويظهر علم النفس بأن الرجل الذي يتحرش جنسياً بطفل أو طفلة وهو مقرب منه أي يكون أحد الأقارب أو الأصدقاء يأخذ وقتاً طويلاً للقيام بذلك، إذ في البداية يشتري له الهدايا ويردد له عبارات جميلة ومحببة لكي يعزز ثقة الطفل به، ومن ثم يفهمه بأن ما يقوم به هو أمر طبيعي، كما يخبر الطفل بأنه إذا أعلم والديه فإنهما سيكرهانه ولن يصدقاه، وقد يلجأ المتحرش بالأطفال الى أسلوب الترهيب إذ يهدد الطفل بأنه سيؤذيه أو يؤذي أهله إذا أخبرهم بما يفعله، لذا يلزم الطفل الصمت ولا يخبر أحداً خوفاً من المعتدي، وقد يظن البعض بأن هذه الأمور تحصل بين الطبقة الفقيرة وغير المتعلمة، ولكن هذا غير صحيح إذ هناك عائلات تنتمي الى طبقة غنية وتتمتع بمستوى علمي راقٍ ولكنها تتعرّض لمثل هذه الحالات، وبالتالي فان هذه المشكلة قد تصيب أي مجتمع مهما كان مستواه الاجتماعي والعلمي والثقافي.

ظهور علامات عند الطفل المتحرش به

2

ــ هل تظهر علامات معينة عند الطفل؟

– العلامات أو العوارض الخارجية تتمثل بأن يلجأ الطفل الذي يتعرض للتحرش الجنسي الى بعض التصرفات العدائية، أو الانطواء والإنعزال بسبب ما يتعرض له، أو قد يخشى المشاركة في أي نشاط خارج المنزل، كما يشعر بإنعدام الثقة بنفسه، كذلك فإن الطفل الذي يتعرض للتحرش الجنسي يمارس العادة السرية بشكل مستمر مما يؤثر على تصرفاته في المدرسة تحديداً إذ لا يركّز على دروسه وتتراجع علاماته بشكل لافت، ومن علامات أو عوارض التحرش الجنسي بالطفل ظهور الدم والنزيف، كما قد تحدث جروح أو إحمرار في الأعضاء التناسلية أو يُصاب بعدوى أمراض فيروسية معدية.

 

الجانب النفسي

ــ ما هو تأثير التحرش الجنسي على الطفل من الناحية النفسية؟

– بعدما يتعرض الطفل للتحرش الجنسي يعاني من مشاكل نفسية على المدى الطويل، إذ يشعر بإحباط لأنه يجد نفسه متروكاً ومهملاً ويمرّ بأزمة نفسية حيث يتساءل لماذا يحدث ذلك معه ولماذا لم يوفر والداه الحماية له لئلا يقع ضحية أحدهم، كما يشعر الطفل عندما يتعرض للتحرش الجنسي بانعدام الثقة بنفسه ويصعب عليه أن يسيطر على مشاعره أو غضبه، كما أنه ينطوي على نفسه بشكل لافت، وقد يودي الأمر به الى الادمان على المخدرات، كما يصبح تعاطيه مع الآخرين سواء الأهل أو الأصدقاء صعباً لأنه يشعر دائماً بأنه لم تتوافر الحماية الكافية له ولهذا قد أصابه ما أصابه، أي أنه يلقي اللوم على الآخرين، كما أن الطفل الذي يتعرض للتحرش الجنسي بشكل دائم يشعر باليأس والفراغ وهذا يبعده عن عائلته وأصدقائه.

معالجة الطفل اثر تعرضه

للتحرش الجنسي

ــ وكيف يُعالج الطفل في هذه الحالة؟

– أولاً حماية الطفل أمر ضروري لتفادي حدوث هذه المشكلة التي تلازمه طوال حياته إذا لم يتلق العلاج النفسي المناسب، وبالتالي لا بد ان يتحدث الأهل عن أمور تتعلق بالجنس أمام أولادهم بطريقة علمية تثقيفية لكي يكونوا على دراية بما قد يتعرضون له من قبل أشخاص محيطين بهم أو خارج المنزل، وعلى الأم أن تشرح لطفلها بأنه لا يجب أن يلمس أي انسان أعضاءه التناسلية والأمر نفسه ينطبق على طفلتها. وعندما تصطحب الأم طفلتها الى العيادة أشرح لها بأن هناك لمساً إيجابياً ولمساً غير إيجابياً بما معناه بأنه يجب ألا تسمح لأي شخص غريب بملامستها حتى إذا كان مقرباً، فمن غير المسموح أن يلمس أعضاءها التناسلية، ويظن البعض بأن الطفل لا يستوعب هذه الأمور، ولكن في الحقيقة إذا شرحت ذلك للطفل بطريقة جيدة وبسيطة فيمكن أن يحمي نفسه بنفسه، ولهذا نطلب من الأم أن تشرح لأطفالها بأنه يجب ألا ينزعوا ثيابهم بناء على طلب أحدهم، وبطبيعة الحال يجب ألا ينزعوا ثيابهم في الأماكن العامة لئلا يعتادوا الأمر، كما ننصح بمرافقة الأم طفلها أو طفلتها الى الطبيب الذي سيعاينه أو يعاينها تفادياً لحدوث أمر ما، لأنه للأسف سمعنا بحالة إقدام أحد الأطباء بالتحرش الجنسي بطفل أثناء معاينته له وبالتالي يجب أن تكون الأم على دراية بهذه الأمور كلها.

وأضافت:

– في يومنا هذا تقوم الأم بتربية الأولاد والعمل في آن واحد، وبالتالي مسؤولياتها عديدة ولا تنتهي، ولكن بالرغم من كل ذلك يجب أن تتنبه لهذه الأمور فمثلاً عليها أن تعرف أصدقاء ابنها او ابنتها وأن تعرف ذويهم بشكل جيد، وأكثر من ذلك في حال كان طفلها برفقة أصدقائه يلعبون في غرفته فعليها أن تتفقدهم بين الحين والآخر لأنه قد يكون أحد أصدقائه تعلم أموراً سيئة من شخص أكبر منه وبدوره ينقل اليه تلك العادات السيئة، كما على الأهل أن يأخذوا كل كلمة يقولها ابنهم على محمل الجد، كأن يستعلموا عن الشخص الذي قام بالتحرش به وعن اسمه أو أين التقى به إذا كانت عملية التحرش قد حصلت خارج المنزل، كما عليهم أن يراقبوا تصرفاته في المنزل أو الاستعلام عن وضعه في المدرسة، وعليهم أن يصطحبوه الى الطبيب كل ستة أشهر لفحص أعضائه التناسلية في حال كان قد تعرض لتحرش ما، ومن الضروري أن يصطحبوه الى الطبيب النفسي إذا كان بالفعل قد تعرض للتحرش الجنسي لمعالجته قبل تفاقم الحالة النفسية، وطبعاً معالجة المشكلة في بدايتها أفضل وأحسن إذ يمكن له أن يتخطى الحالة النفسية إذا حظي بالعلاج النفسي المناسب من جهة وبدعم ومساندة ذويه من جهة أخرى.

قوانين حماية الطفل

ــ وهل برأيك القوانين المتعلقة بحماية الطفل تساعد في هذا الخصوص؟

– صحيح أن لدى الحكومة اللبنانية قوانين تتعلق بحماية الطفل ولكنها للأسف لا تطبق بحذافيرها ولهذا تتزايد حالات الاعتداء في مجتمعنا اللبناني، لهذا نأمل أن تقوم الدولة بواجبها كما يجب، كما على الأهل أن يلعبوا دوراً كبيراً في حماية أولادهم وعلى المدرسة أن تلعب دورها أيضاً في هذا الخصوص، فالبيت والمدرسة يجب ان يتداركا هذه المشكلة منذ البداية لحماية الأطفال من التحرش الجنسي الذي يلحق الأذى بهم مدى حياتهم لاسيما اذا لم يُعالجوا. وهناك جمعيات عديدة مثل <كفى> و<حماية> وغيرها تعمل جاهدة، ولكن ذلك لا يكفي إذ يجب قبل شيء ان يتم تعديل القوانين لأنه اليوم يدخل المتحرش الى السجن ويخرج منه سريعاً ولا يُعاقب، وبالتالي سيقوم بفعلته مراراً طالما ليس هناك من يعاقبه، وبالتالي مهما عملت تلك الجمعيات وبذلت جهداً كبيراً للمساعدة فليس هناك قوانين تحمي الأطفال بالطريقة الصحيحة. للأسف مشكلة التحرش الجنسي بالأطفال قديمة ولا تزال، واننا بحاجة لنظام حماية كما يحدث في أميركا اي ان يُؤخذ الطفل من البيت لتقديم المساعدة له من جهة، وزج المتحرش في السجن لمعاقبته وليس التساهل مع هذه الأمور على الاطلاق، وذلك من أجل حماية الأطفال الذين يدفعون الثمن غالياً على الصعيد الجسدي والنفسي.