21 September,2018

”عاشوراء“ في الميزان ”الاستفزازي“ والأمني

بقلم علي الحسيني

3 

كما في كل عام، ثمة ركن في زاوية مناسبة عاشوراء في لبنان تتحول إلى محل جدل وانتقادات واسعة تطال في معظمها، القيمين على احياء المناسبات العاشورائية في العديد من المناطق، لما يُرافقها من خطوات <استفزازية> ترسم في بعض ملامحها تصرفات مُبهمة وكأنها محاولات لاستفزاز الغير او استدراجه إلى مشكل أو ربما اعتباره فرداً من الذين شاركوا في قتل الحسين بن علي حفيد النبي محمد، او التسليم بمقتله. وما يُثير من نقمة الغير ونفوره، كثرة الشعارات والاعلام التي توزع على الطرقات وتنتشر بشدة في أحياء ليس بالضرورة أن تكون مؤيدة لهذا الحزب أو تلك الحركة.

 

المطلوب ضبط المناسبات العاشورائية

احياء مناسبة عاشوراء، هي مشكلة تتكرر في كل عام في لبنان نتيجة غياب التنسيق او الضابط لكل هذه المراسم التي يتم احياؤها سواء في العاصمة او خارجها خصوصاً وأن ثمة أشخاصاً لا يزالون يعتبرون ان أهل السنة مسؤولون حتى اليوم، عن مقتل الحسين أو أنهم غير متعاطفين مع قضيته التي هي من دون أدنى شك، مُحقة وعادلة لكنها في الوقت نفسه، لا تستدعي كل هذا الاستنفار ضد فريق من اللبنانيين واعتباره مؤيداً أو موالياً للجهة التي ناهضت الحسين وقتلته منذ اكثر من الف وخمسمئة عام. فعلى سبيل المثال، ومنذ اليوم الأول لمناسبة عاشوراء، لم تترك شجرة او عمود انارة او حائط في شوارع بيروت، إلا وزرع بلافتة أو شعار يُعبر عن مناسبة عاشوراء ومنها الدعوات الى الثأر من القاتل، وكأن هذا القاتل شخص يعيش بين اللبنانيين أو كأن هناك جهة تُخفيه. وهنا ترى بعض المراجع الدينية السنية على وجه التحديد، أن لقضية الحسين احقية في ان تُناصر وأن تُتخذ قدوة لرفع الظلم عن المظلوم وهو الذي استشهد دفاعاً عن الحق وليس في سبيل السلطة. لكن المراجع هذه، تدعو الى ضبط المناسبات وعدم خروجها عن السيرة الحقيقية وتوجيه الاتهامات بشكل عشوائي لهذا الطرف أو ذاك، أو حتى استفزاز الناس بالشعارات كوضع لافتات تدعو للثأر أمام بيوت الناس وأرزاقهم وداخل أحيائهم.

من غير المعقول ولا المقبول، ان يسعى بعض الغلاة أو الجهلة، الى تحويل مناسبة عاشوراء من يوم وجداني الى يوم يسعون فيه الى تكريس الانقسام المذهبي إن بشعارات مزيفة أو من خلال اتهام فئة من الناس تأييدها مقتل الإمام الحسين بن علي. وللتذكير فإن هذا اليوم له أهمية عند الشيعة ففيه هذا حصل استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وأهل بيته ظلماً بعد حِصَار دام ثلاثة ايام مُنِعَ هو وأهل بيته من الماء. وللذكرى عند الشيعة عموماً، والمذهب الإثني عشري خصوصاً، شعائر مميزة يقومون بها طوال الايام العشرة الأوائل من محرم التي تعزز ايمانهم من خلال التفكر بالحدث المأساوي العظيم. ومن الشعائر التي يقوم بها الشيعة الاثني عشرية، في جميع أنحاء العالم وخاصة في كربلاء، زيارة ضريح الإمام الحسين وإضاءة الشموع وقراءة واقعة الإمام الحسين والبكاء عند سماعها واللطم تعبيراً عن حزنهم، والاستماع إلى قصائد عن المأساة والمواعظ عن كيفية استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته. لكن المشكلة الكبرى تكمن لدى البعض الذين يحاولون حرف المناسبة عن موضعها الحقيقي، من خلال ممارسة شعار التطبير أي ضرب الرأس بالسيوف وجلد أنفسهم بالسلاسل الحديدية، وهذه الأمور هي محط اختلاف كبير عند الشيعة الذين بمعظمهم يحرمون ممارسة هذه الشعائر، في وقت يرى فيه قلّة منهم، أنه أمر جائز ولا ضير في ممارسته.

 

5 <التطبير> بين الأخذ والرد عند الشيعة

الخلاف حول <التطبير> يشتد أكثر فأكثر، ففي كل يوم يتم الاقتراب من اليوم العاشر، يوم واقعة الطف التي فيها استشهد الامام الحسين، تتفاقم الآراء وتتحول الى نزاع اعلامي يُفرغ فيه مؤيدو حزب الله وحركة <أمل> ما في جعبتهم، للدلالة على صوابية أو رفض هذا المعتقد. فحركة <امل> تعتبر ان التطبير هو واحد من اعلى مظاهر التعبير عن الحب وعن الولاء وعن العشق الحسيني، بحيث يكون المؤمن الشيعي في هذا اليوم حاضراً ان يؤذي نفسه وان يسيل دمه من جسده او من رأسه بكل بساطة وسهولة للقول إنه لو كان موجوداً في تلك اللحظة مع إمامه في كربلاء لما تهاون عن نصرته والقتال بين يديه وبذل دمه وروحه معه وفي سبيله. هذا في حين ان حزب الله يعتبر بأن هذه الفعلة <الشنيعة> هي من العادات الدخيلة على التشيع وعلى الطقوس العاشورائية، ويذهب اكثر من ذلك للقول بوضوح عن الحرمة الشرعية للتطبير، مستنداً بشكل اساسي الى فتوى السيد الى خامنئي الذي يصرح بحرمة التطبير، ويحاول الحزب في هذا السياق ايجاد بدائل يعتبرها اكثر حضارية كفتح المجال للراغب بالتطبير ان يتبرع بالدم عبر اقامة مراكز متخصصة في هذا المجال.

المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد طالب يعتبر ان موضوع <التطبير> أي ضرب الرأس بالسيوف، هو أمر طارىء على التشيع وهو من بداية العهد الصفوي، وهذا الأمر لم يكن معهوداً في زمن أهل البيت. ففي العهد الصفوي في ايران كان هناك وزير لشؤون إحياء المناسبات الدينية وأتى بهذه الظاهرة حين ذهب الى أوروبا الشرقية حيث كان هناك مسيحيون أورثوذكس من الذين يمارسون هذا النوع في الطقوس في ذكرى صلب السيد المسيح حيث كانوا يضربون رؤوسهم ويجلدون أنفسهم، فجاء بهذه العادات معه الى ايران الصفوية وطلب من الناس أن يحيوا ذكرى عاشوراء بهذه الطريقة.

ويتابع: فعلاً لم يأت نص في حرمة أو وجوب <التطبير> بل ترك أمراً مباحاً والأخير يشترط فيه عادة أن لا يتسبب بضرر وأن لا يكون هناك أمر ينقض هذه الإباحة، والذين يقومون بهذه الممارسات انما يقومون بها حباً بالإمام الحسين ومن حرم هذه الظاهرة وجد أن فيها ما يسيء الى سمعة المذهب والى صورته. فالمشكلة في التشخيص وليس في أصل العمل، وكلا الطرفين معذور أمام الله لأن خلفية <التطبير> هي شيء بين الإنسان وبين الله وأي أمر يجب أن نقوم به يجب أن يكون نابعاً من جزع وليس من استعراض. ويعتبر أن طريقة <التطبير> التي تحصل اليوم تحتاج الى توجيه من قبل المشايخ لأن الأمر أصبح أشبه بشيء استعراضي، والكثيرون ممن يقومون به لا يصلون ويشربون الخمر. وهذا بالتالي لا يمكن أن يمثل تطبيراً بالشكل الذي يمثل حالة الجزع على الحسين. اما بالنسبة الى <تطبير> الاطفال، فرأى طالب أنه لا ولاية للأب يستطيع من خلالها أن يجرح رضيعاً أو طفلاً غير واعٍ بل يجب تربيته لحظة بلحظة على حب الحسين وعلى تعاليمه ومبادئه وقيمه وأخلاقه بالكلمة الطيبة والإرشاد الطيب.

 

دار الفتوى: الحسين شهيد ومظلوم

6

مصادر دار الفتوى تؤكد لـ<الأفكار> أن للمسلمين جميعاً نظرة واحدة إلى أصل حادثة كربلاء، وهي نظرتهم إلى صاحب الحادثة سيدنا الإمام الحسين، فهو مكان تقدير بل نقول تقديس من السنة كما الشيعة. ويعتبر المسلمون جميعاً بمن فيهم أهل السنة أن ما حدث في كربلاء فاجعة أصابت الامة الاسلامية في قلبها لمكانة الإمام الحسين من نبي هذه الأمة، فهو جده وليس فقط جده بالنسب بل هو حبيبه حيث كانت له مكانة خاصة في عاطفة النبي وقلبه ووجدانه، لذلك نحن كسنة نعتبر أن كل هذه المعاني السامية والراقية المرتبطة بالنبوة قد اصيبت في يوم عاشوراء وفي يوم كربلاء. لكن يبقى هناك فارق وحيد هو في كيفية إحياء هذ المناسبة، نحن مجمعون على الألم، مجمعون على أنها حادثة مرفوضة، مجمعون على أن من قام بقتل الإمام الحسين هو انسان مجرم لا تبرير لفعله وهو ضال عن طريق الإيمان، فلو كان لديه ذرة إيمان لما مسّ ابن بنت رسول الله.

وتقول المصادر: الشيعة يحيون الذكرى مجسدين الألم في كل مرة، ولهم تبريرهم في ذلك، نحن نحييها بذكر ما وقع فيها لنستفيد من العِبر والدروس، لننتقل من الألم الذي حدث إلى عبر نستفيد منها كضرورة الوحدة بين المسلمين، كضرورة أن يكون الانسان مصلحاً وألا يكون متخاذلاً كما فُعل بالإمام الحسين، كي لا يكون الثمن غالياً ولكن بعقل وحكمة ووعي، من غير استثارة جروح الماضي، وإن كانوا هم يرون أن هذا الأمر يجدد حركة الإمام الحسين ويجدد التعلق به فهذه وجهة نظرهم. حتى أن الشيعة يجمعون على أن بعض الممارسات التي يقوم بها بعض العوام منهم في الذكرى مرفوضة، وأفتت مراجع كبيرة لديهم بحرمة هذه الأفعال كضرب السيوف وتعذيب النفس، فإذا انتهت هذه المظاهر يصبح الواقع واحداً في معاني ذكرى كربلاء لدى جميع المسلمين.

من الدين الى السياسة والأمن

لا تتغير المسائل الخلافية كثيراً في ما خص ذكرى عاشوراء، بين ما يجري من انقسام <مذهبي> حول المناسبة، وبين الواقع السياسي والأمني على الأرض، إذ إنه في كل عام، تتحول المناطق الخاضعة لسيطرة <حزب الله> وحركة <أمل> إلى ما يُشبه ثكنات عسكرية خوفاً من حدوث أمر طارئ كما كان الحال يوم كانت مناطقهم عُرضة للتفجيرات على يد انتحاري <داعش> و<جبهة النصرة>. الاجراءات التي يعتبرها الطرفان <روتينية> خصوصاً في مثل مناسبة كهذه، يراها البعض وخصوصاً المدنيين،مُبالغاً بها وتحديداً في الشق المتعلق بإغلاق الطرقات ونصب الحواجز ومنع الناس من دخول مناطقها أو الخروج منها، الا في توقيت محدد بالاضافة الى عمليات التفتيش التي تحصل بشكل غير منظم ومن قبل شبان في مقتبل العمر، لا خبرة لهم في التعاطي مع الناس الا من خلال لغة الأمر والاستبداد والتصرف غير اللائق حتى مع أهالي المنطقة.

لكن هذا الرفض للإجراءات الأمنية يقُابل في جهة أخرى، برضا يظهر في حديث عدد آخر من سكان الضاحية. <نشعر بالأمن والأمان. نذهب إلى المجالس الحسينية بكل إطمئنان، لأن الحزب والحركة يحمياننا، فهي برأيهم فترة قصيرة، عشرة أيام فقط. وعلى الجميع تقدير الجهود التي تُبذل من أجل أبناء المنطقة. وفي مُجمل أحاديث هؤلاء، ثمة جملة واحدة لا تنفك تتكرر على السنتهم <إذا نحن ما اتحملنا مين بدو يتحمل؟>. وبالنسبة الى جمهور حزب الله، فهو يعلم جيداً أن تكلفة الحرب السورية، سوف تكون باهظة جداً عليه وأنه سيدفع ثمنها من خوفه واستقراره ومعنويّاته، ولكن يبقى التبرير لدى البعض، العامل الأبرز للهروب ربما من الموت وجدلية أو فرضية جملة <لولا هذا التدخل>، على الرغم من أن هذا البعض غير راض لا عن الاستنفارات اليومية التي تعوق حركتهم وتكبلهم ضمن حدودهم الضيقة. ويعتبر هؤلاء، أن ذكرى عاشوراء وعلى الرغم من أهميتها ورمزيتها الدينية، إلا أنها تحولت إلى مناسبة سنوية، تستعيد من خلالها الاحزاب المسيطرة، مشهدية القوة و<الأمن الذاتي> وتذكير الناس بوجودهم أو ربما كل طرف يُريد أن يُذكر الآخر، أنه موجود كقوة عسكرية وكحضور جماهيري مع دعم سياسي.

1  

الجيش يحضر بقوة على الساحة الأمنية

مع الدخول في اليوم الأول من السنة الهجرية، دخلت بعض المناطق في لبنان وككل عام، في حالة التكهنات والاستنتاجات والتحليلات حول الوضع الأمني وما يمكن ان يرافق هذا الشهر من أعمال تخريبية على يد الجماعات الارهابية التي دحرت مؤخراً عن لبنان، بفعل الضربات التي ألحقها بها الجيش والتي أدت إلى إخراجهم من لبنان بعد معارك سطّر خلالها ملاحم بطولية ودفع فيها حياة نخبة من عناصره وسقوط جرحى ردّدوا على الملأ أمام كل من زارهم للإطمئنان عنهم، لو أنهم يستطيعون العودة إلى الميدان.

الجيش جاهز لأسوأ الاحتمالات. جملة تختصر الوضع القائم في لبنان لجهة الأمن والاستقرار اللذين يخيمان على البلد منذ فترة طويلة واللذين يكرسان واقعاً ملموساً، بفعل الانجازات التي تحققت عبر معركة <فجر الجرود> التي أرخت طرق جديدة في التعاطي الأمني، ان من خلال فتح ملفات كل الجماعات والافراد التي تحوم حولها الشبهات ومتابعة كافة التفاصيل حولها، أو من خلال العمليات الاستباقية التي تقوم بها مديرية المخابرات والتي تفضي في كل الأوقات، إلى القاء القبض إما على مطلوبين، أو على خلايا نائمة غالباً ما تكون في صدد التحرك لتنفيذ مخطط إرهابي في أكثر من منطقة.

في سياق التحليلات والتكهنات التي أصبحت جزءاً من حياة البعض في لبنان خصوصاً منذ استهدافه على يد الجماعات الارهابية سواء بالسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية أو بواسطة أحزمة ناسفة على غرار ما كان حصل في الضاحية الجنوبية، راجت خلال الأيام الماضية جملة تعميمات حذرت من عمليات ارهابية واستهداف لتجمعات تجارية، أرخت حالة من الذعر والخوف في صفوف المواطنين وصلت إلى حد <الفوبيا> تُرجمت بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي استدعى انتباهاً من الدولة وخصوصاً المؤسسة العسكرية التي نفت كل تلك الادعاءات ووضعتها في خانة محاولات نشر الرعب في بين اللبنانيين وتشكيكهم في قدرة مؤسساتهم الأمنية بالدرجة الأولى، والتعتيم على انتصار <فجر الجرود> التي ما زالت صدى انتصاراتها تتردد في الداخل والخارج وتحديداً على ألسنة البعثات الدولية التي تفد إلى لبنان، وعلى رأسها، البعثات الأمنية والعسكرية والسياسية.

واليوم  تدخل أيضاً موجة من الفبركات التي يسعى مطلقوها إلى نشر الخوف والذعر في صفوف المواطنين ومنعهم من متابعة حياتهم اليومية على النحو المعتاد. محاولات السعي لجعل لبنان بلد غير آمن بنظر أبنائه وهزّ صورة المؤسسات الأمنية وإظهارها بشكل العاجز، واجهها الجيش ببيان منذ أيام، أكد فيه أن وحداته المنتشرة في مختلف المناطق، باشرت تنفيذ تدابير أمنية استثنائية في محيط الأماكن التي يتم فيها عادة إحياء مناسبة عاشوراء.

في هذا السياق، تؤكد مصادر عسكرية أن <جميع الاحتياطات قد تم اتخاذها وأن مؤسسة الجيش تعي تماماً حجم الدور الأمني الملقى على عاتقها وبالتالي فإن كل ما يقوم به الجيش من عمليات استباقية ونوعية، لا تتعلق بمناسبة معينة أو بفترة محددة، بل هي عمليات تقع في صميم العمل العسكري والامني للجيش وتحديداً مديرية المخابرات التي تقوم بواجبها على اكمل وجه، وهذا ما تُثبّته حالة الاستقرار التي ينعم بها اللبنانيون والتي هي بكل تأكيد، نتيجة حالة الاستقرار السياسي التي نعيشها اليوم والتي تكرست بفعل التوافق بين أركان العهد الحالي والتي تُرجمت في اكثر من مجال لا على الصعيد الأمني فقط.