23 September,2018

الاتفاق السعودي ــ الروسي كان السهم الناري لتصحيح سعر النفط في السوق العالمي  

 

بوتين-و-محمد-بن-سلمان
أطرف ما حفلت به قمة العشرين في <هانغشتو> الصينية بحضور زعماء أكبر عشرين دولة اقتصادية في العالم، ان الحكومة الصينية قامت بإجلاء سكان المدينة المستضيفة للقمة التي يبلغ تعداد سكانها تسعة ملايين انسان، وتضم مقر مجموعة <علي بابا> التجارية العملاقة. كذلك توقفت أعمال البناء مع ان نظام هذه الأعمال يستمر على مدار الساعة، وتم اغلاق مئتي مصنع للصلب على مشارف المدينة ضمن خطة حكومية للحد من التلوث خلال القمة التي تستمر يومين. كما أغلقت السلطات الصينية منتزه بحيرة <وست ليك> الشهير في سياحة المدينة، وقدمت قسائم سفر مجانية بقيمة عشرة ملايين يوان (1,5 مليار دولار) لتشجيع السكان على زيارة مناطق أخرى خارج المدينة.

أما الجانب السياسي الذي أثار اهتمام المراقبين، فتجلى في لقاء الرئيس الأميركي <باراك أوباما> والرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> بعد حالة الجفاء التي شابت علاقاتهما نتيجة لمحاولة الانقلاب الفاشل في تركيا، واتهام <أردوغان> الولايات المتحدة باحتضان الزعيم التركي المعارض <فتح الله غولن> المتهم بالتخطيط للانقلاب الذي لم يحصل يوم 15 تموز (يوليو) الماضي، من مقره في ولاية <بنسلفانيا> الأميركية ورفض واشنطن تسليمه للحكومة التركية لمحاكمته، وقال نائب الرئيس الأميركي <جوزف بايدن> للرئيس <أردوغان> وهو يزور أنقرة مع نهاية الشهر الماضي ويعتذر عن تسليم <غولن> إلا بعد استكمال الشواهد والمستندات التي تثبت تورطه في محاولة الانقلاب. أي لم يقل نعم، ولم يقل لا، وترك الأمر للتفاوض.

والى جانب الانحباس الحراري وتبدل المناخ بحثت جماعة العشرين أزمة العصر التي هي سوريا، وضرورة وجود مبادرة روسية ــ أميركية لحقن الدماء في الشمال السوري والوصول الى هدنة مؤقتة لتمرير قوافل الغذاء والدواء للسوريين الموجودين تحت الحصار.

وكانت العلامة الفارقة في قمة العشرين انضمام مصر الى هذه القمة بشخص الرئيس عبد الفتاح السيسي، فأصبح في قمة العشرين ركنان عربيان أساسيان هما المملكة العربية السعودية التي تولى تمثيلها ولي ولي العهد السعودي النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، ومصر بشخص رئيسها عبد الفتاح السيسي. وانضمام مصر هذا العام الى قمة العشرين اعتراف بدورها الاقتصادي القطبي، وحضورها الكبير في الاقتصاد العالمي، وتجربتها الناجحة في مجال الانحباس الحراري والمناخ.

 

مشاريع مع اليابان

محمد-بن-سلمان-و-ناريهيتو 

وقد جاء الأمير محمد بن سلمان الى قمة العشرين في <هانغشتو> الصينية بعد ختام زيارته لليابان وتوقيعه مذكرة تفاهم دفاعية مع وزيرة الدفاع اليابانية <توموي اينادا> الى جانب التفاهم الدفاعي، واستعراضهما لفرص التعاون بين الرياض وطوكيو، ولاسيما في المجالين الدفاعي والعسكري، كما تناولا الأوضاع في الشرق الأوسط بالتفصيل.

وقد استضاف ولي عهد اليابان وامبراطورها المقبل الأمير <ناروهيتو> ضيفه ولي ولي العهد السعودي داخل قصره في العاصمة اليابانية، وأعرب الأمير محمد بن سلمان لولي العهد الياباني عن شكره لما لقيه من حفاوة استقبال وكريم وفادة مع وفده المرافق. ولم يغب الملف الاقتصادي عن مباحثات الأمير محمد بن سلمان عن زيارته لطوكيو إذ التقى داخل مقر إقامته في العاصمة اليابانية السيد <أوسامو اشيتوبي> الرئيس التنفيذي لشركة <سوميتومو كيميكال> التي لها استثمارات ضخمة في مدينة <رابغ> السعودية، وبحث معه بناء قاعدة لسلسلة مشروعات متاحة في المملكة.

من جهة أخرى بحث ولي ولي العهد السعودي مع رئيس مركز التعاون الدولي الياباني للشرق الأوسط <هيدوسي ناكانيشي> روابط الشراكة بين <رؤية المملكة 2030> والثورة الصناعية اليابانية الرابعة بما فيها شراكة القطاع الخاص الياباني في الفرص الاستثمارية السعودية.

كذلك حظيت <رؤية 2030> السعودية اهتماماً خاصاً من عمدة طوكيو <يوريكو كونيكي> التي تتقن اللغة العربية بعد دراستها في جامعة القاهرة، ووصفتها بقولها: <إنها الرؤية الطموحة جداً والثروة البشرية الأولى والأهم في البلاد، وهو أمر يستحق الاحترام، بعدما كانت الثروة النفطية لوقت طويل أساساً للتنمية>.

وتحدثت العمدة <كونيكي> التي تحكم مدينة من 16 مليون نسمة عن المدن السعودية وتنوعها وتمايزها الشديد بعضها عن بعض. فمدينة الدمام مثلاً يغلب عليها الطابع الصناعي في حين تنفرد مكة المكرمة بروحانيتها وطرازها الفريد، وقالت العمدة <كونيكي> انها تتطلع الى التعاون مع الرياض لإنشاء جسر وطيد بين عاصمتي الدولتين على غرار العلاقة القديمة بين طوكيو والقاهرة اللتين ترتبطان بعلاقة التآخي.

 

مليون متطوع لخدمة الضيوف

ونبقى من جديد في قمة العشرين.

من أجل هذه القمة في مدينة <هانغشتو> وضعت السلطات الصينية مليون متطوع في خدمة أعضاء الوفود المشتركة في قمة مجموعة العشرين، ونحو 3500 صحافي محلي وأجنبي توافدوا على المدينة. والسواد الأعظم من المتطوعين المليون كانوا طلبة من جميع أنحاء البلاد، ومسؤولين اعلاميين واداريين خضعوا لعملية اختيار صارمة اشترطت على المتطوعين اتقان اللغة الانكليزية وخبرة في فن <الاتيكيت> والاسعافات محمد-بن-سلمان-و-شي-جي-بينغ الأولية.

ونشاطات الكواليس لا تقل أهمية عن جلسات قمة العشرين.فعلى هامش القمة التقى الأمير محمد بن سلمان الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، وقال بعد هذا اللقاء ان العلاقات بين المملكة وروسيا هي علاقات استراتيجية، ومن دون مشاركة روسيا والسعودية لا يمكن ارساء سياسة مستقرة في مجال النفط. وقال الرئيس <بوتين>: في اعتبارنا ان تسوية أية مشكلة مهمة في المنطقة غير ممكنة بدون السعودية، وخاطب ولي ولي العهد السعودي قائلاً: <وبالنسبة إلينا يبقى من الأهمية بمكان أن نحافظ على حوار دائم معكم>.

وكان عنوان اليوم الثاني لقمة العشرين هو اتفاق السعودية وروسيا، أكبر دولتين منتجتين للنفط في العالم على <العمل معاً> لتحقيق استقرار أسعار النفط. ونتيجة لتوقيع السعودية وروسيا على اتفاق مبدئي يؤسس لشراكة استراتيجية لبحث السبل الممكنة لدعم استقرار أسواق النفط، ونتيجة لهذا الاتفاق بين الدولتين ارتفع مؤشر سوق النفط الى الاغلاق فوق مستويات6200 نقطة، وهو في نظر مراقبي معاملات السوق أمر ايجابي للغاية.

ونقلت وكالة الأنباء الكويتية الرسمية عن وزير النفط بالوكالة أنس الصالح ترحيب دولة الكويت بالمشاورات السعودية ــ الروسية التي تأتي في إطار <التعاون بين المنتجين الرئيسيين من داخل وخارج منظمة الدول المصدرة للنفط <أوبك>. كما رحبت دولة الإمارات المتحدة في شخص وزير الطاقة سهيل المزروعي بالاتفاق السعودي ــ الروسي واعتبرته خطوة ايجابية تخدم توازن السوق ومصلحة كل من المنتجين والمستهلكين.

ومن القادة الذين التقاهم الأمير محمد بن سلمان في كواليس قمة العشرين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند>، والمستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل>، ورئيسة كوريا الجنوبية <بارك كون هيو>، ورئيس البرازيل <ميشال تامر> والأمين العام للأمم المتحدة <بان كي مون>، ورئيس وزراء ايطاليا <ماتيو رانزي>.

واختصر الأمير محمد بن سلمان التعليق على قمة العشرين في <هانغشتو> بالقول: <أنوّه بالنتائج الايجابية التي توصلنا إليها خلال أعمال القمة> مؤكداً على أهمية ما صدر عنها من قرارات <نأمل أن تساهم بشكل محمد-بن-سلمان-و-بان-كي-مونكبير في دعم التضامن بين دول المجموعة وتعزيز معدلات نمو الاقتصاد العالمي>.

ولأن التجارة هي مفتاح <الصول> في مثل هذه المؤتمرات فقد جاء في البيان الختامي للرئيس الصيني <شي جين بينغ>: <نحن مصممون على تنشيط التجارة كمحرك للنمو، وبناء اقتصاد عالمي منفتح>.

وقال الرئيس الصيني <ان العداء للعولمة ليس في مصلحة الناس البسطاء، وان الاعتماد على السياسة النقدية والضريبة لتحفيز النمو لا يكفي، بل نحتاج الى إعادة تشكيل محرك النمو من خلال الابتكار>، وان مجموعة العشرين تبنت <مبادئ توجيهية> لإدارة سياسة نمو تبقى أول إطار عالمي لقواعد الاستثمار المشترك.

ولعلها المرة الأولى التي تتبنى فيها قمة العشرين هذا الكم من التدابير الجديدة لتقليص مبادلات السلع والخدمات منذ سبع سنوات، حيث تراجعت وتيرة نمو التجارة العالمية الى ما دون عتبة ثلاثة في المئة منذ نشوب الأزمة المالية عام 2008.

وأكدت مجموعة العشرين التي تمثل 85 بالمئة من اجمالي الناتج الداخلي للعالم، وثلثي سكانه، تصميمها على محاربة الهجمات الشعبوية على العولمة عبر مزيد من الاتصالات حول منافع التبادل الحر. وهو رأي<كريستين لاغارد> المديرة العامة لصندوق النقد الدولي.

ولأن الأنظار في قمة العشرين كانت متجهة الى <تيريزا ماي> رئيسة وزراء بريطانيا، لمعرفة خريطة طريقها بعد خروج بريطانيا من حضن الاتحاد الأوروبي. وقد ردت <ماي> على الأبصار الشاخصة باتجاهها بأن بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي تسعى لأن تكون <بطلة تبادل حر> بدءاً من مباحثات حول اتفاق تجاري مقبل مع استراليا، والهند والمكسيك وسنغافورة وكوريا الجنوبية.

والصين نفسها التي ترئس دورة قمة العشرين هذا العام تخضع لعقوبات، مثل إيران، من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اللذين يتهمانها بإغراق العالم بالسلع!