21 November,2018

الإعــــــلام الــنـــــــــاري

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208الإعلام الجديد سلطة خامسة تكاد تبتلع كل السلطات، يبث أي معلومة، ينشر كل رأي، يعبّر عن جل المواقف، يتداول الصور والأفلام.

لقد حطّم الإعلام الفضائي القيود وألغى الحدود، وأتاح لكل فرد أن يكون إعلامياً ومصدراً للمعلومات المكتوبة أو المصوّرة، وأفسح المجال أمام كل مجموعة مهما اختلفت أهدافها أن تبث ما طاب لها من أخبار وأفكار ومواقف وصور وأفلام. ففي لحظة واحدة وبمجرد كبسة تطوف المعلومة أو الصورة أنحاء العالم وتتوزع على ملايين البشر في الكرة الأرضية برمّتها. فباستثناء صعوبة استعمال <الانترنت> بثاً أو التقاطاً، لا حكر على أحد لجهة استعمال سلطة امتلاك المعلومة أو اختلاقها، بالإضافة الى القدرة على نشرها بسرعة الضوء…

إن هذا الهامش من الحرية المطلقة الذي تطرحه وسائل الإعلام الجديدة وشبكات التواصل الاجتماعي، يضع الصحافيين أمام مواجهتين: فعلى الصعيد العملي، بات الصحافيون المهنيون طبعاً في سباق غير متكافئ مع ما يُسمى <الصحافي المواطن> الذي لديه حرية البث والنشر من دون أن يمتلك في الحد الأدنى القدرات الاحترافية والمهارات الصحافية، وأصبح هؤلاء يجدون أنفسهم أمام كم من المعلومات التي يجدر التدقيق بها. فكم بالحري إذا كان مصدر المعلومة في موقع استغلال لهذه الوسائل لأهداف مشبوهة؟ والأخطر من ذلك، أن الاتساع في شبكة <الانترنت> ونشوء الإعلام الجديد يقعان في مرحلة أمنية دقيقة، سمتها الأساسية الإرهاب العملي والفكري، ليس على مستوى المنطقة وحسب، إنما في العالم أيضاً، بحيث ترتفع الخشية مما تستطيع الجماعات الإرهابية والمنظمات غير الشرعية تسويقه عبر الشبكة الالكترونية لنشر الرعب واستقطاب الأنصار من الشباب بشكل خاص.

إن التحديات التي يفرضها التحوّل في وسائل التواصل، في ظل هذه المنافسة العشوائية، ووسط الضخ الهائل من المعلومات، تستدعي من الإعلاميين مقاربة عقلانية ونقدية تمنع ضرب الصدقية وتحول دون القضاء على المهنية. فبدلاً من الانجرار الى اعتماد نقل آلي لما يُنشر على <الانترنت> في وسائل الإعلام التقليدية، يجدر بالإعلام المهني أن يتجه الى قراءة معمّقة لما يُبثّ الكترونياً، من خلال التوقف عند مضمونه والتدقيق بمصادره وتقصي أهدافه والبحث في كل مرة عن حجم صدقيته، فيرتفع بذلك التحدي الذي تفرضه المسؤولية الدقيقة في الحفاظ على مستوى المهنة وأمن المجتمع. ولعل أبسط الأساليب العملية في التعاطي مع هذه المواد المنشورة الكترونياً تقضي بعدم إغفال مضمون هذه المنشورات الالكترونية، ومتابعتها والسعي الى التدقيق في صحتها أو تكذيبها في حال لم تكن صحيحة بدل الانجرار في بثّها.

إن الحرص على الدقة والتوازن والموضوعية يغذّي صدقية وسائل الإعلام المهني، فتشكّل هذه القيم المهنية والأخلاقية الخيط الرفيع والمتين الذي يمنع انتهاك أصول المهنة وقواعدها الاحترافية من جهة، ويضمن أمن المجتمع من جهة ثانية..

أما الاستحقاق الأكثر دقة والذي يلقي بظلاله على وسائل الإعلام الجديدة وكيفية استخدامها فيتمثل بالتطورات الدراماتيكية التي تشهدها منطقتنا والعالم، والتي يتعين على الصحافيين في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع مواكبتها وتغطيتها. فحيال كل حرب وكل خطر أمني، تعود الى الصدارة إشكالية المواجهة بين الحرية كقيمة أساسية في العمل الصحافي من جهة، وبين الأمن كضرورة للحفاظ على الأفراد والمجتمعات، ولعلّها تُطرح بحدة أكبر في هذه المرحلة نظراً للمنحى الخطير الذي بلغته حروب الإرهاب المتنقلة وقدرة المجموعات على نسف الأنظمة بما يشبه نسف الدول نفسها.

فالمرحلة تاريخية وصعبة بما تحمله من تغيير في تحرك المتنازعين واستراتيجيتهم. هي حرب كونية لا تشبه ما سبقها، بحيث تتجابه الدول مع مجموعات متحركة وغير نظامية تسعى الى إدخالها في حالة من عدم الاستقرار وضعف السيطرة. وتعمل هذه المجموعات على جبهتين: جغرافية وإلكترونية، فتخرق حدود الدول وتضرب بالإرهاب المسلح، وتستخدم في موازاة ذلك العالم الافتراضي سلاحاً تقارع به الأنظمة، فلا تتردد في تحويل وسائل التواصل الجديدة إلى <أداة> لنشر أفكارها وتجنيد الأنصار. واللافت ان هذه المنظمات تنتج أعمالاً مرئية مكلفة تتصف بمشهدية سينمائية محترفة على غرار الأفلام العالمية، وتقوم بتوزيعها عبر شبكة <الانترنت> ليس لدعم خبر تبثه وحسب، وإنما أيضاً من أجل نشر الرعب واستقطاب الشباب الى غياهب الفكر المتطرف وما ينتج عنه من ممارسات على الأرض. ولا تستثني هذه المخططات، بعد نشر الفكرة وتجنيد العناصر عن بعد، نقل معسكرات التدريب الى العالم الافتراضي من خلال شبكة <الانترنت> والمواقع الالكترونية.

وفي حين أن الحرية تمثل قيمة كبرى في العمل الإعلامي يصعب بل يستحيل التخلي عنها، يتصاعد القلق من التحديات الأمنية التي تستغل مساحات الحرية الواسعة التي تُمارس في المرحلة الحالية، ومن تحويل بعض الجهات وسائل التواصل الجديدة إلى<أداة> لضرب المجتمعات واستهداف مسؤوليها.

وحيال هذا الواقع الذي يضع الحرية والأمن في مواجهة صعبة، يُطرح السؤال عن أفضل الطرق للحفاظ على هاتين القيمتين في آن.

وفي مقاربة عملية وواقعية لهذا المبدأ تتوالى الأسئلة عن إمكان كبح جماح السلطة الإعلامية الجديدة عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، وعن كيفية مواجهة التطرف المتمثل بالمادة الإعلامية من أفلام وصور ومواقف عنيفة. فهل يمكن مواجهة هذا العنف المتطرف إعلامياً؟ وهل هناك وصفة سحرية؟ ما هي سبل مكافحة الإعلام الفكري عبر الإعلام الجديد؟ ما هي الخطة الفضلى في مواجهة المواقع المسيئة الى أمن المجتمع؟ وهل هناك مشروعية للرقابة على <الانترنت>؟ وكيف يمكننا في خضم ذلك كله النفاذ من دون الإساءة الى الحريات؟

لا شك أن المجتمع برمته، وفي طليعته الإعلاميون أمام استحقاق كبير يتطلب تضافر الجهود كافة حفاظاً على الأمن والحرية معاً، انطلاقاً من ضرورة التكامل بين القيمتين من أجل مجتمع مستقر وآمن وديموقراطي في آن. ولعلّ أفضل الحلول لمحاربة استغلال وسائل الإعلام الجديدة لضرب الاستقرار والقيم، يكمن في اعتماد هذه الوسائل نفسها بالتضامن مع الوسائل التقليدية لنشر الوعي وتعزيز قيم التسامح وقبول الآخر وبث الرسائل البناءة بأسلوب احترافي يعتمد الموضوعية والصدقية. أما في ما يتعلق بالمواقع المُعتبرة هدّامة لما تنشره من تطرف وضرب للقيم، فإن رصدها لا يتطلب مقاربة أمنية وحسب، وإنما مقاربة تربوية يشارك فيها الجهاز التربوي بالتعاون مع الإعلام، نظراً لكون الشبان والشابات من عمر المراهقة والشباب هم الأكثر اتصالاً بها والأكثر عرضة لسهامها.

إن الإعلاميين يواكبون اليوم عصراً جديداً بحلوه ومرّه. وتغيير قواعد اللعبة لا يبدو عملاً سهلاً ويحتّم عليهم مزيداً من التفكير والتعاون مع القوى الحية الأخرى في المجتمع من أجل الحفاظ على الحرية بكل وجوهها من فكرية وسياسية وإعلامية، على أن يكون الأمن ضمانة لها وليس عبئاً يمنع ازدهارها كعنصر تميّز يدفع بالمجتمع والمؤسسات الى الأفضل…