25 August,2019

الإضـــــرابــات الـمـتـنـقـلـــــــة مـــــــن مــــــؤسـســــــة الــــــى أخــــــرى وأثــرهـــــــا الـسـلـبــــــي عــلــــــى الاقــتــصـــــــــاد!

بقلم طوني بشارة

الحكومة أطلقت منذ فترة قصيرة مشروع الموازنة التقشفية، وما ان خرج هذا المشروع إلى العلن حتى بدأت كرة الاحتجاجات تكبر وتتعاظم في الشارع اللبناني، إحتجاجات وإضرابات متنقلة من مؤسسة الى أخرى، بدءا من <الاتحاد العمالي العام> مرورا بالعسكريين المتقاعدين والجامعة اللبنانية وصولا إلى <مصرف لبنان> الذي أضرب موظفوه تحذيريا لمدة يومين متتاليين تمهيدا لإعلان الإضراب المفتوح <في حال عدم وجود إية إيجابية من قبل المسؤولين>، فالاضراب العام يعم لبنان لاسيما بعد أن أعلن رئيس الحكومة ضرورة التقشف لأنه وفقا لمعاليه إذا سقط البلد فسنسقط كلنا معه…

إزاء هذا الإعلان أطلق موظفو القطاع العام صرخة في وجه الحكومة محذرين من المس برواتبهم او بالتقديمات الاجتماعية التي يحصلون عليها، مؤكدين بان الإصلاح واجب ولكن ليس على حساب حقوقهم ومصالحهم.

 واللافت في الموضوع انه بعد الإنتهاء من الإنتخابات النيابية في شهر أيار/ مايو من العام الماضي، بدأ الحديث في الأوساط السياسية عن ضرورة الذهاب إلى موازنة تقشفية وإعادة النظر في سلسلة الرتب والرواتب، التي سارع هؤلاء انفسهم إلى إقرارها قبل موعد الإستحقاق الإنتخابي، على أمل أن تأتي النتائج في صناديق الإقتراع كما يشتهون.

 والمتتبع للاوضاع يدرك انه وفي الأيام الماضية، ارتفعت وتيرة الحديث عن الإجراءات المنتظرة، التي وصفها البعض بـ<الموجعة> والبعض الآخر بـ<غير الشعبية>، إلا أن عنوانها الواضح هو المس برواتب موظفي القطاع العام عبر تخفيضها، أو الذهاب إلى خفض التقديمات الإجتماعية التي يحصل عليها هؤلاء، لاسيما في المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية..

اشكالية قانونية!

ولكن كيف بدأت الأزمة وما هي أسبابها؟

بقراءة إقتصادية سريعة للأمور في نشأتها وتداعياتها، نرى أنه وعند إقرار قانون السلسلة في العام 2017، لم تنزع قوى السلطة ما يمكن تسميته باللغة العسكرية فتيل لغم خضوع بعض المؤسسات العامة والمصالح المستقلة لقانون العمل. وبما أن هذه الجهات لديها صناديق مالية مستقلة، على عكس الإدارات العامة التي يتم تمويلها من خزينة الدولة، ترك القانون 46 لإدارات تلك المؤسسات حرية تقدير قيمة الزيادات على الرواتب.

والمؤكد في الامر بأن الأزمة لا تقتصر على فئة واحدة من الموظفين، وإنما تتعداها إلى المستشفيات الحكومية والضمان الاجتماعي ومؤسسات المياه ومؤسسة كهرباء لبنان، غير أن الأخيرة حُلت أزمتها بموجب اتفاق يقول عنه الخبراء بأنه غامض، علماً أن مؤسسة الكهرباء هي أكثر مؤسسة مرشحة لعدم دفع السلسلة بسبب العجز الذي تعيشه والذي ينعكس على الموازنة العامة. ومع ذلك، تجد المؤسسة مالاً في جعبتها لتدفعه، في حين تنتظر المؤسسات الأخرى اتفاقات مماثلة.

أيها القارئ بات معلوما بأنه ليس من باب الصدفة خلاصة الهندسة الملتوية التي رُسِمَت وفقها سلسلة الرتب والرواتب، لكن ذلك لم تتوقعه السلطة التي يفترض ان يكون لديها بعد نظر اقتصادي يساعدها على تدارك ازمة تسارع الأحداث السياسية والاقتصادية، تلك الازمة التي راكمت الملفات في وجهها، الامر الذي جعل التخفيف من آثار المقاربة الخاطئة لملف السلسلة أمراً معقداً، فكيف يُعقل أن تجزء السلطة مفاعيل قانون ما، وتربط تنفيذ جزء منه بإصدار مرسوم يسمح بخلق استنسابية

تميز بين الموظفين، في ظل فساد إداري ينخر مؤسسات الدولة؟

والمضحك المبكي في الموضوع تعاظم لا بل تراكم انعكاسات السياسات الخاطئة لتصل إلى حد تحميل الطبقة العاملة المغلوب على امرها اقتصاديا، وخصوصاً في القطاع العام، مسؤولية الأزمة الاقتصادية. ولا تجد السلطة المسؤولة أي مانع في توجيه اللوم الى موظفي الدولة، وكأن هؤلاء تم رميهم بالمظلة داخل الإدارات والمؤسسات العامة، ولم يدخلوها عبر مجلس الخدمة المدنية، علما ان البعض منهم دخل برعاية أحزاب وزعامات سياسية وطائفية هم حاليا في السلطة لا بل هم ارباب السلطة الحالية، وذلك كترجمة عملية للصفقات بين قوى السلطة، وآخر هذه الصفقات توظيف اكثر من 5000 موظف قبيل الانتخابات.

 مجلة <الأفكار> ليست بصدد محاكمة المسؤولين عن سوء ادارتهم، بل تسعى الى طرح تساؤلات عن التكلفة الحقيقية للاضرابات؟ وهل هذه التكلفة ستزيد الأعباء على الدولة؟ وما صحة التقديرات المتداولة في الإعلام حول الخسائر اليومية التي تكبدها لبنان جراء الإضرابات التي طالته في الفترة الأخيرة وشملت عدة قطاعات كالمرفأ والضمان الاجتماعي والمصرف المركزي والجامعة اللبنانية وأوجيرو وغيرها والتي بلغت بحسب المعلومات المتداولة 200 مليون دولار يوميا، وكيف تم احتساب هذه الأرقام؟

 

شعبان والتقدير بالأرقام!

الخبير الاقتصادي الدكتور جاد شعبان قدر خسائر الإضرابات اليومية في كل القطاعات بنحو 15 مليون دولار، إضافة الى خسائر الإيرادات الجمركية والضرائب، مشيرا في هذا السياق الى الخسائر التي يتكبدها مرفأ بيروت وتقدر بما بين مليونين وثلاثة ملايين دولار يوميا، مع ما يرتبه ذلك من تأخير في تسليم البضائع بما يمكن أن يؤدي الى أزمة حقيقية في توافر الحروقات والقمح وغيرها إذا استمر الإضراب مدة أطول، والانعكاسات لا تتوقف عند هذا الحد فحركة الإضرابات تؤثر وفقا لشعبان على الجو الاستثماري العام.

وفي السياق ذاته يتخوف شعبان من عودة الاضراب والاحتجاج من قبل موظفي مصرف لبنان على اعتبار ان ذلك سيؤدي حكما الى تعليق كل العمليات المصرفية والمقاصة بما سيؤدي للأسف الى ازمة سيولة وتاليا ازمة في تداول الشيكات.

واكد شعبان على انه كان يفترض بالمسؤولين التوجه الى مكامن الهدر والى المصاريف غير المجدية في الوزارات (سفر، هواتف…) معتبرا ان البدء او المس بجيوب الموظفين هو ضرب من الجنون… معتبرا ان خفض 10 بالمئة من رواتب القطاع العام سيزيد نسبة الفقر بين موظفي القطاع وعائلاتهم 40 بالمئة ونسبة الوفر للدولة لن تصل الى 600 مليون دولار في حين اذا تم إستبدال الدين العام بدين أرخص فإنه سيؤدي الى وفر يعادل الـ3 مليارات دولار، وهذا الاجراء سيؤثر على نسبة ربحية المصارف بنسبة قليلة تعادل الـ200 مليون دولار، بينما يجني القطاع أرباحا سنوية صافية تعادل الـ3 مليارات دولار.

شمس الدين والمبالغة!

أما الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين فقد أكد لـ<الافكار> أن هذه الأرقام مبالغ فيها، معتبراً أن البعض يعمد إلى رمي أرقام غير دقيقة ويتم تداولها على أنها حقيقية، لافتاً إلى أن حساب خسائر الإضرابات يتم عن طريق احتساب عدد الموظفين الذين توقفوا عن العمل، وهذا الأمر صعب نسبياً.

اذاً ما هي الأسس التي يتم اعتمادها علمياً لحساب الخسارة؟ أوضح شمس الدين قائلاً:

– يمكننا اعتماد الطريقة الآتية: في حال أضرب في مصرف لبنان 800 موظف وفي المرفأ 200 موظف وفي الضمان 1500 موظف، نحتسب يومية كل موظف ونضربها بعدد الأيام وبعدد الموظفين، فتكون هذه الخسارة المباشرة للإضراب والتوقف عن العمل، وبالتالي الرقم بسيط، بينما الأرقام المتداولة بالمليارات مبالغ فيها كثيراً.

وتابع قائلاً:

– إذا سلمنا جدلاً أن يومية موظف الضمان 100 دولار، ضرب 1000 موظف، تبلغ خسارة الضمان 100 الف دولار يومياً، وتكون 500 ألف دولار بعد خمسة أيام من الإضراب، موظفو <البنك المركزي> 200 دولار يوميا ضرب 1000 موظف يكون الحاصل 200 الف دولار، ثلاثة ايام إضراب 600 الف دولار، في المرفأ 300 موظف ضرب 200 دولار، يكون الحاصل 60 الف دولار، ضرب سبعة 420 ألف دولار.

وأضاف شمس الدين:

– يكفي أن نحتسب الناتج القومي المحلي (حركة الانتاج في لبنان على مدى 365 يوماً) والذي يبلغ 56 مليار دولار، ونوزعه على كل القطاعات، على مدار السنة، مع أننا لا نعمل يومي السبت والاحد، نقسمها على عدد ايام السنة اي 365 يوماً، فتكون خسارة الدولة 150 مليون دولار، هذا اذا احتسبت كل قطاعات الدولة، الخاص والعام، من محلات تجارية ومطاعم ومستشفيات ومدارس وطرقات، اي إضراب عام شامل دون اي انتاج. هذه الامور من الصعب تقديرها بشكل علمي دقيق.

وعــن القول بأن تداعيات الإضراب ستستمر أشهراً لإنجاز تخليص معاملات المواطنين التي تراكمت جراء الإضرابات، أكد شمس الدين ان الأمر غير صحيح ومبالغ فيه، ورأى أن زيادة ساعتي عمل يومياً تكفي لإنجاز العمل المتراكم.

 وختم قائلاً:

– لبنان ليس الصين او الولايات المتحدة الاميركية، الناس تحب المبالغة، وإضراب المرفأ لا يعني خسارة مليار دولار كما يصرح البعض في الاعلام.

عجاقة واضراب المركزي!

ولكن ماذا عن تداعيات اضراب المصرف المركزي في حال حصل؟

 الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة يعتبر أن إضراب موظفي المصرف الذي حصل لمدة يومين لم يؤثر على وضع النقد في لبنان ولا على الليرة وذلك لأن مصرف لبنان يعتمد ما يسمى خطة إدارة المخاطر والتي تسمح له بتلقف أي أوضاع استثنائية ومنها الاضرابات، موضحا أن المصرف لن يسمح بالمساس بالنقد لأن مبرر وجوده مرتبط بالمحافظة على الليرة وفق ما تقول المادة 70 من قانون <النقد والتسليف وانشاء المصرف المركزي> والتي تحدد مفهوم مهمة المصرف العامة بعدة نقاط منها <المحافظة على سلامة النقد اللبناني والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي وسلامة أوضاع النظام المصرفي>.

وعلى الرغم من تأكيد عجاقة على أن وضع الليرة لن يتأثر بإضراب موظفي مصرف لبنان، فإنه لا ينفي تأثير الإضراب على كامل الاقتصاد اللبناني (في حال المعاودة) لاسيما اذا امتد لأكثر من شهر، إذ سيؤثر حينذاك على جميع القطاعات في البلد عبر تأخر العمليات الاقتصادية، وتأخير المعاملات الإدارية والتي تقدر بالآلاف يوميا، وتوقف عمل المقاصة و<الشيكات> التي يقدر عددها بمليون <شيك> يوميا، هذا بالإضافة إلى جميع التحويلات بالعملات الأجنبية التي توجد بشكل أساسي في مصرف لبنان. وفي هذا الإطار يشرح عجاقة أن تأثير هذه المعاملات سيكون بشكل أكبر على المصارف والحكومة لأن البنك المركزي لا يتعامل مع الأفراد مباشرة. وأضاف عجاقة:

– إن تأثير الإضراب في حال امتد سيتجاوز المعاملات والتحويلات إذ إنه قد يتسبب بتأخر دفع رواتب القطاع العام وسيوقف قدرة الحكومة على استيراد ما يكون بالعملة الأجنبية وتحديدا المحروقات، الأمر الذي يؤثر على دورة الاقتصاد بشكل عام.