18 June,2019

الأمين العام لحزب الكتلة الوطنية بيار عيسى بكل موضوعية: لا بد للمواطنة أن تطغى على الطائفية ولدولة القانون أن تطغى على الزبائنية وللسيادة أن تطغى على التبعية!

 

بقلم حسين حمية

 

أطلق حزب الكتلة الوطنية في شهر شباط/ فبراير الماضي نشاطه السياسي والتنظيمي ضمن رؤية مستقبلية وجملة إصلاحات بنيوية تستند الى العمل الحزبي الديموقراطي وتوقف مسلسل التوريث بمبادرة من عميد الحزب كارلوس إده بهدف الانتقال من حزب المؤسسين الى حزب المؤسسة، وانتخب لجنة تنفيذية ذات صلاحيات كاملة بعد إلغاء منصب العميد، إضافة الى انتخاب أمين عام للحزب واستحداث منصب رئيس فخري ومجلس للشيوخ. فماذا يقول المعنيون بالحزب عن هذه المسيرة الجديدة؟

<الأفكار> التقت الأمين العام للحزب بيار عيسى داخل مكتبه في الجميزة شرقي بيروت وحاورته على هذا الخط بدءاً من السؤال:

ــ أطلقتم نشاط الحزب من جديد في وقت تشتد العصبيات وتشكّل الأحزاب والتيارات السياسية واجهة للطوائف والمذاهب. على ماذا تراهنون لإحداث تغيير ما أو خرق في هذا الجدار الطائفي والمذهبي؟

– هذا سؤال جيد جداً، والجواب موجود في السؤال أيضاً، فمنذ أربعين سنة وأكثر وأحزاب الطوائف والمذاهب تقود البلد، وهناك نادٍ سياسي يضم أحزاب الطوائف وهو الذي يدير البلد. وكما يقول المثل: <فالشجرة تُعرف من ثمارها>، والبلد يعيش العصبيات على أوجها ونتائج الحوكمة وإدارة البلد في أتعس حالاتها، وبالتالي هذه الإدارة تولد هذه النتائج، ولذلك هذه القراءة تكفي لنكون في وادٍ آخر لأنه إذا فعلنا كما حال الآخرين سنصل الى النتيجة ذاتها، وبالتالي لا حل إلا بالتغيير. وقراءتنا للواقع تقول إن هناك نادياً سياسياً مغلقاً يضم 6 أحزاب طائفية كبرى يدور في فلكهم عدد من الأحزاب الصغيرة، وفي قلب هذا النادي يتناحرون ويتنافسون وتحدث بينهم مضاربة كما في مكاتب المحاماة لجهة وجود شريك صغير يسعى ليكون شريكاً كبيراً، وآخر يطمح ليحصل على قدر أكبر من المكتسبات.

وأضاف:

– الرئيس أمين الجميل الذي كان شريكاً صغيراً يطمح ليكون شريكاً كبيراً اليوم، والرئيس ميشال عون طمح ليكون شريكاً صغيراً عام 2005 وحقق في ذلك عندما تحالف مع حزب الله عام 2002 وأراد أن يكون شريكاً كبيراً بعد ذلك عند استحقاق انتخابات الرئاسة وحقق ذلك عندما أصبح رئيساً، وبالتالي كل واحد يسعى ليكون شريكاً كبيراً ضمن هذا النادي، لكن إذا حاول فريق آخر الدخول الى النادي يتضامن اهله كلهم ضده لمنعه، وهذا ما رأيناه في أكثر من مرة.

المنظومات الخمس!

ــ هل حصل ذلك يوم برز تفاهم معراب وأنهى الأحزاب المسيحية الصغيرة والشخصيات المستقلة؟

– أعضاء هذا النادي يسيطرون على البلد من خلال النصوص القانونية بدءاً من الدستور الى قانون السير وصولاً الى قانون الانتخابات بحيث تفصل هذه النصوص القانونية على مقاسهم بغية تأمين استمراريتهم في هذا النادي من خلال السلطة التشريعية وهم مهيمنون على الأموال العامة كونهم في السلطة التنفيذية ويسخرونها لاستمراريتهم فيها، وبالتالي هم يهيمنون على 5 منظومات تتقاطع مصالحهم فيها وهي أولاً: الطائفية، ثانياً: المنظومة القضائية بحيث يتناحرون على تشكيل أصغر قاضٍ، ثالثاً: المنظومة الأمنية، حيث يتحكمون بالتعيينات الأمنية والتشكيلات ويتناحرون على تعيين أصغر ملازم في أي مكان، رابعاً: منظومة الإعلام التي تروّج لهم، وخامساً: يسيطرون على المنظومة المالية بل إنهم أصحاب المصارف وإذا لم يكونوا هم بالذات فهم في مجالس الإدارة، حتى ان 70 بالمئة من الادخار البسيط بين أيديهم من خلال سندات الخزينة لأن المصارف تضع نسبة 70 بالمئة من الأموال في سندات الخزينة، وبالتالي هم يهيمنون على المنظومات الخمس التي ذكرتها بحيث يستطيعون أن يكونوا في السلطة التشريعية وفي السلطة التنفيذية ويسخروا الاثنين معاً للحفاظ على استمراريتهم.

ــ الإمساك بالسلطة في البلدان العربية ولّد ما يسمى الربيع العربي الذي انحرف عن مساره وتحوّل الى خريف دموي، فهل يمكن حدوث انتفاضة شعبية لبنانية تنهي حكم المزرعة هذه؟ أم ان النظام الطائفي المعتمد سيكون هو المانع؟

– النظام الطائفي هو المانع ولا يمكن التشبيه بين الوضع اللبناني والوضع العربي، فالربيع العربي جاء كثورة على حكّام ديكتاتوريين من خلال الحزب الواحد والفكر الواحد، لكن في لبنان لدينا التنوّع وهو إجمالاً غنى وقوّة وكل البلدان المعروفة بتنوّعها تكون عادة قوية ومستقرّة لأن الحلول والمشاكل تقارب من عدة وجهات نظر إذا كان هناك مشروع واحد على سبيل المثال، وبالتالي تكون الحلول قوية تماماً كما الحال في سويسرا والولايات المتحدة اللهمّ إذا كان هناك مشروع واحد، لكن إذا كان هناك لكل فريق مشروعه الخاص ضمن هذا النوّع كما الحال في لبنان، فالأمر يتحوّل الى عرقلة وتعطيل، وهذا بالتمام ما نعاني منه منذ عقود لأن كل فريق لديه مشروعه الخاص حتى انه في الفترة الأخيرة استفادت سوريا من هذا الوضع وحكمتنا منذ عام 1990 حتى عام 2005 رغم أنها دخلت الى لبنان عام 1976.

واستطرد قائلاً:

– كان لدينا حكم دكتاتوري بعيداً عن التنوّع يتمثل بالوصاية السورية، وكان لدينا بالتالي الحزب الواحد ضمن منطقة الحوكمة وجاءت الثورة عام 2005 والاستقلال الثاني وثورة الأرز وعدنا الى التنوّع، لكن مع الاسف لم نستطع إدارة التنوّع لأن كل فريق كان لديه مشروعه الخاص وبدل أن نستفيد من هذا التنوّع كقوة حصل العكس وجاء الاتفاق الرباعي في انتخابات عام 2005 وعاد كل واحد الى مصالحه لنبقى كما نحن ضمن هذا النادي السياسي من الطوائف الذي يهيمن على المنظومات الخمس وعلى السلطات كافة.

إمكانية التغيير

ــ ألا يمكن الخرق وإحداث التغيير المطلوب؟

– في كل ديموقراطية يعود القرار الى الشعب، لكن للأسف فأهل الحل والربط تعوّدوا عبر السنوات الماضية الا يتطلعوا الى حاجات ومتطلبات الشعب واقترفوا غلطة كل الدول زمن الاستعمار والانتداب والوصاية بحيث نصّب البعض نفسه كنخبة واعية لإدارة شؤون الآخرين، لكن هذا المنطق لم يعد يؤتي ثماره، فالعطشان يريد الماء، والجائع يريد أن يأكل، وهؤلاء الحكام لم يعودوا يسمعون صوت الناس ويقفوا على حاجاتهم حتى ان إرهاصات الناس في الاعتصامات والتظاهرات ووجهت بالمنطق الطائفي والمذهبي تحت شعار: <يا غيرة الدين> وإثارة العصبيات الطائفية والمذهبية لإفشال أي انتقاضة شعبية رغم أن ما يجمع الناس أبعد ما يكون عن الطائفية والمذهبية لأن كل الناس عطشى وجوعى ويحتاجون للخدمات الصحية والاجتماعية والتربوية والتعليمية، واهل السلطة من خلال هذا السلوك خلقوا ثلاثة أوهام تحوّلت الى واقع: الأول هو أنهم أوهموا الناس أن لبنانياً لا يمكن له الحصول على أي خدمة عامة بدون المرور عبر سمسار من احدى المرجعيات الطائفية والمذهبية، وتحوّلت الى واقع رغم تجاوزها للقانون والدستور، والوهم الثاني: هو انهم أقنعونا بأن كل زعيم حزب طائفي يروّج أمام الناس بأنه هو من يحمي الطائفة وحقوقها من مطامع واعتداءات الطرف الآخر، وهذا خطأ لأنه لا يوجد حقوق للطوائف والمذهب بل يوجد حقوق للبنانيين في الخدمات والمياه والكهرباء والهاتف والاتصالات والمدارس والجامعات والمستشفيات وما الى ذلك، لكن هذا الوهم تحوّل الى واقع بحيث أن شخصاً مستقلاً إذا سمع انتقاداً لزعيم طائفته من شخص من طائفة أخرى فإنه لاشعورياً ينتفض على ذلك وكأنه مستهدف، والآخر يصيبه الشعور ذاته لأنهم أقنعونا بهذا الوهم.

 

أهل الحكم وأزمة الثقة

وتابع يقول:

– أما الوهم الثالث: فإنهم أوهمونا بأن الشرخ عمودي بين 8 و14 آذار أو بين يسار ويمين، أو بين سني وشيعي، أو بين مسلم ومسيحي، وهذا غير صحيح لأن الشرخ أفقي بين جماعة النادي السياسي الستة وبين كل الناس.

ــ يمكن التسمية أن الشرخ بين الإقطاعيين والفقراء؟

– كلمة إقطاع لم تعد تصلح اليوم، لكن يمكن القول إن هناك اقطاعاً سياسياً وأهل السلطة يمعنون في الاستهتار بآراء الناس ويعتبرون أن الوعي مفقود لديهم وهذا غير صحيح وسيأتي يوم سيحاسب هؤلاء، وبوادر المحاسبة بدأت لأن هناك أزمات يعاني منها البلد، حتى اننا نعيش أزمة سياسية وأخرى اقتصادية مالية وثالثة بيئية وأزمات اجتماعية وصحية وتربوية، لكن أكبر أزمة هي أزمة الثقة المفقودة بين الحاكم والمواطن، حيث لا توجد ثقة شعبية بأي حزب أو مسؤول سياسي، وحزبنا اليوم من خلال تكوينه ومبادئه وأشخاصه يمكن أنه لا يملك المقوّمات التي تملكها الأحزاب الستة المهيمنة لكنه يراهن على معركة الثقة التي لا بد أن يكسبها.

ــ على ذكر حزب الكتلة الوطنية، الملاحظ أنه يستند الى جملة مواقف تاريخية لا غبار عليها بدءاً من رفضه اتفاق القاهرة عام 1969 الى رفض الدخول السوري ورفض اتفاق17 أيار مع اسرائيل حتى مقاطعة اتفاق الطائف. فهل تنطلقون من هذا الإرث في معركة الثقة؟

– هذا صحيح، فتاريخياً الكتلة الوطنية عندما كانت نيابية قبل أن تتحوّل الى حزب عام 1944 رفضت مشروع إنشاء دولة اسرائيل، وعندما تمّ إنشاء هذه الدولة ودعا حزب الكتلة الى المقاومة بكل مساراتها دون أي تردّد، لكن عندما وصلنا الى العام 1969 رفض اتفاق القاهرة لأنه يمس بالسيادة اللبنانية حتى انه كان الحزب الوحيد الذي وقف في وجه هذا الاتفاق رغم دعمه المقاومة، لأن لبنان عندما يخسر سيادته يفقد مقوّمات دعم المقاومة وغير المقاومة ولا يعود موجوداً أصلاً.

وأضاف:

– في عام 1975 كان الحزب الوحيد الذي لم يقبل الانخراط في الحرب الأهلية، وعام 1976 كان الوحيد بين الأحزاب المسيحية أو لنقل كان ريمون إده الوحيد بين الزعماء المسيحيين الذي رفض الدخول السوري الى لبنان، لا بل ترك ريمون إده البلد بسبب الهيمنة السورية وقال إنه لن يعود قبل رحيل السوريين، وعُرضت عليه يومذاك رئاسة الجمهورية من قبل وزير الخارجية الأميركية لكنه رفضها كونه لم يوافق على تشريع الوجود السوري، حتى ان هذا الوزير عندما دخل الى مكتبه خاطبه بفخامة الرئيس، لكن عندما خرج وسمع جواب ريمون إده سماه <مستر إده>، وصولاً الى رفض اتفاق 17 أيار.

ــ لماذا تمّت مقاطعة اتفاق الطائف؟

– لعدة أسباب من بينها عدم وضوح موعد الانسحاب السوري نهائياً بعدما حدّد انسحاب الجيش السوري الى البقاع فقط، وكان الحزب يريد التزامن بين انسحاب اسرائيل وانسحاب الجيش السوري طالما كان الاسرائيلي هو الحجة للوجود السوري.

ــ ألا تتهيبون اليوم من الفشل طالما أنكم محاطون بحزبين مارونيين عقدا تفاهماً بينهما ينص على تقاسم النواب والوزراء وموظفي الإدارة وهما التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية حتى ان دور حزب الكتائب تأثر بذلك وكذلك حزب الأحرار و<المردة>، كذلك الذي أصبح دوره مناطقياً فقط؟

– أصحح هنا ما قلته لي وكأننا حزب مسيحي، فنحن لا علاقة لنا بأحزاب الطوائف والمذاهب، نحن حزب وطني وفي تقديرنا انه آن الأوان أن تقوم كل الأحزاب بإصلاحات كما فعلنا نحن حتى تتحوّل هذه الأحزاب الى أحزاب وطنية.

ــ الحل بالعودة الى حزب الكتلة والحزب الدستوري العابر بين الطوائف والمذاهب والمناطق تماماً كما الحال زمن الاستقلال؟

– لا… الحل بالعودة الى الأحزاب الوطنية بغض النظر إذا كان أي حزب دستورياً أو كتلة وطنية، خاصة وان الحروب المتكررة أفرزت واقعاً كرّس أحزاب الطوائف والمذاهب ولديها مشروع واحد.

ــ هل المدخل قانون الانتخاب؟ أم قانون الأحزاب؟

– عدة مداخل، فالمشكلة الأساسية تكمن في 5 علل تمنع التغيير وتعرقل تطوّر وتقدم لبنان، وبالتالي يجب أن نبني عبارة لتجاوز هذا الواقع، وفي تقديرنا أن المواطنة تطغى على الطائفية لأنه طالما أن الأخيرة طاغية على الأولى فلا بحث في أي تغيير، ونريد دولة القانون أن تطغى على الزبائنية، ونريد أن تطغى النزاهة على الفساد، ونريد أن تطغى السيادة على التبعية والارتهان للخارج، ونريد أن تطغى الديموقراطية على الاقطاع السياسي ومنطق الزعيم في الحكم والتوريث وإلا فلا خلاص للبنان.

ــ على ذكر التوريث السياسي، هل انتهى التوريث السياسي في حزب الكتلة؟

– أكيد، كان لدينا رئيس اسمه العميد كارلوس إده وكان الأول في تاريخ لبنان الذي امتلك الشجاعة والجرأة والذكاء وحب الوطن بأن يخرج من التوريث السياسي ويستقيل ويسلّم كل صلاحيات الحزب التي كانت محصورة بشخصه الى لجنة تنفيذية تنتخب مع الرئيس وهي بدورها انتخبت الأمين العام، وبالتالي قمنا بإصلاحات جذرية، علماً بأننا منذ بداية تأسيس الحزب كنا نتماهى مع ما نؤمن به وكنا نناضل في سبيل المبادئ ونطالب بالمواطنية وبدولة القانون وبالنزاهة والسيادة والديموقراطية، وصحيح أننا لم نشهد في الحزب أي إقطاع سياسي بل كان لدينا توريث سياسي من إميل إده الى ريمون إده وصولاً الى كارلوس إده ومنطق الزعيم، واليوم قمنا بإصلاح في هذه النقطة كي نكون قدوة للآخرين واستحدثنا منصب رئيس شرف لسنة واحدة لا يجدد له وينتخب من بين أعضاء الكتلة التنفيذية وهم من كل الطوائف، وندعو كل الأحزاب للتفكير بهذه الطريقة والاقتداء بما فعلناه لأن لا خلاص للبنان إلا بالخروج من هذه العقلية التي لا تبني وطناً.