22 September,2018

الأفكار“ تروي الشق اللبناني من المبادرة الروسية لتسهيل عودة النازحين!

 

كل المؤشرات تدل على أن ملف النازحين السوريين في لبنان بدأ يسلك طريقاً سالكة وآمنة تتجاوب مع مساعي الدولة اللبنانية ولاسيما رئيسها العماد ميشال عون الذي أطلق منذ أشهر دعوات متكررة الى المجتمع الدولي لتسهيل عودة النازحين الى المناطق الآمنة في سوريا مقترحاً أن تتم هذه العودة بطريقة متدرجة بعد توافر الضمانات اللازمة للعائدين. أبرز هذه المؤشرات، كان الاقتراح الروسي الذي ناقشه الرئيس <فلاديمير بوتين> مع الرئيس الاميركي <دونالد ترامب> خلال لقائهما في <هلسنكي> الأسبوع الماضي والذي أفضى في هذا الشق الى تفاهم أميركي – روسي على تسهيل اعادة ملايين اللاجئين الذين هجرتهم الحرب، ومن بينهم أولئك الذين قدموا الى لبنان منذ العام 2011 مع بداية الاحداث السورية. وأتى اعلان رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عن اجتماع مستشاره للشؤون الروسية جورج شعبان بنائب وزير الخارجية الروسية <ميخائيل بوغدانوف> واطلاعه على المقترحات الروسية لتنظيم عودة النازحين، ليفتح الباب عريضاً أمام بداية حل يؤمل ألا يتأخر والذي سيكون الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل لتشكيل مجموعة عمل لبنانية – روسية سوف تعقد اجتماعها الأول في بيروت قريباً.

 

التحرّك بدأ من بعبدا!

وتشير المعلومات المتوافرة لـ<الأفكار> أن الموقف الروسي لم يفاجئ الرئيس عون الذي كان ينتظره كمحصلة طبيعية للتحرّك الذي قاده قبل أشهر من خلال سلسلة لقاءات عقدها مع مسؤولين دوليين وسفراء، كان من بينهم السفير الروسي في بيروت <الكسندر زاسبكين> الذي حمّله الرئيس اللبناني رسالة واضحة الى القيادة الروسية خلاصتها أن لبنان يعلق أهمية كبرى على الدور الروسي في تسهيل عودة النازحين الى المناطق السورية الآمنة، خصوصاً بعدما لمس رئيس الجمهورية <ممانعة> واضحة من الولايات المتحدة الاميركية والأمم المتحدة وعدد من الدول الأوروبية بحجة أن لا عودة ممكنة للنازحين قبل التوصل الى حل سياسي في سوريا يضمن ثبات الامن والاستقرار وسلامة العائدين. في ذلك الاجتماع – وفق معلومات <الأفكار> – قال الرئيس عون للسفير <زاسبكين> أنه يعوّل أهمية كبرى على تجاوب القيادة الروسية مع الموقف اللبناني لأسباب عدة أهمها الدور الأمني الذي تلعبه روسيا في المحافظة على وحدة سوريا والتصدي للمجموعات الإرهابية التي اشعلت الحرب ما مكّن النظام السوري من استعادة الكثير من المناطق من أيدي الإرهابيين الذين اندحروا تباعاً الى بقعة باتت محدودة لا قدرة لهم فيها على اشعال الحرب من جديد، وأضاف الرئيس عون ان 80 بالمئة من النازحين السوريين يريدون العودة الى بلادهم وان لبنان قرر تسهيل هذه العودة من خلال تنظيم مغادرتهم الاراضي اللبنانية مجموعات متفرقة بالتنسيق مع الجانب السوري الذي تولى التواصل معه المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم بصفته موفداً رئاسياً الى العاصمة السورية، وذلك بعدما أبدى الرئيس الحريري معارضة لأي تواصل يحمل طابعاً سياسياً أو يبدو وكأنه تواصل حكومي.

في هذا اللقاء، استمع السفير <زاسبكين> الى طرح الرئيس عون باهتمام ووعد بنقل الرغبة الرئاسية اللبنانية الى موسكو ومتابعتها مع المسؤولين الروس لافتاً الى التقدم الذي أحرزه التحالف السوري – الروسي العسكري ميدانياً، مستوضحاً معلومات عن تنظيم الأمن العام لرحلات عودة بأعداد محدودة، متسائلا ًعن مدى تجاوب المسؤولين السوريين مع هذه الخطوة. يومذاك لم يشأ الرئيس عون الكشف عن طبيعة المحادثات

التي أجراها مع السفير <زاسبكين> واكتفت دوائر بعبدا الإعلامية بنشر خبر عام عن ان البحث تناول العلاقات الثنائية وسبل تطويرها في المجالات كافة.

 

<بوغدانوف> على الخط!

وتضيف المعلومات أنه فور وصول الرئيس عون الى مدينة الظهران في السعودية لترؤس وفد لبنان الى القمة العربية التي استضافتها المملكة العربية السعودية، كان نائب وزير الخارجية الروسية <ميخائيل بوغدانوف> أول من التقاهم رئيس الجمهورية في مقر إقامته، والحديث تشعب تلك الليلة حول القضايا المختلفة وصولاً الى ملف النازحين حيث أفاد <بوغدانوف> أن الرئيس <بوتين> والقيادة الروسية يتابعان الرغبة الرئاسية اللبنانية في إيجاد حل سريع لأزمة النازحين، مشيراً الى أن التطورات الميدانية التي كانت تتسارع يومئذ سوف تبدّل في المشهد الأمني على نحو يجعل عودة النازحين تدريجاً أمراً واقعاً، لكنه أشار الى ان هذه المسألة تتطلّب تنسيقاً ومشاورات مع الاطراف المشاركة في الحرب السورية، لاسيما الولايات المتحدة الأميركية التي تريد أن يبقى دورها فاعلاً في الوضع السوري القائم. وسمع الرئيس عون من <بوغدانوف> ما جعله يكثف الحديث خلال لقاءاته على هامش القمة، كما في الخطاب الذي ألقاه، حول أهمية مقاربة عودة النازحين السوريين الى بلادهم من زاوية حماية الوحدة السورية من جهة، وتمكين السوريين من استعادة أراضيهم وممتلكاتهم من جهة ثانية، والمساهمة في اعمار بلدهم ما ان تنتهي العمليات العسكرية وتتوقف أصوات المدافع وتحل مكانها حلقات الحوار بحثاً عن حل سياسي يرضي جميع الأطراف.

حيال هذا التطور، تابع الرئيس عون حملته لعودة النازحين، وخلال اللقاء الذي جمعه بأعضاء <مجموعة الدعم الدولية للبنان> في قصر بعبدا، كان حديث مستفيض عن النازحين مدعما بالارقام حول الخسائر التي مُني بها لبنان في مختلف المجالات نتيجة تمدد النازحين في المناطق اللبنانية، وسلّم السفراء تقريراً مفصلاً تكبّده لبنان من خسائر مباشرة بلغت 10 مليارات دولار، ناهيك عن الخسائر غير المباشرة من ارتفاع نسبة البطالة وتزايد الجرائم وأعمال السلب والنهب والاعتداءات إلخ… في ذلك الاجتماع، يقول مطلعون على وقائعه، لمس الرئيس عون من خلال مداخلات السفراء أن لا توجه بدعم وجهة النظر اللبنانية، وان الأولوية هي للحل السياسي في سوريا وبعد ذلك البحث في ملف العودة، في وقت كان رئيس الجمهورية يطالب بفصل الحل السياسي الذي قد يطول عن ملف النازحين مورداً كمثالين الازمة القبرصية التي لا تزال من دون حل نهائي، والقضية الفلسطينية التي بلغ عمرها 70 سنة! وحده السفير الروسي <زاسبكين> كان موقفه مختلفاً عن نظرائه السفراء حيث قال امامهم ان بلاده تدرس بدقة خطوات من شأنها أن تطلق مسيرة عودة

متدرجة للنازحين، ملتقياً في هذا المجال مع التوجه الرئاسي اللبناني.

لم يعلق السفراء على ما أعلنه زميلهم الروسي، إلا ان الرئيس عون أدرك يومئذ ان السعي اللبناني بدأ يؤتي ثماره وان التفهم الدولي للحراك اللبناني صارت له أصداء ايجابية ولو كانت خجولة حينذاك.

ومنذ اجتماع <مجموعة الدعم>، كثف الرئيس عون تحركه، وباتت تقارير السفراء اللبنانيين في الخارج تتحدث عن أصداء إيجابية للمطالب اللبنانية خصوصاً بعد المواجهة التي حصلت بين وزير الخارجية جبران باسيل والمفوضية العليا للاجئين التي تعنى مباشرة بملف عودة النازحين السوريين.

تجاوب سوري… وضمانات الأسد!

ومرّت الاسابيع والتقارير الواردة الى بعبدا تؤشر الى أن هذا الملف فتح من جديد وبقوة، وتزامن ذلك مع صدور اعلانين سوريين شكلا مفصلاً، الأول عن <مصدر رسمي> في الخارجية السورية، والثاني عن الرئيس الأسد شخصياً، حيث أكدا أن السلطات السورية تسهل عودة النازحين الراغبين وتلتزم مساعدتهم على اعادة إعمار قراهم ومنازلهم كما تضمن سلامة العائدين، في ظل <مهرجانات> مصالحة كانت تشهدها مناطق سورية عدة شملت خصوصاّ الذين قاتلوا النظام وجيشه. كذلك صدرت ردود فعل دولية بدت أكثر <تفهماً> للموقف اللبناني، ما شجع الرئيس عون على القول رداً عن سؤال موفد احدى الدول الأوروبية الكبرى، ان لديه ضمانات بأن النظام السوري لن يتعرض للعائدين ولن يلحق بهم أي أذى.

وهكذا، ومع إعلان الجانب الروسي الاتفاق مع الولايات المتحدة الاميركية على تنظيم عودة النازحين، بدا ان الأمل بتحقيق هذه الخطوة ارتفع منسوبه وبات ملف النازحين في عهدة الدولتين الكبيرتين مع الضمانات التي يمكن أن تقدمها هاتان الدولتان لإنجاح الخطوة. وقد بدا الرئيس عون مرتاحاً الى توافق <الجبارين> على ما كان لبنان يسعى اليه ويواجه في كل مرة معارضة المجتمع الدولي بحجة أن الاستقرار لم يترسخ بعد في سوريا، إلا ان هذا التوافق الذي يحتاج الى ترجمة عملية لن يثني لبنان عن الاستمرار في تطبيق خطط العودة على مراحل بمتابعة مباشرة من اللواء عباس ابراهيم الذي ينسق مع المسؤولين السوريين ولاسيما منهم اللواء علي المملوك لتوفير الضمانات اللازمة لعودة النازحين وحمايتهم ومنع أي تعرّض لهم لأي سبب كان. وقد أتت مبادرة حزب الله في العمل على تسهيل عودة النازحين الراغبين وتسجيل اسمائهم ونقلها الى المسؤولين السوريين للحصول على موافقة عليها، لتزيد من فرص نجاح العودة المتدرجة للنازحين، علماً أن ثمة من قال إن دخول الحزب على خط العودة عجّل في الوصول الى تفاهم حيال هذا الموضوع لعدم إعطاء حزب الله أي دور في هذا السياق.

تجاذبات لبنانية!

 

وكما كان تدفق النازحين السوريين منذ العام 2011 الى المناطق اللبنانية وطريقة التعاطي معهم موضع خلاف بين القيادات السياسية اللبنانية، كذلك فإن مسألة عودتهم المطروحة بجدية هذه المرة شكلت مادة خلافية وأفرزت المواقف بين مؤيد ومعارض ومتحفظ بدليل أن ردود الفعل لم تكن واحدة حيال هذا الملف الحساس. وإذا كانت وجهة نظر المؤيدين للخطوة معروفة ومعلنة، فإن المعترضين اكتفوا بإظهار مخاوفهم من أن يكون نجاح خطوات العودة <تعويماً> للنظام السوري او ورقة استثمار لملف فيه الكثير من التجاذبات والتناقضات. ويتحدث المتحفظون أن النظام السوري سوف يستثمر ملف عودة النازحين لتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية في آن تعيد إليه دوره الملتبس والمرفوض ممن لا يشاركونه الرأي والتوجه. وقد برز ذلك من خلال الاقتراح الروسي بتشكيل مجموعة عمل لبنانية – روسية بادر الرئيس الحريري للاعلان عنها من دون التشاور مع الرئيس عون الذي لفت من يجب الى أن اي خطوة في ما خص ملف النازحين يجب أن تحظى بموافقته قبل المضي بها، وان مقاربة هذا الموضوع تحتاج الى إدراك الانعكاسات السلبية التي ستترتب عن عرقلة عودة النازحين من خلال افتعال عراقيل أو خلافات تجعل موسكو تنكفئ عن إدراج لبنان في خطة العودة وتركز على الأردن وتركيا وغيرها من الدول التي استضافت نازحين سوريين. إلا أن هذا التوجه المتحفظ سوف يتلاشى برأي المتابعين، كما سارعت موسكو في ترجمة اقتراحاتها من خلال خطوات عملية لاسيما وان التوافق بين الرئيسين <ترامب> و<بوتين> يشكل ضمانة حقيقية لتحقيق العودة الآمنة للنازحين

والتي كانت دائماً محور مطالبة المجتمع الدولي.

وفي يقين المتابعين ان الخطوات التنفيذية الروسية التي بدأت موسكو تنفيذها على الأرض مثل انشاء مركز خاص في سوريا لاستقبال النازحين وتأمين ايوائهم، ثم فتح ممرين آمنين على الحدود مع الأردن ولبنان لضمان تنقل النازحين بأمن واستقرار، تؤشر هذه الخطوات أن الملف فتح ولن يغلق، علماً أن موسكو أكدت أنها لا تقدم على أي خطوة تعارضها دمشق بل تنفذها بالتنسيق معها، وبالتالي فإن التجاوب اللبناني مع المقترحات الروسية سيكون كفيلاً بجعل المؤسسات الدستورية والشرعية اللبنانية تتحكم بهذا الملف الذي لا يمكن لمستشارين أو ممثلين شخصيين مقاربته بمعزل عن الدولة اللبنانية، ودور الرئيس عون أساسي في هذا المجال، والرئيس الحريري يدرك هذه الحقيقة وسيتجه الى التنسيق مع رئيس الجمهورية في أي خطوة مستقبلية، وبالتالي فإن دور مستشاره للشؤون الروسية جورج شعبان الذي أكثر من تعميم مواقف حول هذه المسألة، لا يمكن أن يكون منفرداً في قضية بهذا الحجم والتي سوف تعود بكل تشعباتها الى الدولة اللبنانية، التي سيسمي رئيسها بالتشاور مع الرئيس الحريري، أعضاء الفريق اللبناني بعد تحديد مستواه سواء كان ديبلوماسياً أو أمنياً، ولن يقتصر الحراك على المستشارين والمعاونين الشخصيين فقط. ويرى متابعون أن التواصل اللبناني مع الجانب السوري سوف يأخذ منحى جديداً يعيد للعلاقات اللبنانية – السورية حرارة معينة بعدما كان منسوب البرودة بين الدولتين عالياً جداً على رغم الجهود التي بذلها اللواء عباس ابراهيم بتكليف من الرئيس عون والذي يعتبره الجانب السوري موفداً رئاسياً وليس مديراً للأمن العام اللبناني فحسب، خصوصاً انه نجح في تنظيم عمليات عودة قوافل النازحين السوريين بأمان ودقة متناهيين.