19 November,2018

الأعـجـوبـــــــة اللـبـنـانـيـــــــة

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

في الوقت الذي يمرّ لبنان في أخطر تجربة في تاريخه منذ الاستقلال، يستمر شعبه في البحث عن الحياة.

إنها قوة الحياة لدى شعب ذاق ويذوق طعم القهر والعذاب منذ واحد وأربعين عاماً وسعى ويسعى منذ واحد وأربعين عاماً لقهر القهر.

صحيح أن وطننا لم يتذوّق منذ حوالى خمسة عقود طعم الدولة، ولم ينعم منذ ذلك الزمن، شأنه شأن معظم الدول بحكّام أهم ما يحتاجون إليه صفات ثلاث لم يعرفها إلا اللواء فؤاد شهاب: الكتمان والزهد والابتعاد، وعلى الرغم من الآلام التي تسبّبت بحفريات عميقة في الوجدان اللبناني، تتلألأ مصايف لبنان وقراه بأبهى حللها، ويثبت أبناء هذا البلد الصغير من جديد أنهم جديرون بحياة طبيعية عاشقة للجد والمرح، للمكتب والمطعم، للعيادة والسهر، لإدارة شؤون البيت من الداخل والخارج، من لبنان والمهجر..

في تموز/ يوليو الماضي، احتفلت بعلبك بعامها الستين على انطلاق مهرجاناتها… ستون سنة من التثبيت عاشها الجد والابن والحفيد وعايشت هي الجميع.

بعلبك حقبة من تاريخ لبنان، هي حقبة الجمال والحب والسلام، تمثل بيننا مكانة آثار العالم القديم، وتختصر بعواميدها الستة مكانة شعب ما أحب لبنان لأنه مسقط رأسه ورؤوس أجداده وأجداد أجداده، بل لأنه طاف بعيداً في بلاد الله لم يرَ فيها بقعة توافرت له بالروعة والحسن والجمال كما توافرت في لبنان.

مهرجانات بعلبك، ليست مدرسة بل نهضة حضارة تفرّعت منها مدارس على مساحة الوطن من أقصى شماله الى أقصى جنوبه، ومن بحره الى أقصى شرقه…

بعلبك في الذكرى الستين وفي عز الأزمات والتغييرات الإقليمية والدولية، وعلى بعد أربعين كيلومتراً من الحدود السورية، يتنادى ناسها فتوقظ مشاعرهم حاملة التاريخ مع الموقع الأثري، ورسالة ثقافة غالية، وجسراً معلقاً بين الشرق والغرب…

بعلبك أضحت نموذجاً لبقية السهرات والمهرجانات التي لفّت قرى لبنان وساحله، وأعادت الى الخريطة السياحة الريفية والحضارة القروية والتقاليد اللبنانية ورائعة وديع الصافي: <جايين يا أهل الجبل جايين>، من دون أي مردود يُذكر على الاقتصاد المحتاج الى ملايين السياح العرب والأجانب.

اليوم، وفي عز التقلبات التي تشهدها المنطقة ولاسيما تركيا، تجدر العودة ثلاثين سنة الى الوراء، لعلّ في قراءة التاريخ ما يفيد المستقبل، وعبرة لمعظم حكامنا الذين يعيشون الحاضر ولا علم لهم بالتاريخ…

في عدد لصحيفة <لوموند> الباريسية بتاريخ 13 كانون الأول/ ديسمبر 1986 ملحق عن تركيا تحت عنوان: <تركيا الشرق، تركيا الغرب>.

في أول التحقيقات يقول رئيس بلدية اسطنبول السيد <دالان>، أنه يطمح الى تجديد العاصمة القديمة، غير أن كاتب المقال يقول ان إشارة السيد <دالان>، على سبيل إيضاح نيّاته لإعادة اسطنبول مركزاً اقتصادياً وسياحياً دولياً فقدته بعد نقل العاصمة الى أنقرة خلال الحربين العالميتين الاولى والثانية، أثارت ضجة لأنه يريد الإفادة مما سمي اختفاء مركز بيروت كمحطة اقتصادية وسياحية عالمية.

وفي تحقيق آخر أورده الصحافي الكبير ميشال أبو جودة، يقول أحد النواب المتحمسين لرئيس الحكومة التركي وهو السيد <بولنت اكاردجالي> التلميذ السابق في <الليسيه الفرنسية – التركية سان بنوا> في اسطنبول انه يشجع على إقامة ثنائي <شيراك – أوزال> في موازاة ثنائي <شيراك – صدام حسين> وأن رئيس الحكومة الفرنسية التقى رئيس الحكومة التركية مرتين: الأولى كانت قبل عودة <شيراك> الى رئاسة الحكومة الفرنسية، والثانية بعد عودته الى الحكومة. غير أن النائب أضاف ان اللقاء الثالث سيكون هو الأهم والأكثر احتفالية سنة 1987، لأنه عندئذٍ <سنتيح لفرنسا ان تجد من جديد قسماً من مركز نفوذ في اسطنبول لم تعرف كيف تحافظ عليه في لبنان>.

ولا بدّ من التذكير أخيراً بما أدلى به وزير الخزانة الأميركي السيد <سايمون> أمام مجلس الشيوخ الأميركي في عز حرب تدمير لبنان، أنه <مهما حلم بعض الرؤساء العرب بإحلال بلدانهم محل لبنان، فلن يتمكنوا من ذلك، حتى لو دُمّر البلد عن بكرة أبيه>… وأمام ذهول الشيوخ أضاف <سايمون> انه <حتى أثينا لن تستطيع الحلول محل بيروت>…

وهكذا، وبعد ثلاثين سنة على هذه الوقائع، لا بد من الانحناء أمام شعب لبنان الذي ورغم كل مآسيه، ولاسيما أن هناك أكثر من خمسين شخصية مارونية مرشحة للرئاسة، وكل واحد يعتبر نفسه قادراً، إذا وصل، على وضع حد للمأساة، ولعل هذه مأساة المآسي، على الرغم من ذلك كله، سينهض لبنان من جديد متكئاً على تراثه وتاريخه وطيبة أبنائه، ولن تقدر أي عاصمة أو قلعة على الحلول محله…