16 November,2018

الأزمـــة الـمـالـيـــة الـتــركــيــــــــــة واثـرها على الاقتصاد اللـبـنـاني!

 

بقلم طوني بشارة

تسارعت الاحداث الاقتصادية في تركيا في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد تراجع عملتها وانتشار القلق حيال ما قد يحدث لاحقاً، ونظرا الى العلاقات الاقتصادية والتجارية بين لبنان وتركيا، يبرز السؤال ما اذا كانت الاحداث التركية ستنعكس على الاقتصاد اللبناني، وبالتالي هل ان الازمة دولية ومخطط لها مسبقا؟ لاسيما ان العلاقات الدولية قد دخلت عصراً جديداً إثر سياسة الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> القائمة على معاقبة كل من يخالف الولايات المتحدة، وما الأزمة الأخيرة في تركيا الاّ دليل واضح على مقدرته على تنفيذ تهديداته.

عجاقة… <ونظام الطاعة>!

الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة اعلمنا بأن أميركا قادرة بواسطة اقتصادها الذي يشكّل ثلث إقتصاد العالم، أن تفرض <نظام الطاعة> على أيّ نظام سياسي حيث أن كلّ دولة تصدّر الى أميركا تصبح رهينة لها، وبالتالي فإن أي قرار أميركي بوقف التعامل التجاري معها، انطلاقاً من هذا الواقع، كفيل بتدمير اقتصادها. هكذا يختصر عجاقة المشهد التركي اليوم، لكنّه يتحدّث عمّا خُفي أيضاً حول الأزمة، فيؤكد أن قضية القسّ الأميركي <أندرو برونسون> ليست الا <واجهة أميركية> ستجرّ الى المزيد والمزيد من الاملاءات الأميركية على نظام <اردوغان>.

ــ الازمة بدأت والخطط للمعالجة تسارعت فهل هي خطط طويلة ام قصيرة الأمد؟

– بالفعل لقد هزّت العقوبات الأميركية عرش الليرة التركية بصورة مباشرة، فسجّلت مستويات متدنية قياسية عند 7.24 ليرة مقابل الدولار، بفعل الخوف الذي دفع الى بيع الليرة بكميات كبيرة، إزاء هذا الواقع حاولت الحكومة التركية التصدّي <للهجوم الأميركي> عبر تصعيد الموقف السياسي من جهة، وعبر <خطة إنقاذية> من جهة اخرى تعهد فيها البنك المركزي التركي بتوفير سيولة وخفض الاحتياطي الإلزامي من الليرة والعملة الأجنبية لدى البنوك التركية.

وتابع عجاقة قائلاً:

– البنك المركزي أوضح بأن هذه الخطوات ستوفّر ما يصل إلى 10 مليارات ليرة و6 مليارات دولار، وما يعادل 3 مليارات دولار من الذهب، متعهدّاً أيضاً بتوفير كل السيولة التي تحتاجها البنوك… هذه الخطة أدّت مباشرة الى بدء الليرة التركية بالتعافي واستعادة سعرها، لكنّها <خطة قصيرة الأجل والمفعول> وقد تؤدي الى خسارة الكثير من الاحتياطي الأجنبي، فحال تركيا اشبه بمصر عندما قررت تعويم الجنيه.

ــ متى بدأ تراجع العملة التركية؟

 – إن تراجع العملة التركية بدأ منذ قرابة العام حيث فقدت أكثر من 40 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار، وسبب ذلك عائد إلى الهواجس المتعلقة بتأثير الرئيس <رجب طيب أردوغان> على الاقتصاد ودعواته المتكررة إلى خفض أسعار الفائدة في مواجهة ارتفاع التضخم، يضاف الى ذلك التعديل الدستوري الذي أجراه مع بداية ولايته الرئاسية الجديدة حيث انتزع استقلالية المصرف المركزي التركي من خلال وضع صلاحية تعيين

الحاكم بين يديه، وهنا يقول عجاقة، مدخلٌ الى الأسباب الخفية للأزمة.

ــ إذاً، هل فعلا ان سياسة <اردوغان> الداخلية والخارجية هي سبب من أسباب الازمة؟

– إن سياسة أردوغان الاقتصادية لاسيما حيال البنك المركزي اعتُبرت مساساً باستقلالية القطاع، الأمر الذي أدّى الى انخفاض الثقة به، وفي هذا السياق دعت ألمانيا أنقرة لأن تضمن استقلالية بنكها المركزي كمدخل لحلّ أزمتها، لكنّ سياسة <اردوغان> الداخلية ليست وحدها المسؤولة، بل سياسته الخارجية أيضاً، فتركيا تدفع ثمن موقفها من الأزمة الخليجية وعلاقتها مع قطر، مما يعني أن دول الخليج تنتقم من أنقرة، وخير مثال على ذلك انخفاض الصادرات التركية الى الإمارات خلال عام واحد فقط 70 بالمئة..

وتابع عجاقة:

– وأبعد من ذلك، ان علاقة تركيا مع روسيا لاسيما في ما يتعلّق بصفقة <اس 400>، كذلك الاصطفاف من ضمن الأزمة السورية وما يتعلق بها، تعتبر جميعها السبب الأساس خلف استخدام واشنطن لسلاح العقوبات.

ــ هنا يبرز التضامن الروسي والايراني مع تركيا، ما يفتح الباب على سؤال اضافي… هل ستتمكنّ الدول الثلاث اضافة الى الصين من مواجهة العقوبات الاميركية؟

– المصيبة تجمعهم، فواشنطن فرضت عقوباتها على روسيا وايران وتركيا، والصين أيضاً. وهنا، أبدت روسيا رغبتها في أن يكون التبادل التجاري مع تركيا بالعملة الوطنية، كذلك أعلنت ايران دعمها لتركيا ولشعبها في مواجهة <الحرب الأميركية الشرسة>.

وأضاف:

– نظرياً من الممكن أن تتم التعاملات التجارية بالعملة الوطنية أو أن تستخدم الدول المعنية <نظام تبادل البضائع>، لكن عملياً الأمر لن يؤتي ثماره لأن التبادل التجاري بين ايران وروسيا وتركيا لن يكون كافياً لأي من تلك الدول لتلبية حاجات سوقها، وبالتالي فهي مرغمة على التوجه الى المصادر الاخرى، وهنا المقتل!.

ويضيف عجاقة:

– حتى وإن دخلت الصين على الخط، فإن أي اجراء لن يؤثر، لأن حجم صادرات الصين الى أميركا يوازي 500 مليار دولار (وهو رقم كبير) وبالتالي فإنه من الصعب بل من المستحيل أن تجد الصين من يحلّ مكان أميركا في هذا الشأن.

ــ يبدو ان <ترامب> يعتمد في سياسته الجديدة <عصا الاقتصاد> لخنق الأنظمة المناوئة له ولليّ ذراع معارضيه، فما الحل للازمة التركية؟

– إن حلّ الأزمة التركية ليس اقتصادياً اذ أن كل الاجراءات لن تصمد طويلاً، بل إنّ الحلّ سياسي، يقضي بأن يليّن <اردوغان> عبر الخطوط الديبلوماسية موقفه ويفاوض الادارة الأميركية على مطالبها، فالاميركيون لن يتراجعوا وسيطلبون مزيداً من التنازلات التركية في مسألة العلاقة مع روسيا وارتباطاً الوضع السوري.

ــ التاجر اللبناني يستورد من تركيا بالعملة التركية، ألن يصب ذلك لمصلحة المستهلك اللبناني؟

– التاجر اللبناني بات يشتري اليوم بسعر ارخص من تركيا ففي حال كانت لديه شفافية يفترض فيه تخفيض السعر مما يجعل المستهلك اللبناني يستفيد من تراجع قيمة العملة التركية، ولكن اذا فقدت الشفافية لديه فإن أرباحه ستتضاعف.

يونان وعدم الانهيار!

 

وللاطلاع اكثر على تأثير الازمة في تركيا على الاقتصاد اللبناني قابلت <الافكار> الخبيرة المالية تانيا يونان التي جزمت بأن لا انهيار اقتصادياً في تركيا في الوقت الحالي، وأضافت ان سرعة هبوط العملة التركية انعكست على حركة التصدير خصوصاً ان تركيا بلد مصدّر، وبلغة الارقام الحسابية بات على تركيا ان تصدّر مرتين ونصف المرة أكثر من ذي قبل مقابل المبلغ نفسه، وهذا الوضع غير المسبوق في تركيا جعل البلد والاقتصاد والقطاع المصرفي تحت المراقبة الدولية بحيث ان كل الدول اليوم تراقب كيف يتطور الوضع الاقتصادي في هذا البلد، والاوروبيون الذين لم يعترفوا بها بعد ضمن الاتحاد الاوروبي أبدوا قلقهم من الاوضاع خصوصاً في ما يتعلق بمصارفهم.

ــ هذا بالنسبة لدول العالم، فماذا عن لبنان؟

– بالنسبة الى لبنان، هناك علاقات تجارية مع تركيا، وهناك مصارف لبنانية، بالاضافة الى مصارف لبنانية تتعامل مع المصارف التركية، وقد تكون هناك استثمارات أو اعتمادات تجارية او ودائع… لكن الملاحظ ان هناك تراجعا في اسعار اسهم المصارف التي هي على علاقة بتركيا بنسب معينة، حتى ان انكشاف الخليج على تركيا اثّر على الاسواق المالية، وهذا الامر جعل المصارف اللبنانية بوضع المراقب للاوضاع هناك وتطورها، لتبني على الشيء مقتضاه من حيث التحوط ووضع رؤية مستقبلية، فالمصــــارف اللبنانيـــــة مشهـــــود لهــــا بقدرتهـــــا علــــى مواجهـــــة كافة انواع الازمات (محلية وعالمية)، وما يحصل في تركيا يجعلنا كخبراء نتوقع بان لا تكون هناك في الوقت الراهن استثمارات طويلة الامد للمصارف اللبنانية في تركيا، وفي الوقت ذاته البنــــك المركـــــزي بقيادتـــــه الحكيمـــــة يـــــراقب هذه التطورات عبر جمعية المصارف لتجنّب اي تأثير لهذه الأزمة، عدا عن ان المصارف اللبنانية تلتزم المعايير الدولية وفق معايير <بازل>.

 

يونان ومشكلة الاستيراد والتصدير!

 

ــ هذا على الصعيد المالي، فماذا عن حركة الاستيراد والتصدير؟

– ان حركة التصدير من لبنان الى تركيا تعتبر خجولة جدا، مما يعني ان تركيا ستكون متضررة نتيجة تراجع قيمة عملتها، أما بالنسبة الى الاستيراد من تركيا، فالامر يصب لصالح اللبنانيين خصوصاً وان رواتب القطاع العام لا تزال بالعملة التركية.

وأضافت يونان قائلة:

– صحيح ان تركيا بلد صناعي بامتياز لكن غالبية المواد الاولية الضرورية للتصنيع تستورد من الخارج وبالتالي يُدفع ثمنها بالعملة الصعبة، وبالتالي، فإن التصدير ليس لصالحنا انما الاستيراد من تركيا يصبّ لصالحنا.

ــ وماذا عن القطاع الصناعي؟

– بالنسبة الى انعكاس ذلك على القطاع الصناعي، فلا يخفى على احد بان تراجع سعر العملة في تركيا سيخلق مشكلة للقطاع لأن أسعار البضاعة المستوردة ستكون اقل مما كانت عليه، خصوصا تلك المصنعة كليا في تركيا اي ان موادها الاولية منتجة في تركيا، بما سيضرّ بالصناعة اللبنانية.

ــ ولكن هذا التراجع بقيمة العملة ألن يصب بمصلحة المستهلك اللبناني للسلع التركية؟

– أعتقد ان التراجع الحاصل في تركيا سينعكس ضررا على لبنان، فاللافت ان الاموال مكدسة في المصارف اللبنانية ولا أحد يشتري أو يستثمر لأنه يفضل الحصول على فائدة مرتفعة من المصارف.

وأنهت يونان حديثها قائلة:

– ان التاجر الذي يشتري البضاعة من تركيا بنصف ثمنها لن يتمكّن من بيعها بنصف ثمنها في لبنان وبالتالي لن يتأثر المستهلك انما سيكون التاجر رابحاً، لكن في الظروف الاقتصادية الصعبة التي نمر بها في لبنان فإن التاجر والمستهلك متضرران على حد سواء، وقد وصل التراجع في الحركة التجارية اليوم الى حدود 70 – 80 بالمئة.