9 April,2020

هل تكون الخطة الإصلاحية الإنقاذية الموعودة الوصفية السحرية للأزمة المالية والنقدية؟

 

بقلم طوني بشارة

 

الدكتور ايلي عشقوتي: ستلجأ حكومتنا إلى اعتماد اجراء الـ”كابيتال كونترول” مما سيزيد من نسبة الفقر وسيجعلنا كمواطنين نعتمد تغييراً جذرياً في نظامنا الاستهلاكي!

الليرة اللبنانية غير مستقرة بظل ارتفاع الدولار المتأرجح منذ 17 أكتوبر

ليس من الحكمة في شيء إنتظار سقوط الهيكل على رؤوس الجميع لكي نصدّق أننا كدولة وكمواطنين نعاني أزمة مالية كبيرة. أزمة ربما قد تكون وجودية، وليس من السهل بتاتاً الخروج منها، فكيف يُمكن للسلطات المُتعاقبة التي أغرقت البلد في هذه الدوّامة من الأزمات التي لا تنتهي أن تجترح الحلول! حيث لا يُمكن توقّع أي مسارِ إيجابيّ في ظل تعاقب سياسيين متشابهين بالتوجهات والانتماءات… سياسيون  أصبحوا للأسف بحد ذاتهم قلب وأساس الأزمة ومُتفرّعاتها.

  نعلم أنه من واجب خبراء الإقتصاد والمال في لبنان كما وحاكم مصرف لبنان ووزيري المالية والاقتصاد بث الخطابات الإيجابية والبناءة في الموضوع المالي – الإنمائي والإقتصادي والتأكيد على أن وطننا الحبيب يمرّ حالياً بظرف صعب لكنه لا يوحي بإنفجار ولا يصل لمستوى الخطورة القصوى، كما أنه من واجب  فخامة رئيس الجمهورية التأكيد في معظم مواقفه ومؤتمراته على أن لبنان سيتخطى هذه المرحلة الحرجة من الإنهيار المالي والمؤسساتي وسيعاود عافيته الاقتصادية المعهودة، وايضا من واجب كل مسؤول ورئيس حزب وخبير بث هذه الخطابات من منطلق الحفاظ على الإستقرار الداخلي. نتفهم هذا الأمر لا بل نحترمه ونُقدسه، لكن ما لم نفهمه بالمقابل هو تبادل الإتهامات والتملص من المسؤولية وكشف الفساد في الوزارات المعادية والتنصل من المحاسبة من دون اي محاولة لإيجاد حل منطقي للازمة.

والمتتبع للامور يلاحظ بأن الظروف المالية الكارثية تطغى على الجوانب السياسية في لبنان رغم ارتباطهما علمياً وبشكل وثيق، وذلك بسبب انعكاساتها على المواطنين الذين يدفعون حياتهم ثمناً للظروف الاجتماعية والمالية الخانقة، فما الأسباب الحقيقية لأزمة لبنان المالية؟ وهل يمكن الخروج منها؟ وما أبرز مؤشراتها؟

تاريخ الازمة المالية!

 لبنان، الدولة المضطربة امنياً وسياسياً واقتصادياً والتي تنتمي إلى الشريحة العليا من الدول المتوسطة الدخل، يعاني منذ فترة من أزمة مالية تتعاظم مخاطرها وتداعياتها السلبية اجتماعيا واقتصاديا يوما بعد يوم. اذ انه ومنذ منتصف أكتوبر/تشرين الأول، تغلق المصارف أبوابها  من فترة إلى أخرى  لدواعٍ معينة وبحجج مختلفة، مما يؤثر سلبا على نفسية أصحاب الحسابات لاسيما الصغيرة الذين باتوا يجدون صعوبة في الوصول إلى الأرصدة الدولارية. وعلى الرغم من أنَّ حكومتنا العتيدة لم تستحدث قيوداً على سحب رؤوس الأموال رسمياً، يبدو أنَّ المصارف بادرت بكل وقاحة ومن تلقاء نفسها بهدف الحفاظ على رؤوس الأموال من جهة والسيولة من جهة ثانية إلى وضع حد أقصى للمبالغ التي بإمكان العملاء سحبها أو تحويلها إلى الخارج، مما أدى  للأسف الى ازمة دولار ترافقت مع ازمة شراء مواد أولية وسلع صناعية من الخارج، اذ أدت  ندرة الدولار إلى ارتفاع سعر الأوراق الدولارية بنسبة 70% عن سعر الصرف الرسمي بسبب الطلب المتزايد من قبل التجار والصناعيين من جهة وبسبب جشع الصيارفة عديمي المسؤولية من جهة ثانية (إذ يعتمد اقتصاد لبنان على الدولار الأميركي والنقود الورقية اعتماداً كبيراً).

هذا بالنسبة لازمة الدولار، فماذا عن ازمة الدين العام وارتفاع معدلاته التي تعود إلى فترة إعمار ما بعد الحرب الأهلية خلال التسعينات؟ وماذا عن أموال سلسلة مؤتمرات المانحين بدءاً من تلك التي نسقها الرئيس الفرنسي آنذاك “جاك شيراك” والتي تعهدت بتقديم مساعدة مالية ضخمة وصولا الى “مؤتمر سيدر” وغيره؟ ولماذا فشلت كل هذه المؤتمرات وما رافقها من مساعدات في أن تحافظ على الاستدامة الخارجية والمالية؟ وماذا عن ضخ أرصدة بقيمة 80 مليار دولار إلى داخل لبنان (أي ما يعادل 170% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة)، الا تعتبر فرصة مُهدَرَة كان يمكن استغلالها لتغيير الأوضاع؟ وهل فعلا  انتهى المطاف بثلث هذه الأموال إلى تمويل زيادة عجز الحساب الجاري الذي كان ضخماً بالفعل؟ وهل ارتبط أكثر من نصف الارتفاع في عجز الحساب الجاري بزيادة في الإنفاق الحكومي (صافي أسعار الفائدة)؟

الازمة واقعة لا محالة وثمة تساؤلات عديدة تطرح في الوقت الحالي وتتمحور حول السبب الرئيسي الذي اودى للواقع المالي الميؤوس منه الذي نعيشه حاليا وكيفية معالجة او تخطي النكبة الحالية؟

(الافكار) قابلت الأستاذ المحاضر بالقضايا المالية لدى جامعة اليسوعية الدكتور ايلي عشقوتي وجاءت بالتحقيق الاتي:

 

عشقوتي والازمة!

الدكتور ايلي عشقوتي

*بداية كيف تصف الازمة التي نمر بها حاليا؟

– للأسف الازمة الحالية تعتبر من اصعب الازمات التي مرت على لبنان، وسببها الاستهتار من قبل القادة المعنيين بالامور السياسية والاقتصادية في لبنان، فالدين العام تراكم ووصلت نسبته الى ما يعادل الـ170% من الناتج المحلي، ومرد ذلك عائد بالدرجة الاولى الى استعمال الاموال الممنوحة لشراء السندات ومنها “اليوروبندز” بدلا من استغلالها في القطاعات الانتاجية (زراعية – صناعية…) واعتقد اننا سنمر بفترة صعبة للغاية (ارتفاع بسعر صرف الدولار- انعدام العائدات لمختلف القطاعات .. ) وستشتد الازمة تباعا وسنضطر الى اعتماد التغيير الجذري بنمط حياتنا.

*الازمة واقعة لا محالة، فماذا عن دور مصرف لبنان بالمعالجة؟

– نلاحظ ان ارتفاع نسبة الدين العام قد رافقه هدر متفاقم ناتج عن التوظيفات العشوائية في القطاع العام من جهة واصدار قانون سلسلة الرتب والرواتب من جهة ثانية، فالقادة فضلوا بفترة من الفترات مصلحتهم الانتخابية على المصلحة المالية للوطن فتفاقمت الازمة.

مصرف لبنان يحاول جاهدا ضبط الامور لاسيما بما يتعلق بالدولار وتثبيت سعره على الـ1500 ليرة، ولكن ليس هنالك امكانية لتلبية طلب السوق على الدولار، مما يجعل اصحاب المصالح يلجأون مرغمين الى الشراء من الصيارفة وفقا لالية العرض والطلب.

تفاقم الازمة!

  *استحقاق اذار للـ”يوروبندز” لم يتم دفعه، فماذا عن الاستحقاقات الاخرى؟ وهل سيزيد ذلك من حدة الازمة؟

– ان الاستحقاقات الاخرى للـ”يوروبندز” لن يتم دفعها بتواريخها وستلجأ الجهات المعنية الى جدولة دفع الاستحقاقات وسيتم التفاوض في ما يتعلق بالديون الخارجية. وهنا لا بد من الاشارة الى ان اغلبية الدين العام هو داخلي، والمصارف وبسبب طمعها بالفوائد أخطأت بإدانة الدولة التي صرفت الاموال على دفع ديونها دون الاستفادة منها عن طريق استعمالها بقطاعات منتجة.

وفي السياق ذاته لا بد من التنويه بأنه لم يعد بإمكاننا الاتكال على الاموال المرسلة من قبل المغتربين، مما سيجعل الازمة تتفاقم في ظل تراجع التجارة الخارجية التي ستتأثر حكما بقضية الـ”كورونا” وستتراجع قيمة الاسهم وهذا ما نلاحظه حالياً في الخليج على سبيل المثال، وستلجأ حكومتنا إلى اعتماد اجراء الـ”كابيتال كونترول” مما سيزيد من نسبة الفقر وسيجعلنا كمواطنين نعتمد تغييراً جذرياً بنظامنا الاستهلاكي.

الـ”كابيتال كونترول” وسلة الاجراءات!

*ما المقصود عملياً بالـ”كابيتال كونترول” وهل طُبّق فعلياً في بلدان اخرى وما مدى فعاليته؟

ان الـ”كابيتال كونترول” يُطبّق حالياً بطريقة غير مقوننة في لبنان، اذ ان كل مصرف يعتمد معياراً خاصاً به لتطبيق هذا الاجراء ويحدد لزبائنه قيمة السحب المسموح بها من حساباتهم شهريا وذلك بسبب ازمة النقد والسيولة التي نعاني منها،وبالفعل سوف يصدر قانون من قبل الحكومة يشرع الـ”كابيتال كونترول” والغاية منه المحافظة قدر المستطاع على الأموال السائلة الموجودة في لبنان وتوزيع السيولة بطريقة مقوننة.

*هل تعتقد ان هكذا اجراء يمكن اعتماده في لبنان؟

– عاجلا ام اجلا سيتم تطبيق هكذا اجراء… سنطبقه مرغمين كونه الحل الأفضل في ظل غياب تحويل الأموال من الخارج وانعدام المساعدات الدولية، وهو يعتبر نوعاً من التقنين وسيؤثر حكما وبطريقة سلبية على الحركة الاقتصادية في لبنان بسبب غياب السيولة مما سينعكس سلبا على عملية الاستهلاك وبالتالي على الحركة الإنتاجية.

*ما هي الإجراءات التي يفترض اعتمادها من قبل الدولة لحل هذه الازمة؟

– هناك إجراءات عديدة يفترض اتباعها تباعا الا وهي:

– التقليل من عدد موظفي القطاع العام.

– تخفيف قيمة التعويضات لموظفي القطاع العام وإلغاء إمكانية استفادة الأولاد من المعاشات التقاعدية لاهلهم لاسيما النواب – والقطاع العسكري…

– تخفيف نسبة الهدر لاسيما في قطاع الكهرباء.

– اللجوء مرغمين لفرض ضرائب جديدة (مع رفع نسبة القيمة على الضريبة المضافة).

– اقفال المعابر غير الشرعية.

 – مراقبة مشددة على الحدود وعلى المرافئ والمطار…

   – دعم القطاعات الانتاجية (زراعية – صناعية…).

– تشجيع الصناعة الوطنية والسعي للاكتفاء الذاتي للتخفيف من النزف الخارجي للدولار.

– التحول تدريجيا من بلد مستورد الى بلد مصدر.

 – تقوية ودعم القطاع السياحي…