9 April,2020

الأزمة المالية غير المسبوقة وتداعياتها الخطيرة وسبل معالجتها!

 

بقلم طوني بشارة

 

رئيس ”تجمع رجال وسيدات الاعمال في العالم“ الدكتور فؤاد زمكحل: الكل مسؤول والكل سيدفع الثمن غالياً!

 

يعيش لبنان منذ فترة طويلة بأكثر من طاقته الإنتاجية على اعتبار أن الدين العام يرتفع بوتيرة مخيفة والقطاع الخاص يستفيد استهلاكاً من ليرة مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالدولار، ويترافق ذلك للأسف مع أجواء تدنٍ للإنتاجية الاقتصادية وضعف في النمو. وتعتبر مقلقة للغاية ظاهرة العجز المتمادي في ميزان المدفوعات لتسع سنوات متتالية منذ عام 2011، وهي سابقة لم يعرفها لبنان منذ الاستقلال وحتى خلال سنوات الحرب، إذ كان العجز يدوم لسنتين متتاليتين كحد اقصى، مما يعني ان الخطر الكبير على لبنان قد لا يأتي من مشاكله السياسية أو الأمنية المعقدة، إنما من وضع مالي مأزوم يتفاقم منذ سنوات بدون أي إهتمام من الجهات المسؤولة.

  كل ذلك يدفعنا الى التساؤل عن سبب هذه الازمة؟ وهل من مساعٍ معينة لمعالجتها؟ وماذا عن قضية اليوروبوندز؟

 

زمكحل والمسؤولية الجماعية!

أسئلة عديدة للإجابة عنها التقت <الأفكار> رئيس <تجمع رجال وسيدات الاعمال في العالم> الدكتور فؤاد زمكحل وجاءت بالتحقيق الآتي:

ــ بداية، مَن المسؤول الأساسي عن الواقع الحالي الذي نعيشه؟

– هناك جهات أربع مجتمعة تعتبر مسؤولة عن الأزمة الحالية وهي:

الدولة لأنها تعاني منذ ثلاثين سنة من العجز فيما لم تقم بأي إصلاح بناء بل انها اعتمدت مبدأ الصرف على المتغيرات بدلاً من الصرف على الأصول الثابتة، فعلى سبيل المثال لا الحصر عمدت الى استئجار البواخر لمدة ثماني سنوات وبتكلفة مرتفعة جداً بدلا من اللجوء الى شرائها.

المصارف وهي تتحمل المسؤولية أيضا لكونها قد استثمرت أكثرية الودائع والمداخيل بنطاق دولة كانت معروفة بانها فاشلة وعاجزة، وهي عمدت الى هكذا إجراء لكونها قد طمعت بالفوائد والأرباح المتراكمة لسنوات عديدة.

كما أن المجتمع الدولي يعتبر مسؤولاً أساسياً لكونه ساند الدولة بعدة مؤتمرات فيما لم يعمد إطلاقا الى ملاحقة عملية الإصلاحات ومحاربة الفساد او أقله ملاحقة تنفيذ المشاريع المدعومة، وبالتالي جعل الدولة تعتاد فكرة التسول من أجل الحصول على أموال الدعم التي استعملت لاغراض شخصية وسياسية وحزبية.

اما الجهة الرابعة المسؤولة عما نعانيه اليوم فهم المودعون أنفسهم لكونهم قد طمعوا بالفوائد المرتفعة وغامروا بأموالهم في ظل المخاطر السيادية العالية.

لذا فاننا نعتبر أن الكل مسؤول والكل سيدفع الثمن غاليا.

ــ بعد قرار تأخير دفع استحقاق اليوروبوندز، فما هو الحل الأنسب؟

– الحديث الذي يدور هذه الأيام حول دفع استحقاق اليوروبوندز وعدم دفعه هو حديث خاطئ بإمتياز لأن جوهر المسألة ليس بالدفع أو الإمتناع عن الدفع فواجب على كل مدين أن يسدد مستحقاته أو المصارحة والتفاوض مع الدائنين، وإلا سيضطر إلى مواجهة دعاوى قضائية دولية قد تؤذي البلد ككل والمواطنين والشركات، فالأولوية القصوى هي لمصارحة حاملي السندات ودعوتهم إلى مناقشة شفافة حول الوضع الراهن والتفاوض البناء معهم لإيجاد حل لإعادة جدولة هذه الديون أو حتى دفع قسم منها مع جدول زمني على المدى القصير، المتوسط والبعيد، اذ لا يجوز أن يواجه لبنان دعاوى قضائية دولية تؤذي سمعته وتوجه الضربة القاضية للثقة المتبقية لإقتصاد لبنان، كما لا يجوز مواجهة أحكام قد تكون مؤذية جداً على صعيد العلاقات مع المجتمع الدولي ولا نستطيع أن نتنبأ أبعادها.

القرار ضمن استراتيجية!

 

ــ بماذا تنصح القيمين على عملية الدفع من اجل ان يكون خيارهم صائباً؟

– إن قرار الدفع أو التعثر حيال الإستحقاقات يجب ألا يكون قراراً مستقلاً بل أن يكون ضمن إستراتيجية متكاملة متضامنة تضمن الإصلاحات المرجوة والموعودة منذ <باريس 1>، وخطة إنقاذ إستثنائية، وإستراتيجية متكاملة على المدى القصير، المتوسط والطويل.

نحن نذكر أن إستحقاقات اليوروبوندز كانت دينا علينا منذ نحو 30 عاماً وستكون كذلك على الأقل في السنوات الـ 30 المقبلة، فلا يجوز أن يُفتح الحوار عشوائيا وبطريقة غير منظمة عند كل إستحقاق من دون تنظيم وإعادة هيكلية مثمرة ضمن خطة متجانسة، متكاملة، واضحة وشفافة.

كما إن إعادة الهيكلية المطلوبة يجب أن تضم خصخصة مدروسة بأولوية قطاع الكهرباء الذي يستنزف ثلث الموازنة، وإعادة النظر بحجم الدولة الذي يوظف وهميا في معظم الأوقات نحو 10% من الشعب اللبناني، وإعادة رسملة المصارف، وتشجيع ودعم الدمج والإنخراط في كل القطاعات الإنتاجية، وحماية أموال المودعين كأولوية قصوى، وتأمين قروض مدعومة للقطاعات المنتجة القادرة الوحيدة على خلق النمو المستدام بعد مرور العاصفة، وتنفيذ خطة إعادة هيكلية تامة، على المدى القصير، المتوسط والبعيد.

كما ان على الفريق التنفيذي إتخاذ قرارات سريعة وشجاعة، ومصارحة الشعب والمودعين وحاملي السندات بحقيقة الوضع وخصوصاً بإقتراح خطة متكاملة وإعادة هيكلية جذرية لا بدّ من تنفيذها وملاحقتها حيث ان تلك الملاحقة كانت دائما نقطة ضعفنا، كما نذكر ونشدد أن أزمتنا

الأساسية هي أزمة ثقة بإمتياز، لذا يجب إدراك هذا الأمر الخطير بالشفافية التامة، والتواصل مع المجتمع الداخلي والخارجي، والقبول بالواقع المؤلم، وذلك للبدء في المواجهة والخروج من الأزمة في أسرع وقت ممكن.

ــ أشرت الى وجود ازمة ثقة، فكيف يمكن استعادتها؟

– إن أهم ما في المعالجات هو العمل على استعادة الثقة من خلال إستراتيجية ورؤية واضحة، وهنا أشدد على أهمية أن يعي أصحاب الشأن أبعاد الرسائل التي أكد عليها المجتمع الدولي في مؤتمر <سيدر> عن الحاجة الى الاصلاح، خصوصاً ان المجتمع الدولي لا يثق بمَن دمر لبنان لاعادة اعماره.

وأدعو الى التفكير العميق في مآل الازمة اقتصادياً وسياسياً سواء على مستوى لبنان أم على مستوى المنطقة. وفي السياق ذاته أؤكد أن استعادة الثقة تحتاج الى مسار طويل، مع الأخذ في الإعتبار أن الاقتصاد اللبناني قام على أسس خاطئة خصوصاً ان مَن دمر لبنان خلال سنوات الحرب كان مطلوباً منه اعادة الاعمار، وكانت النتيجة عكسية بعد 30 عاماً إذ وصل لبنان الى وضع انهار فيه الاقتصاد والبنى التحتية في خضم بركان اقليمي كبير، واذا كان الوضع ما زال متماسكاً بعض الشيء فذلك لأن المجتمع الدولي لا يريد للبنان ان ينهار وسيعمل على مساعدته، مع التذكير بأن مؤتمر <سيدر> كان مؤتمراً لإطلاق الاصلاح وتمويل مشاريع حقيقية ولكن الطبقة السياسية لم تفهم ابعاد رسالة المجتمع الدولي.

التفاؤل رغم الأزمة!

ــ بالرغم من كل ما يحيط بنا من أزمات نراك دائما متفائلاً بغد افضل، فما سبب هذا التفاؤل؟

– إن الوضع الحالي ليس نهاية المطاف وإن التفاعل ما بين المجتمعين الدولي والمحلي يمكن أن يؤدي الى إحداث تغيير كبير، خصوصاً أنه من المبكر تقييم الاثار الإيجابية والسلبية للحراك في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي والذي لا يزال أمامه مسار طويل لتحقيق أهدافه مع الأخذ في الاعتبار أن الامور لا يمكن أن تعود الى الوراء. وأرى ان بناء الثقة يحتاج الى سنوات من العمل شرط أن لا يتكيف اللبنانيون مع الأزمة، وأكرر دعوة الطبقة السياسية الى الإعتراف بالمشكلة وبان لبنان في قلب الإنهيار تمهيداً للبحث عن حلول للتعامل مع الأزمة ووضع خريطة طريق لتجاوز الانهيار. كما وأتمنى تعزيز التواصل على المستوى المحلي والدولي، والبحث عن شركاء جدد وأسس تعاون جديدة تعتمد الشفافية والصراحة في التعامل مع المجتمعين المحلي والدولي. وأشدد على أهمية إتخاذ القرار وآليته، وأن لا قرارات سيئة وجيدة في حد ذاتها بل هناك قرارات يجب ان تستند الى المعلومات والقراءة الصحيحة. واتمنى على اللبنانيين التحلي بالصبر اذ ان الامور لن تحل خلال ايام لكن الاهم يبقى عدم ترك السفينة تغرق والعمل على انقاذها. واؤكد ان لبنان يملك الفرصة والإمكانات والقدرات للتعامل مع الازمة رغم كل المخاوف والظروف الصعبة.

ــ وهل من خطط او استراتيجية عمل معينة ستعتمدونها كـ<تجمع رجال وسيدات اعمال في العالم> من اجل تخطي الازمة؟

– بالتأكيد، فنحن كشركات بدأنا بإعادة هيكلية داخلية شاملة، كما اعتمدنا خطة التنويع والتنوع بالنشاط الإنتاجي من أجل تخفيف المخاطر، ولجأنا الى مبدأ الاندماج والإنخراط بالتحالف الاستراتيجي بين الشركات من القطاعات نفسها أو من غيرها من أجل مواجهة الأزمة وتقليص الانفاق، كذلك ركزنا على فكرة أساسية مفادها بأن النجاح يتم بطريقة العمل الجماعي وليس الإنفرادي، ونفذنا مبدأ الانفتاح على الأسواق الخارجية من أجل تصدير المعرفة والنجاح ومن أجل استقطاب الأموال من الخارج، وسعينا لتحويل دين القطاع الخاص الى إستقطاب استثمارات جديدة وفتح رأسمال الشركات.

هذا بالنسبة للقطاع الخاص، اما في ما يتعلق بالقطاع العام فالحل يبدأ بالإتجاه نحو الخصخصة لاسيما بمجال الكهرباء، وأيضا خصخصة قطاع <التليكوم> الذي سيستقطب ما لا يقل عن 10 مليارات دولار وسيسمح بضخ سيولة وفيرة، وهنا لا بد من أن يعمد القطاع العام الى إستعمال ضمانة الذهب الموجودة لاستقطاب بعض السيولة من الخارج وضخها في السوق المحلي.