21 September,2018

الأخوان محمد وأحمد فليفل جامعة دول عربية باللباس الموسيقي!

11 بدعوة من جمعية <عرب> بكسر العين، وعائلة الأخوين فليفل، عاد الراحلان محمد وأحمد فليفل الى نبض الحياة. عادا عبر أناشيد صدحت في قاعة قصر الاونيسكو في عزف حي من الاوركسترا الوطنية لأناشيدهما، في معرض صور عنهما، وفي كتاب سيرة الأخوين فليفل <اللحن الثائر> الذي يوثق لحياتهما وللموسيقى التي أنتجاها في أربع اسطوانات مدمجة تضم 70 نشيداً، هي فاكهة الكتاب الطيبة على الاسماع، من تأليف المخرج الإذاعي محمد كريم.

وللأخوين فليفل تاريخ ومحطات وذكريات.. من اكتشافهما للسيدة فيروز التي تعلمت أصول تجويد القرآن في بيتهما الى الالحان التي جابت البلاد العربية لاكثر من قرن، الى التواطؤ مع تلامذة مدرسة حوض الولاية على <مسيو كورن…>.

هذه وغيرها استعرضناها مع الباحث محمد كريم والعميد المتقاعد جورج حرو واضعي الكتاب وفيه جزء كبير من تاريخ بيروت وذاكرتها..

 

 من سعيد عقل الى.. <المرابطون..>.

22

من الموالد الدينية في الاحياء المختلفة، ومن الايقاعات التركية والفرنسية الحماسية، ومن الغناء الاصيل شيّد <فليفل اخوان> (محمد وأحمد) مملكتهما الموسيقية. نشيد جامعة الدول العربية، النشيد السوري، نشيد الكتائب، والنجادة والمرابطون، وأكثر من نشيد للشاعر سعيد عقل <ها أنا لبنان> و<نسور العرب>، وأناشيد أخرى مثل <لبيك عبد الناصر> و<بلاد العرب اوطاني> و<موطني> الذي كتب كلماته في الثلاثينات الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان واختارته الحكومة العراقية <نشيداً وطنياً لها> والذي كان مقرراً كما أغنيات فيروز الوطنية، في مناهج التدريس العراقية تحت مادة بعنوان <نشيد>، الى أناشيد دينية وتربوية كنشيد <الشجرة> للشاعر محمد يوسف حمود والد الزميل هاني حمود، ونشيد المعلم و<انشودة المصطاف> و<الفتاة الرياضية> وأغنية <الجزرة المضحكة> التي رددها كل أطفال ذلك الزمان… هذه كلها ضمتها جعبة الأخوين الفنية ولهما ما يناهز الألف لحن في حب الوطن والمرأة والسلام والاطفال والمهاجرين.. الى كل ذلك، فإن أسماء كبيرة لامعة في عالم الطرب تخرجت على يدي <الاساتذة فليفل> (انضم اليهما سليم ابن محمد لاحقاً) وكان بيتهم <المقر الفني> لطلبتهم وزملائهم من المعلمين والشــــعراء والفنــــانين مـــــن لـــــور دكاش الى صباح ومحمد البكار ومحمد سلمان وعبد الغني شعبان وعفيف رضوان وآخرين كما شاركوا شاعر الشعب عمر زعني في معظم مونولوجاته.

 

 الاصل. .عنترة !

محمد وأحمد فليفل ولدا في منطقة الاشرفية الجانب الشرقي لبيروت وختما القرآن الكريم في كتّاب الشيخ مصباح دعبول عند حي بيضون في الاشرفية. كان والدهما يتمتع بحس موسيقي فطري وشعور بالكرامة العربية، فاشترى كتاب عنترة وطلب من ابنيه قراءته اعجاباً بالعرب وببطولاتهم. وكان ديب صبرا، جدهما لأمهما يتمتع بصوت جميل ويتولى الآذان وفرقة الانشاد الديني في الجامع العمري الكبير ويصطحب معه حفيده محمد لحضور حفلة الإنشاد وسماع القصائد ومنها أبيات من نظم المفتي مصطفى نجا. وقد دفع هذا الاستعداد الأخوين فليفل الى دراسة الموسيقى، فتابع محمد دراستها في دار المعلمين التركية فيما كان أحمد يدرس البيانو والنوتة الموسيقية. في العام 1915 ذهب محمد ليشارك في الحرب العالمية الاولى كضابط احتياط. وبعد انتهاء الحرب عيّن ضابطاً في الدرك اللبناني الا انه عاد واستقال. وفي العام 1942، وفي عهد الرئيسين ألفرد نقاش وسامي الصلح اتصل العميد سليمان نوفل بالأخوين فليفل من أجل تأسيس فرقة موسيقى عسكرية فصدر بتاريخ 1 تشرين الأول/ اكتوبر مرسوم تأسيس موسيقى الدرك. وفي العام 1943 أسس الضابط محمد فليفل البيت الموسيقي بفرعيه الشرقي والغربي وكان يضم اكثر من 150 فناناً لبنانياً وأجنبياً وشكل <نواة نقابة الموسيقيين> في لبنان. وفي سيرة محمد فليفل ايضا يذكر ان الحكومة العراقية استدعت الموسيقار للعمل في العراق واصلاح الأناشيد التربوية المدرسية في دور المعلمين العراقية ومن بعدها استدعي الى السعودية.

44

 مسيو <كورن>…

الباحث والمخرج الإذاعي محمد كريم موصول بالاستاذين فليفل بارتباط وجداني خاص فهو كان تلميذهما في مدرسة حوض الولاية ومن بعدها في مدرسة المقاصد وذلك بمادتي الرياضة والموسيقى. عن كتاب <اللحن الثائر> في القسم الاول منه، وهو كاتبه تحدث بشغف عن انجازه لـ<الأفكار>:

– وضعت في بالي ان أكتب عن الأخوين فليفل، ذلك انه ومنذ وقت طويل هما مغيبان ولا نسمع عن سيرتهما المليئة بالعمل الناجح، هما من أرسيا قواعد النشيد العربي. بدأت الكتابة منذ حوالى السنة ونصف السنة ووجدت صعوبة كبيرة ذلك ان المراجع حولهما نادرة. اتصلت بآل فليفل وطلبت منهما ما يمكن ان يساعدني به من معلومات وصور، ولقيت تجاوباً بالطبع. انقضت مدة، اتصل بي بعدها المهندس جمال فليفل يخبرني ان الجنرال جورج حرو (قائد اوركسترا الجيش سابقاً) يحضر دكتوراه في <جامعة الكسليك> حول موسيقى الأخوين فليفل سائلاً اذا ما كان يمكن دمج الكتابين في كتاب واحد. أسعدني الأمر حقاً، فتناول القسم الاول الوثائق والمعلومات التاريخية والاجتماعية عنهما، وأفرد القسم الثاني للتحليل الموسيقي، فولد كتاب <اللحن الثائر> على هذا النحو. اما جمعية <عرب> فاهتمت بنشره وطبعه.

 ويزيد كريم صاحب كتابي: «المسرح اللبناني في نصف قرن 1900-1950» و«في البال يا بيروت>:

– اعتمدت في السرد على ما اختزنته ذاكرتي عنهما، واتصلت بكثيرين ممن تتلمذوا على يديهما خاصة الذين انضموا الى فرقتهما الموسيقية، فهما أسسا فرقة للأناشيد. كأستاذان، كان الاخوان فليفل يعرفان بالعاطفة تجاه طلابهما وبالصرامة الشديدة في الوقت عينه. الدولة ظلمتهما في مرحلة ما إلا انه لا يمكننا ان نعمم، ذلك انهما نالا الاوسمة أيضاً والكثير من التكريم. الظلم كان في بعض القضايا أثناء العمل الوظيفي لاعتبارات مختلفة معروفة في لبنان، وبينها أيضاً الشخصي. فالخلاف كان معروفاً بين الاستاذ محمد وبين مدير قوى الامن الداخلي يومئذٍ الزعيم نور الدين الرفاعي على ما أعتقد.

وما حكاية الخبير الفرنسي الذي استبدل به الاستاذ أحمد من قبل قيادة الجيش؟

– كان خبيراً فرنسياً وأعطوه راتباً يفوق راتب أحمد فليفل، وهو كان يتجاوزالستين في حين ان فليفل كان لا يزال في الخمسين من عمره وتم تسريحه. وبعد تعيين الفرنسي، طلب من أحمد فليفل بعض الأمور الموسيقية فأجابهم: ولم لا تراجعون الخبير الفرنسي للقيام بها. وكان يدرك في قرارة نفسه ان ما يطلب منه يستطيع هو فعله  لأنه يتعلق بالنفس الشرقي واللبناني، فاستدعى الجنرال عادل شهاب أحمد فليفل طالباً منه التنفيذ لأنه <أمر عسكري>، فرضخ. واعتقد حينئذٍ ان الأمر كان متعلقاً بتعريب المعزوفات التي كانت تنشد وتعزف في المناسبات الفرنسية..

ــ ولـ<المارسييز> الفرنسي أيضاً قصة طريفة ترويها لنا وكنت شاهداً شخصياً عليها كتلميذ في مدرسة حوض الولاية..

55

– حصدت ضجة كبرى قصة <المارسييز> هذه. كان مدير مدرسة حوض الولاية ضابطاً فرنسياً أصدر قراراً بضرورة ان ينشد الطلاب النشيد الفرنسي <المارسييز> (هيا يا أبناء الوطن) كل صباح قبل الدخول الى الصفوف، خاصة العليا منها، ذلك ان ثانوية حوض الولاية الرسمية كانت الوحيدة التي تضم صفوفاً عالية وفيها صفوف دار المعلمين ايضاً. هذا القرار لم يستسغه الطلاب في المدرسة، وفي احدى المرات أنشدوه بحضور الضابط الفرنسي نفسه <مسيو كورن>، وهو كان ضابطاً متقاعداً عين مديراً للدروس الفرنسية في المدرسة، بمعنى آخر كان مدير المدرسة. وكان هذا الانشاد <مائعاً>، يعتريه النشاز واللفظ الخاطئ للكلمات الفرنسية، فاستاء <مسيو كورن> وطلب إعادته أكثر من مرة، وكادت الأمور تحتدم بينه وبين الطلاب فانبرى الاستاذ محمد فليفل ليريح الجو قائلاً انه سيتعامل مع الطلاب بالشكل المناسب، ووقف يقول أمام المدير <عيد يا ابني> مردفاً ان الأناشيد يجب ان تكون حماسية وصحيحة وطلب في الوقت عينه من التلامذة إنشاد النشيد الوطني اللبناني واشتعل التصفيق من قبل الطلاب، فاستقاموا وأنشدوا <المارسييز> ومن بعدها النشيد الوطني اللبناني على أفضل ما يكون، وبقيت الأمور على هذا النحو في المدرسة اي إنشاد النشيدين الفرنسي واللبناني حتى أواخر زمن الانتداب، وبعد فترة وصلنا خبر نحن الطلاب، ان <النشاز> كان بتواطؤ من فليفل مع الطلاب ليتوصلوا الى إنشاد النشيد اللبناني أيضاً.

ــ بالنسبة للنشيد اللبناني لماذا لم يوافق على ما قدمه الاخوان فليفل؟

– تعرفون ان مباراة جرت بين عدة شعراء وملحنين. ففي العام 1926 عندما وافق <مسيو كايلا> حاكم لبنان الفرنسي على إقامة مباراة لانتخاب نشيد وطني كان التمني بأن يكون النشيد وصفياً لا حماسياً يلهب المشاعر في النفوس على مثال <الفخر في بلادنا> الذي تقدم به الاخوان فليفل.. مثل <أسرجوا الخيول.. اقرعوا الطبول.. الحر لا يذل..>. كان من الصعب القبول بمثل هذه الكلمات نشيداً. كذلك فإنهم قدموا <يا تراب الوطن> للشاعر بشارة الخوري الأخطل الصغير وهذا ايضاً فيه نفحة ثورية فاستبعد واعتمد نشيد رشيد نخلة ولحن وديع صبرا ومنهم من قال ان ما تقدما به لم يعتمد لصغر سنهما.

ثم أضاف محمد كريم:

– والجدير بالذكر هنا ان الأخوين فليفل كانا قد اختارا تفاعيل نشيد الامير عبد الكريم الخطابي <في ثنايا العجاج> لتكون تفاعيل النشيد الوطني المناسب، فأعطياها للشعراء بشارة الخوري وشبلي ملاط وحليم دموس ورشيد نخلة، وعند الفرز اختارت لجنة التحكيم قصيدة الشاعر رشيد نخلة وكانت لجنة التحكيم مؤلفة من الادباء والشعراء عبد الله البستاني والشيخ محمد الجسر وابراهيم المنذر وخليل مطران وعبد الرحيم قليلات والوزير نجيب أميوني. وقد أقرت كلمات نشيد <كلنا للوطن> في دار فليفل بعد ان لفت الاخوان فليفل نظر اللجنة الى وجود مقطع من المستحسن إزالته لانه <يشتم منه روح التفرقة> ويقول:

33

<ما عرانا انفصال في الملم العصيب /الصليب الهلال والهلال الصليب>

 ووافقت اللجنة بالاجماع على رأي الأخوين فليفل وحذف المقطع بكامله، وعند التصويت فاز لحن وديع صبرا وجاء لحن فليفل ثانياً. وبعد هذا الاختيار خرج الرئيس الشيخ بشارة الخوري وربّت على كتفي الشابين قائلاً: <أعجبت كثيراً بلحنكما، لكن الظروف حتمت علينا وعلى اللجنة اختيار لحن وديع صبرا لثقافته وكبر سنّه وشهرته في البلدان الأوروبية، أنتما ما زلتما شابين والمستقبل أمامكما>.

تحت حراب الانتداب

 وفي سيرة الأخوين فليفل أيضاً انهما تعرضا الى معارك عنيفة من سلطات الانتداب. فبعد وضعهما لحناً يتغنى بالوطن الاكبر طردا من وظيفتهما ثم أعيدا اليها بعد تدخل الشيخ محمد الجسر وجبران التويني والرئيس شارل دباس. فمن مدرسة المقاصد العام 1940 أطلقا نشيد <العلى للعرب> من نظم الشاعر المصري عبد الحميد زيدان الاستاذ المنتدب من مصر لتدريب اللغة العربية في مدارس المقاصد. وبعد ان سمع المفوض السامي النشيد من أبناء المقاصد عدة مرات طلب الحصول على الكلمات وترجمتها بصورة سرية ولما أدرك المضمون استشاط غضباً، فهددت حكومة الانتداب الفرنسي الأخوين فليفل بالكف عن تلحين مثل هذه الأناشيد تحت طائلة النفي الى معتقل المية ومية  في الجنوب ورحّلت الشاعر عبد الحميد زيدان.

المارشات والتشريفات..

66

 

 يقول العميد المتقاعد الدكتور جورج حرو، قائد موسيقى اوركسترا الجيش سابقاً والمؤلف الموسيقي لـ<الافكار>: ان للأخوين فليفل فضلاً كبيراً في المجالين التربوي والعسكري، ولهما تاريخ بالأناشيد وهما اشتهرا بالموسيقى العسكرية وموسيقى التشريفات التي عينا فيها بمرسوم. لقد كتبا كل المارشات الرسمية ومعزوفات للطبول والابواق والثكنات التي حلت محل الالحان الفرنسية وبينها تحية رئيس الجمهورية، تحية العلم، التأهب، تحية رئيس الوزراء، تحية رئيس مجلس النواب، تحية قائد الجيش الخ.. من هذا المنطلق وعلى مدى 30 عاماً امضيتها في خدمة المؤسسة العسكرية وقائداً لموسيقى الفرقة العسكرية فيها تعمقت في موسيقاهما بشكل كبير. وارتكزت أطروحتي <فن الأخوين فليفل> على نتاجهما الرائد، اذ من المفروض إلقاء الضوء عليه خاصة وان المراجع والكتب عنهما نــــــادرة ان لم تكن معدومــــــة، ما شكل أمــــــامي عائقـــــــاً كبيراً في بحثي. اتصـــــلت بأولادهـــــم واستجمعت ما يمكن من المجلات والصحف ومقـــــالات ومقابـــــــلات أجريت معهمـــــــا. وبحثي ليس تاريخياً او يـــــــروي ســـــيرتهما بــــــل هو يدخل الى عمق الأناشيد والموسيقى التي ألفاها.

ثم أضاف:

– أما الميزة التي أدخلها الاخوان فليفل في الموسيقى العسكرية فهي انهما، لبنانياً طبعاً وعربياً ايضاً، كانا أول من أتى بـ<المارش> من الغرب، اي كما كان معروفاً في اوروبا وأميركا وأدخلا عليه التقاسيم الشرقية مشبعين اياه بالروحية والحماسة العربية. بين أبرز أناشيدهما <موطني> الذي اعتمد في أكثر من دولة، و<نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلد> وغيرها. أما من من ناحية العزف، فمن المعروف ان النشيد لا يكون كالسيمفونية بل يجب ان يكون على راية <السهل الممتنع> وهذا ما أبدع فيه الاخوان فليفل.

القسم التقني من <اللحن الثائر> الذي أعده العميد حرو جاء لناحية تحليل وتنسيق وتوثيق ما قدمه الراحلان الرائدان مع تفصيل <النوتات> وشرحها ووضعها من ضمن المعايير الموسيقية العالمية.