19 September,2018

الأحزاب ”اقتحمت“ اللوائح بمرشحيها على حساب العائلات، و”تفاهم معراب“ أمام امتحان صعب في جبل لبنان وزحلة!

 

سعد-و-جعجع

قبل أسبوع من بدء الانتخابات البلدية والاختيارية في محافظات بيروت والبقاع وبعلبك – الهرمل، يبدو المشهد الانتخابي البلدي في مختلف المناطق اللبنانية محكوماً بإرادتين: الأولى تدعو الى إنجاز هذا الاستحقاق، والثانية تفضّل لو يتمّ تأجيل الانتخابات لألف سبب وسبب. إلا أن عدم تلاقي الإرادتين على محصلة واحدة، وعدم تحمّل أي فريق سياسي مسؤولية المناداة علناً بالتأجيل واستطراداً بالتمديد للمجالس البلدية والاختيارية، جعلا الانتخابات حتمية ابتداء من الأحد 8 أيار/ مايو المقبل، إذا لم تطرأ أسباب تدعو الى التأجيل، علماً أن السياسيين باتوا يلتقون على <الترحيب> بإجرائها وإن كانت نسبة الحماسة تتفاوت من قيادي الى آخر.

وبصرف النظر عما سيترتب عن هذه الانتخابات من نتائج، فإن المصادر المتابعة تشير الى أن اتمام الاستحقاق بنجاح سيفرض مطالبة قوية بإجراء الانتخابات النيابية وعدم انتظار أيار/ مايو 2017 موعد انتهاء الولاية الممددة للمجلس النيابي، حتى تدور صناديق الاقتراع على الناخبين طالما أن هذه الصناديق نفسها فُتحت في أقلام الاقتراع نفسها أيضاً ووسط إجراءات أمنية متشابهة ليدلي اللبنانيون بأصواتهم ويختارون من يمثلهم في المجالس البلدية، فلماذا لا يفعلون بالنسبة الى مجلس النواب؟ ولعل الأصوات التي بدأت ترتفع مطالبة بإجراء الانتخابات النيابية بعد البلدية، هي المؤشر الى ان هذا المطلب سيكون طاغياً على الحياة السياسية اللبنانية بحيث يتفوّق على المطالبة بانتخاب رئيس الجمهورية!

والى أن تحمل صناديق الاقتراع نتائج ترسم المشهد السياسي لمرحلة ما بعد الانتخابات البلدية، فإن المصادر المتابعة تسجّل تدخلاً غير مسبوق للاحزاب اللبنانية في تركيبة اللوائح في معظم البلدات والقرى اللبنانية، لاسيما الكبيرة منها، وهو أمر لم يكن يحصل في السابق بهذه القوة والتشدّد، لاسيما في صفوف الاحزاب المسيحية التي أقبلت على الانتخابات وسط واقع جديد فرضه التحالف بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية الذي ألقى بثقله على بلديات عدة في جبل لبنان وبعض الشمال والبقاع، فيما كان تأثيره محدوداً في الجنوب و<واقعياً> في بيروت التي لها خصوصيتها. وهذا الحضور الحزبي في الانتخابات البلدية، إن دلّ على شيء هذه المرة، فهو يدلّ على تراجع العائلات والارتباطات الاهلية والتجمعات <الضيعوية>، باستثناء حالات محدودة اضطرت فيها الأحزاب الى <مراعاة خاطر> العائلات من دون أن تترك لممثليها فرصة التفرّد وتشكيل اللوائح الانتخابية.

 

<المستقبل> والأمر الواقع

 

وفي قراءة متأنية لمواقف الأحزاب حيال الاستحقاق البلدي يتضح أنه على الساحة السنية، سعى الرئيس سعد الحريري في بداية الأمر الى تجنّب المواجهات البلدية بالمطلق وكان من <الدعاة السريين> لتأجيلها تفادياً للإحراجات التي يمكن أن تظهر في عدد من البلدات والقرى، لاسيما الكبرى منها. إلا أنه، ومع الجنوح الى إجراء الانتخابات، عمد تيار <المستقبل> الى طرح صيغة التوافق في البلديات التي شعر أن نسبة حضوره فيها قد تراجعت خلال الأعوام الماضية، كما هو الحال بالنسبة الى طرابلس خصوصاً، وقرى وبلدات الضنية والمنية وعكار عموماً. كذلك طبّق <المستقبل> التوجه نفسه في عدد من بلدات البقاع الغربي وإقليم الخروب، فيما وجد نفسه يواجه في صيدا معركة قاسية بعد تضامن النائب السابق أسامة سعد والرئيس السابق للبلدية الدكتور عبد الرحمن البزري لتشكيل لائحة مدعومة منهما في مواجهة اللائحة التي يدعمها <المستقبل> والرئيس فؤاد السنيورة.

أما في بيروت، فلم يشارك <المستقبل> الأحزاب بل اتجه صوب العائلات البيروتية السنية، واختار الرئيس الحريري أحد أبناء آل عيتاني ليكون رئيساً للائحة التي سيغيب عن شقها المسلم أي ممثل عن حزب الله، في حين ستكون حركة <أمل> ممثلة بعضوين. أما في الشق المسيحي من اللائحة، فتمّ تطبيق التوجه الذي أرسى أسسه الرئيس الشهيد رفيق الحريري في المناصفة (12 – 12). وجيّر <المستقبل> لحليفه الوزير ميشال فرعون مهمة التفاوض مع الأحزاب المسيحية، ولاسيما <القوات> و<التيار> لتتمثل في لائحة توافقية متجانسة بالتنسيق مع أحزاب الكتائب و<الطاشناق> و<الرامغفار> الأرمنيين، من دون إسقاط الحضور الوازن لراعي أبرشية بيروت الأرثوذكسية المطران الياس عودة في اختيار من يمثله، لاسيما في منصب نائب الرئيس. ويتضح أن <المستقبل> أدرك المتغيرات السياسية التي استجدت، وبالتالي <تكيّف> معها ليضمن حضوره في بعض البلدات التي لم يعد دور <التيار الأزرق> فاعلاً فيها كما كان في السابق، فكان خيار التوافق هو الغالب على ما عداه من خيارات، طالما أن تأجيل الانتخابات البلدية لم يعد ممكناً. وثمة من يرى أن معركة بيروت لن تكون <نزهة> بالنسبة الى اللائحة التوافقية، مع بروز لائحتين أخريين تلقيان دعم المجتمع المدني.

 

<الثنائية الشيعية>: راحة وإحراج

 

في المقابل، قرأت <الثنائية الشيعية> الاستحقاق البلدي والاختياري من منظار وازن بين عدم معارضة تأجيلها إذا كانت هناك رغبة في ذلك، وعدم الاعتراض على حصولها في آن واحد، لاسيما وأن تفاهماً حصل بين حركة <أمل> وحزب الله في الجنوب والبقاع على إبقاء القديم على قدمه في غالبية البلدات والقرى ذات الكثافة الشيعية باستثناء بعض التغييرات المحدودة جداً. إلا أن هذا الاتفاق قابلته أصوات من داخل <الثنائية> روّجت لأهمية تأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية في ظل الأجواء الأمنية الضاغطة حول لبنان، وخصوصاً في سوريا حيث يشارك حزب الله بالقتال الى جانب النظام السوري ويدفع بأعداد كبيرة من المقاتلين لدحر التنظيمات الإرهابية.

ويقول أصحاب هذه الأصوات أنه من الأنسب إجراء الانتخابات بعد ظهور تباشير الحلول  المرسومة للمنطقة وعودة مقاتلي حزب الله من الأماكن التي يخوضون فيها حروباً في سوريا والعراق. إلا أن رياح الانتخابات لم تجرِ كما كانت تشتهي سفن دعاة التأجيل، فكان لا بد لـ<الثنائية الشيعية> أن تؤكد جهوزيتها، علماً أن الرئيس نبيه بري بقي <حتى آخر دقيقة> من دون موقف معلن، الى أن <طحش> الأسبوع الماضي في خيار إجرائها مطلقاً – كما هو العادة – مواقف <حاسمة> من أن الانتخابات حاصلة في مواعيدها <ولم يفاتحني أحد بمسألة تأجيلها>. وذهب بري الى حد رفع <لاءات حاسمة>: لا تأجيل، لا إلغاء، لا تمديد! لكن <راحة الثنائية> في الجنوب والبقاع يقابلها <إحراج> في بعض الجبل وزحلة نتيجة التحالفات المستجدة.

جنبلاط… ومصالحة الجبل

 

وحده النائب وليد جنبلاط لم يكن <متحمساً> لإجراء الانتخابات البلدية والاختيارية، لكنه لم يقم بأي جهد معلن لتأجيلها، على رغم أنه وصفها بأنها <مصيبة حلّت علينا>. إلا أن مسار الاستحقاق البلدي أخذ طريقه على نحو لم يتمكن جنبلاط من تغييره بسهولة، ما دفعه في الربع الساعة الأخير الى الإعلان أنه <زاهد> وراغب في الاستقالة من النيابة، فكيف له أن يدخل في <صغائر> الاستحقاق البلدي؟ إلا أنه مع ذلك وضع معايير وثوابت اختصرها بـ<خارطة طريق> أبلغها الى نواب اللقاء الديموقراطي وقادة الحزب تقوم على إعطاء الأولوية للتوافق والحرية للناخبين، ولتجنّب أشكال الصدام أو الاشتباك السياسي، وحماية المصالحة المسيحية – الدرزية في الجبل التي تمّت في العام 2001 برعاية البطريرك الماروني السابق مار نصر الله بطرس صفير، مع المحافظة على <خصوصية> القرى المختلطة بين المسيحيين والدروز خصوصاً، في ما يتعلق بمبدأ المداورة في رئاسة المجالس البلدية. وفي ترجمة عملية لتوجيهات جنبلاط، كانت هناك اجتماعات تنسيقية مع النائب طلال ارسلان والحزب السوري القومي الاجتماعي والنائب السابق فيصل الداوود في ما خص القرى الدرزية في البقاع الغربي وراشيا. أما في ما خص قرى وبلدات إقليم الخروب في قضاء الشوف، فإن التنسيق مع تيار <المستقبل> و<الجماعة الإسلامية> حصل في بلدات وتعثر في أخرى. أما مع الأحزاب المسيحية فإن الاجتماعات المشتركة لا تزال في بدايتها، وإن كان جنبلاط لا يريد أن يتدخل كما كان يفعل في السابق، وهو ترك للنائب ايلي عون مهمة درس وضع بلدية الدامور، وللنائب نعمة طعمة مهمة متابعة البلدات المسيحية في اقليم الخروب مثل الدبية وجوارها. ولا يخفي جنبلاط <انزعاجه> من <طحشة> مناصري التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية في بعض القرى مثل دير القمر وبيت الدين وغيرهما.

وقع <لقاء معراب> على

الشارع المسيحي

عبد-الرحمن-البرزي

أما في الشارع المسيحي، فإن ردود الفعل الحقيقية تتفاوت بعيداً عما يصدر عن بعض قياديي هذا الشارع بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية من جهة، وحزب الكتائب وتيار <المردة> و<المستقلين> المسيحيين من جهة ثانية، فالفريق الأول (<التيار> و<القوات>) أبدى حماسة قلّ نظيرها لإجراء الانتخابات البلدية في موعدها الدستوري وبرزت لوائح مشتركة في القرى والبلدات ذات الغالبية المسيحية ابتداء من الجنوب وصولاً الى الشمال مروراً بالجبل والبقاع وبيروت، لاسيما وأن هذا الاستحقاق سيكون الاختبار الأول لعمق التفاهم بين <الثنائية المسيحية> و<بروفا> عملية للاستحقاق النيابي. وثمة معلومات تشير الى ان هذه النقطة بالذات، باتت <محسومة> لدى زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع منذ ما قبل <لقاء معراب>، وأن البحث في التفاصيل وصل الى نهايته لجهة تركيبة المجالس البلدية في عدد من القرى والبلدات حيث نفوذ <العونيين> و<القواتيين> متعادل، باستثناء بلدات وقرى لها خصوصيتها في بعض الأقضية. ويتحدث مطلعون على التفاهم العوني – القواتي عن <واقع جديد> ستفرزه الانتخابات البلدية على صعيد التمثيل الشعبي ما سيكرّس حضور <الثنائية المسيحية> في المجالس البلدية والهيئات الاختيارية، على رغم التعثر الذي أصاب التحالف في بعض البلدات في جبل لبنان.

وهذا <الحضور> هو الذي يقلق حزب الكتائب و<المستقلين> وتيار <المردة> لاسيما في البلدات التي يتوزع فيها نفوذ الأفرقاء الثلاثة، ما يجعل التحالف في ما بين الكتائب و<المردة> و<المستقلين> من بديهيات المعركة البلدية والاختيارية بعد ترجمة <لقاء معراب> تحالفات بين <التيار> و<القوات>. بكلام آخر، فإن عملية خلط الأوراق في التحالفات بين الأحزاب المسيحية ستكون المحصلة الطبيعية للواقع السياسي الراهن، وإن كان ثمة من يعتقد بأن للنفوذ العائلي والصداقات والمفاعيل الخدماتية، تأثيرات في الانتخابات البلدية لا يمكن تجاهلها أو التقليل من أهميتها، وهي فرضت نفسها على كل الأحزاب المسيحية في أكثر من بلدية. وبديهي والحالة هذه، ألا يكون لظاهرة 14 آذار أي تأثير في الاستحقاق البلدي بعدما بات التحالف بين هذه القوى – أو يكاد – أثراً بعد عين.

أما بالنسبة الى الأحزاب الأرمنية، فلا مشكلة لديها إذ تم نسج تحالفات متنوعة في المتن وزحلة مع التيار الوطني الحر والنائب ميشال المر. فيما تشارك الأحزاب الأرمنية الثلاثة في لائحة بيروت التي يتوقع ان تتبلور صورتها خلال الأسبوع الجاري.

وفي المحصلة، باتت الأحزاب المسيحية والإسلامية على حد سواء في قلب المعارك البلدية في القرى والبلدات اللبنانية، على عكس ما كانت عليه في الانتخابات البلدية التي سبقت، وأدى ذلك لاستدراجها الى صراعات عائلية صغيرة وداخل الأحياء والزواريب، من دون تقديم برامج وأفكار تنافسية لمشاريع إنمائية. كذلك <اقتحمت> الخلافات عمق الأحزاب بدليل أن ثمة حزبيين <تمردوا> على قرارات أحزابهم واختاروا مرشحين مقربين منهم ولم يتقيدوا بإرادة الحزب وخياراته، ما أوقع خلافات في صفوف <الرفاق> في الحزب الواحد، وهو ما عانى منه خصوصاً التيار الوطني الحر في أكثر من بلدة على رغم الانذارات التي وُجهت الى المحازبين. أما القوات اللبنانية، فأصابها هذا <المرض> بالنسبة الى الانتخابات في بشري حيث كان على القيادة القواتية أن توفق بين <قواتيين> تواجهوا في ما بينهم.