26 September,2018

«الآدمــــــــــــــــــــــــــي»  

بقلم سعيد غريب

elyass-skaffانقطع الهواء قبل أن يطفئ شمعاته السبع والستين، لأن رئتيه لم تتآلفا مع تغيّر هواء <جارة الوادي>..

رحل البيك تاركاً ولدين ملزمين بأن يكبرا بسرعةِ هدير نهر البردوني، وزوجة ملزمة بحمل زحلة على كتفيها، والتزاماً بما أوصى به ابن جوزيف طعمة سكاف: <نحن لسنا محسوبين على أحد، نحن محسوبون على زحلة والبقاع ولبنان>..

رحل البيك، ربه شوق ملح ّ لأن يرى وجه الشمس برّاقة على السهل الكبير وسلسلتي جبال لبنان.

يغيب الياس سكاف كما غاب ريمون إده، غير مرتكب، غير راشٍ، غير مرتشٍ، خاسراً مساحات من أرض الآباء لأن وحدها الكرامة غالية.

ريمون إده باع ما ورثه من سهول في البقاع ليعيش في باريس من ماله، والياس سكاف رهن سهولاً لكي يعيش بكرامته.

في السياسة حاول الياس سكاف إبعاد كأس الأحزاب عن عاصمة الكثلكة، فتغلّبت عليه باسم الكرامة الوطنية، كما تغلّبت على والده لما اخترقت المدينة وتغلغلت في وجدانها ووقفت في وجه من حاول اختراقها وقصفها…

في زمن الحرب، يجلس الزعماء <الأوادم> مع عامة الشعب، وفي زمن التسويات يجالسون الزعماء الجدد، وفي زمن السلم يتحسرون على الزمن الجميل ويستردون شيئاً من العزّ والكثير من الوقار والاحترام، فقط لأن البدائل لم تشفِ الغليل ولم تقنع العقلاء ولم تقدّم ما يلغي قديماً..

صحيح أن الإرث السياسي علّة من علل لبنان، ولكن البديل جاء أشدّ إيلاماً وظلماً.

صحيح أن الاقطاع أساس للثورات ولكن الثورات تأكل أبناءها، ولا تنتج إلا إقطاعات جديدة وأحياناً أكثر خطورة.

هل هذا يعني أن يبقى لبنان رمزاً للإقطاع وقلعة صامدة في وجه التغيير والديموقراطية؟

يمكن للبنان أن يخرج من النفق القديم شريطة ألا يدخل الى نفقٍ جديد يجعل الناس تلجأ من جديد الى نفقها القديم.

وكما ان الناس في العالم تتوق في خلفيتها وداخلها الى ديموقراطية واعية، كذلك فإن الناس في لبنان تتوق الى <أوادم> وشرفاء ولو كانوا من الطبقة التقليدية.

التقيت ايلي سكاف صدفة قبل حوالى ثلاثة أشهر. كان يرتدي ملابس رياضية، والبسمة كما دائماً لا تفارق عينيه، ووجنتاه تحملان كما في الصغر براءة الاطفال.. سألته عن صحته، فأجاب: <الحمد لله.. أحسن>.. ودّعته وفي داخلي إعجاب بقدرة هذا الرجل على الوقوف شامخاً رغم المرض، وحزنٌ عميق لأنني ربما لن ألتقيه من جديد.

عرفته منذ سنوات، رجلاً ملأ الفرح قلبه، ملأه بمحبيه ومؤيديه وبصغيريه، جوزيف رفيق ابني الصغير في مدرسة الجمهور، وجبران القيمة المضافة، وبزوجته ميريام طوق التي طوّقت عائلتها بدفئها وحنانها..

والسؤال الذي يكبر اليوم: <هل المستقبل هو في استمرار العائلات السياسية أم لأسماء أفرزتها الحرب اللبنانية في غياب الخيار الثالث؟

<اتفاق عون – جعجع إيجابي ويمكن التأسيس عليه في حال خلصت النيات>،

<دوري رد الاعتبار الى زحلة>، عبارتان تختصران هاجسين لدى الياس سكاف حملهما معه الى دنيا الحق.

عن لقاء عون – جعجع، حذّر سكاف من خيبة أمل جديدة وإحباط نهائي في حال كان هذا اللقاء صورياً أو مرحلياً، متمنياً أن يذهب الرجلان بإعلان النيات حتى النهاية وتحويله الى اتفاق نهائي في ظل ما نخشاه من مشاريع لتغيير النظام.

<إن التاريخ – قال سكاف – شهد على الكثير من حالات انقلاب الشعوب على أنظمتها، ولكنه لم يشهد قطعاً على انقلاب الأنظمة على شعوبها كما هو حاصل في لبنان حيث أصبح النظام طائفياً بامتياز يتحكم بمستقبل البلاد والعباد بدل أن يكون الدستور هو المقرر والحاكم المطلق>..

كان الياس سكاف وجهاً مشرقاً، ورقة بيضاء تستطيع أن تكتب عليها ما تشاء لمجرد أن يرتاح اليك، كما كان يستطيع أن يكتب هو على هذه الصفحة البيضاء كل ما في قلبه الأبيض.

قصة بيت سكاف مثل قصة لبنان، غابوا وهم يحلمون بشمس السلام تُشرق على لبنان.

الياس سكاف عملة نادرة من السياسيين، كان يعرف حدود زحلة وحدوده ويقف عندهما.

كان يعرف أن اللعبة في زحلة قد تغيّرت وصمّم على تغيير قواعدها بالوقوف في الوسط.

الياس سكاف نقول لك إن <الأوادم> يرحلون ويأخذون لبنان معهم.

الياس سكاف نقول لك في هذا الزمن الرديء: <رحمنا الله وأطال عمرك>.