24 September,2018

اقتصاد المستقبل يبدأ من نجاح الإدارة المجتمعية!  

بقلم خالد عوض

سلام-1--1

الخطوات التقشفية التي اقرها مجلس الوزراء السعودي منذ أيام تأتي في سياق وعي مالي واقتصادي متزايد في المملكة ليس فقط بالنسبة لانخفاض اسعار النفط بل أيضاً في ما يتعلق بانتفاخ النفقات الحكومية ونسبتها المرتفعة من الموازنة. إلى جانب خفض مرتبات الوزراء عشرين بالمئة وأعضاء مجلس الشورى ١٥ بالمئة، اقرت الحكومة السعودية عدة تخفيضات في بدلات النقل والسفر والسكن والاجازات لموظفي القطاع العام. صحيح أن التخفيضات المعلنة لم تتطرق إلى إنفاق العائلة المالكة ولكن من المؤكد أن إجراءات شبيهة ستطبق هناك أيضاً ولو ظلت بعيدة عن الإعلام. ومن المؤكد أن هذه الاجراءت لن تكون الأخيرة. فالدعم الحالي للمنتجات النفطية والمياه والكهرباء والذي بوشر بتخفيضه لا يمكن أن يستمر بهذا المستوى ومن المتوقع الاستمرار بتخفيفه. السعودية تعصر النفقات تحسبا لمدة طويلة من تراجع اسعار النفط، ولكن أيضا من اجل تأسيس قاعدة حكومية مختلفة عن السابق تساهم في الوصول إلى رؤية ٢٠٣٠ وليس إلى عرقلتها.

الإجراءات السعودية تطرح السؤال الكبير: ما هو دور الحكومات في المستقبل؟ وما هو السقف الصحيح لنسبة كلفتها من الموازنة؟ هل هي فقط صاحب العمل الأكبر لتوظيف مواطنيها؟ أم هي مجرد منسق بين دوائر لامركزية تحتاج الى ضابط مركزي؟

رياح اللامركزية تجتاح العالم، من الولايات المتحدة إلى الصين. كل شيء يتغير بسرعة إلا الحكومات، تزيد انتفاخاً وبيروقراطية. الحلول اليومية تستنبطها المجتمعات والبلديات والدوائر اللامركزية لأن الوقت الذي تستغرقه الحكومات لخدمة الناس لم يعد مقبولا ولا منطقيا. في عصر الهواتف الذكية لا يمكن الصبر على الحكومات الغبية أو بطء الذين توظفهم. أحد اسباب الغرابة في أداء الاقتصاد الأميركي هذه الأيام هو عدد الوظائف التي يخلقها الاقتصاد كل شهر من دون تسجيل نمو اقتصادي يذكر، فالحركة الاقتصادية هي هي ولكن البطالة انحسرت. الخبراء الاقتصاديون احتاروا في هذا، إلى أن بدأ يتبين أن المجتمعات تسير نفسها بنفسها، وأن الناس في هذه المناطق تنخرط في أعمال ووظائف محلية ولا تنتظر الشركات الكبيرة أو الحكومة لتخلق لها الفرص. النمو الاقتصادي لم يعد مهما عندما يتبين أن مستويات الفقر تتراجع والفروقات الطبقية تضيق بفعل الحركة الاقتصادية المناطقية في الولايات المتحدة. النمو مقياس اقتصادي ومالي مهم ولكنه ليس المقياس الاجتماعي الأنسب. النظام الرأسمالي يلبس حلة جديدة اليوم اسمها <الحركة المناطقية أو الاجتماعية> التي يمكن أن تتعاطى في التربية والتعليم والإدارة المحلية وحتى محمد-بن-سلمان----2البنية التحتية.

أفضل إثبات على هذا التحول هو مسألة النفايات في لبنان. ليس الفساد وحده سبب المشكلة أو حتى الخلافات السياسية. الحلول لا يمكن بعد اليوم أن تفرض على المناطق بل يجب أن تنبع من عندها. الموافقة المناطقية على أي حل حكومي أصبحت شرطاً أساسياً للسير به. نرى ذلك في عدة وجوه، فحتى مشاريع البنية التحتية المطروحة في جونية وجل الديب كان يجب أن تمر أولا من البلديات. الاقتصاد في الضاحية الجنوبية لبيروت شبه مستقل عن الدولة، بغض النظر عن الاسباب السياسية التي أدت إلى ذلك، ولكن في هذا المثل وجوه كثيرة صالحة لأن تعمم في إطار شرعي منظم على مناطق أخرى في لبنان، والحبل في ذلك على الجرار.

 حتى العراق يمر في التحول نفسه، إذ أن الحكومة المركزية هناك عاجزة عن فرض الحلول.

ولى زمن القرار المركزي الفوقي، وولى معه زمن الاعتماد على الحكومة لخلق الوظائف. دور الحكومات سينحصر في التخطيط العام والدفاع والأمن الوطني والصحة والعلاقات الدبلوماسية والقضايا التجارية العامة مثل الجمارك. الأهم من دورها في المستقبل هو حجمها، فمقياس نجاح الدولة هو قدرتها على تخفيض نسبة الإنفاق الحكومي العام من الناتج المحلي، والدولة الفاشلة ليست فقط تلك الرازحة في الفوضى والعجز الإداري بل هي أيضاً تلك المنتفخة بالموظفين.

التجربة السعودية تستحق المراقبة، فالمملكة تعاني من تراجع حاد في المداخيل جراء مصاريف حرب اليمن وتبعاتها، ولكنها تريد تحويل ذلك إلى فرصة للتغيير الإيجابي من خلال رؤية ٢٠٣٠. لو لم تهبط اسعار النفط ربما لما كان هذا التغيير ملحاً، ولكنه اليوم جدي وحقيقي، عنوانه تحويل الأزمة إلى فرصة من خلال الترشيد والتغيير الداخلي. العبرة ستكون في التطبيق، فإذا نجح تكون السعودية رسمت طريقاً اقتصادياً جديداً ليس فقط للخليج بل للعالم العربي كله.