24 September,2018

اقتصادا الصين والولايات المتحدة يحدّدان مشهد المنطقة عام ٢٠١٦!

 

بقلم خالد عوض

Barack-Obama1 الكلام عن توقعات مستقبلية في الشأن الاقتصادي، بل أي شأن أصبح مادة هزيلة حتى في الاستهلاك الإعلامي. ولذلك فكل التحليلات المستقبلية عن هذا البلد أو هذا السياسي أو هذا الاقتصاد مدعاة للتسلية لا أكثر ولا أقل. ولكن المهم في النظر إلى المستقبل الاقتصادي للعالم والمنطقة هو التركيز على ما يسمى نقاط المراقبة أو نواح محددة يمكن أن تؤشر الى اتجاهات اقتصادية وحتى سياسية معينة. <إنه الاقتصاد، يا غبي> هي العبارة التي اختصرت عام ١٩٩٢ هزيمة <جورج بوش> الأب، الرئيس الذي ربح حرب الخليج الأولى والمحنّك في كل جوانب الإدارة الأميركية أمام المرشح الديموقراطي ضعيف الخبرة السياسية <بيل كلينتون>.

المنطق نفسه ينطبق اليوم على العالم كله وليس فقط على الولايات المتحدة. الأرقام الاقتصادية ستحدد وجهة العالم عام ٢٠١٦ وليس الحروب أو المواقف السياسية.

هناك ثلاثة محاور اقتصادية أساسية سترسم إلى حد كبير شكل العالم في العام الجديد.

البداية من أكبر اقتصاد في العالم أي الولايات المتحدة التي ستشهد انتخاب رئيس جديد. الكل يجزم أن <هيلاري كلينتون> ستصبح أول امرأة أميركية ترئس الولايات المتحدة لأنها ستواجه خصماً جمهورياً (بغض النظر عمن يكون) ضعيفاً كما أنها ستستفيد من أرقام اقتصادية إيجابية تظهر أن الولايات المتحدة خرجت من الأزمة الاقتصادية. فالبطالة أقل من ٥ بالمئة والنمو أعلى من ٢ بالمئة والفوائد عادت إلى الارتفاع بعد أكثر من ٧ سنوات في مستوى الصفر، مما يؤشر إلى استعادة الاقتصاد الأميركي لاندفاعه. ولكن ماذا إذا تبين أن النمو الاقتصادي الأميركي لن يتمكن من الاستمرار فوق حاجز الإثنين بالمئة طويلا؟ وأن الاستمرار في رفع الفوائد غير ممكن بل سيسبب تراجعاً في الاقتصاد؟ ساعتئذٍ يمكن أن تنقلب الصورة الاقتصادية، وبالتالي الانتخابية تماماً ويصبح الطريق إلى البيت الأبيض معبداً أمام أي مرشح جمهوري سيفوز بأصوات حزبه حتى لو كان هذا الشخص هو <دونالد ترامب>. وإذا أصبح <ترامب> رئيساً، سيكون العالم مختلفاً عن عالم تكون فيه السيدة <كلينتون> في البيت الأبيض. الكلام عن عدم استدامة النمو الاقتصادي الأميركي ليس نظرة سوداوية بقدر ما هو استنتاجات لكثير من المحللين الاقتصاديين الذين يعتبرون أن مقومات النمو المستدام في ظل حجم الدين الأميركي غير متوافرة وأن إمكانية ضخ مزيد من النقد لدعم الاقتصاد، أي إعادة تعويم سياسة التخفيف الكمي، ما زالت قائمة.

المحور المهم الآخر الذي يجب مراقبته عن كثب عام ٢٠١٦ هو الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فتراجع العملة الصينية خلال الأشهر الماضية ليس صدفة. وتشير الأرقام الصادرة عن الصين، في حال كانت دقيقة، إلى أن الاقتصاد الصيني يعاني من تراجع مستمر في النمو الذي انخفض إلى أقل من 65 بالمئة. فالطلب الداخلي، الذي يعتمد كثيرا على القطاع العقاري، لا ينمو كما كان متوقعاً. كما أن ديون المصارف وصلت إلى مستوى مرتفع جدا وإذا استمرت في النمو لتحفيز الطلب الداخلي فيمكن أن نشهد <فقاعة> مالية شبيهة بالتي حدثت في الغرب عام ٢٠٠٨. كل هذا ليس من باب التشاؤم بل هو إضاءة على خطر انفجار xi-jinping<الفقاعة> الاقتصادية الصينية. ومن المعروف أن اقتصاد روسيا يتنفس من الرئة الصينية، وأي هزة في الاقتصاد الصيني ستكون لها انعكاسات جيو – سياسية في العالم كله.

وهنا نصل إلى المحور المهم الآخر وهو روسيا. يمكن للرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> أن يفعل الكثير سياسياً وعسكرياً في أوكرانيا وسوريا، ولكنه في ظل انخفاض أسعار النفط سيواجه سنة جديدة من الكساد الاقتصادي. ومع استمرار هبوط <الروبل> وشح الاستثمارات الخاصة لن يصفق الكثيرون في روسيا لإنجازات <قيصرهم> في <إدلب> أو <دونيتسك>. ومع صدور الميزانية السعودية منذ أيام، يتبين أن المملكة تتحضر لفترة طويلة من أسعار نفط منخفضة، وهذا ما لا يمكن للرئيس الروسي أن يتحمله بأي حال من الأحوال مهما اشتدت عزيمته العسكرية.

عام ٢٠١٦ هو عام الترقب الاقتصادي. فمن خلال الإتجاهات التي ستسلكها الاقتصادات الأميركية والصينية والروسية يمكن قراءة الأحداث السياسية. ومن المعروف أن إنسداد الآفاق الاقتصادية يزيد من احتمالات الحروب الواسعة، فيما انفراج الاقتصاد يعزز التسويات. فعسى أن يكون عام ٢٠١٦ عام صمود النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة فوق ٢ بالمئة، ونجاح الصين في المحافظة على معدل نمو أعلى من ٦ بالمئة، لأن البديل عن ذلك هو ما لا يتمناه أي شخص في أي بقعة من المعمورة وخاصة في الشرق الأوسط.