12 November,2018

اقتراح باسيل إقامة سفارة للبنان في القدس الشرقية جمده اعتراض ”الوزراء الحلفاء“ والقرارات الدولية!

عون-وباسيل-في-القمةعندما طرح وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل على مجلس الوزراء فكرة إنشاء سفارة للبنان في دولة فلسطين يكون مركزها في القدس الشرقية، كان يدرك أن إمكانية فتح سفارة والقدس تحت الاحتلال لن تتحقق في المدى المنظور وإذا لم تتحرر القدس أو تُدوّل، إلا أنه أراد من خلال هذا الطرح الذهاب بعيداً في إعلان لبنان تضامنه مع القدس وفلسطين وشعبها في الوقت الذي طرح فيه الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> إعلان القدس عاصمة لإسرائيل. وإلى التضامن مع القدس، أراد الوزير باسيل أن يعلن لبنان موقفاً سياسياً بامتياز ورداً نوعياً على الخطوة الأميركية، لاسيّما وأن القرار الأميركي لم يلق أي تجاوب أو ترحيب، إلا من المسؤولين الإسرائيليين بالطبع، علماً أن أصواتاً عدة انطلقت في الولايات المتحدة الأميركية تنتقد قرار رئيسها.

والوزير باسيل لم يكن يتوقع أن تكون ردود فعل الوزراء الحلفاء سلبية، أو على الأقل غير متجاوبة عملياً مع طرحه، وإن كان يدرك أن خطوة كهذه تعطي لبنان قيمة مضافة لجهة تمسكه بالقضية الفلسطينية ودفاعه عنها وهو الذي يستضيف على أرضه نحو 400 ألف فلسطيني. وتقول مصادر متابعة إن طرح الوزير باسيل لم يأت من فراغ، ذلك أنه خلال القمة الإسلامية الطارئة التي انعقدت في اسطنبول خطرت على بال وزير الخارجية فكرة إقامة سفارة للبنان في القدس ولقيت تجاوباً من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي ترأس وفد لبنان إلى القمة. وعندما التقى الرئيس عون الرئيس الفلسطيني محمود عباس على هامش أعمال القمة بحضور الوزير باسيل، طرح وزير الخارجية الفكرة على الرئيس الفلسطيني متمنياً تأمين قطعة أرض في القدس تنشأ عليها السفارة اللبنانية العتيدة، على أن يقدم لبنان قطعة أرض لإنشاء السفارة الفلسطينية في الأراضي اللبنانية عموماً أو في العاصمة بيروت خصوصاً. وبدا – وفقاً للمصادر نفسها – أن الرئيس <أبو مازن> فوجىء بالطرح الباسيلي وتطلب الأمر دقائق قليلة حتى لاحظ جدية الاقتراح اللبناني، فسارع بالإيعاز إلى أحد معاونيه، وهو مدير المخابرات الفلسطينية الذي كان حاضراً الاجتماع، للمباشرة في معرفة ما إذا كانت قطعة الأرض متوافرة ليبنى على الشيء مقتضاه، علماً أن رمزية القرار اللبناني وتجاوب الجانب الفلسطيني يؤديان عملياً إلى تسليط الضوء على احتمال أن تحذو دول أخرى حذو لبنان، فتكبر كرة الثلج ما قد يضطر الولايات المتحدة الأميركية إلى إعادة النظر بقرارها الذي هو فعلياً قرار رئيسها لأن الإدارة الأميركية الممثلة بوزارة الخارجية ليست في توجه ترامب نفسه.

ردود فعل غير مشجعة!

وإذا كان اللقاء في اسطنبول مع الرئيس الفلسطيني انفض على أساس أن فريق عمل الرئيس عباس سوف يباشر البحث عن أرض تملكها دولة فلسطين، وفور العثور عليها وتحديد مساحتها يتم إبلاغ الجانب اللبناني بالحصيلة، فإن تداعياته اللبنانية لم تكن سهلة لأن بعض من انتقد الاقتراح الباسيلي أراد أن يستهدف الوزير سياسياً، علماً أنه لم يخالف القوانين والأنظمة المرعية الإجراء في طرحه الاقتراح وفقاً للأصول على مجلس الوزراء. وفي هذا السياق، تقول مصادر وزارية إن النقاش حول اقتراح الوزير باسيل حوّل مجلس الوزراء من <جبهة مسالمة> إلى <جبهة رفض> فتتالت المواقف محذرة من ردود الفعل على هذه الخطوة لاسيّما من الجانب الأميركي، وما يمكن أن تفعله الدول الأوروبية في هذا الصدد، على رغم أنها عارضت القرار الأميركي وطالبت باعتباره غير موجود وباطلاً.

وتضيف المصادر الوزارية أن الوزير باسيل الذي أسهب في شرح فكرته أمام الوزراء والتي اعتبرها استكمالاً لقرار قيام علاقات دبلوماسية بين لبنان ودولة فلسطين، لاحظ أن طرحه لم يجد صدى إيجابياً عند بعض الوزراء الحلفاء، خصوصاً عندما تحدث عن <القدس الشرقية> في وقت يصر الفلسطينيون على وحدة التراب الفلسطيني. وتنوعت ردود الفعل الوزارية بين متخوف من أن يفسر القرار اللبناني بأنه تحدٍ للقرار الأميركي الرئاسي، وبين من يرى استحالة الاعتراف بتقسيم فلسطين بين شرقية وغربية، وبين من استنكر موقفه الرافض للمبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت في العام 2001 والتي تشير إلى ضرورة قيام دولتين، وهو القرار الذي استغرق وقتاً طويلاً لإقراره وكاد أن يهدد الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. واللافت أن الوزراء حسين الحاج حسن وعلي قانصوه ومحمد فنيش كانوا صريحين لجهة دعوة الوزير باسيل إلى إعادة النظر في اقتراحه واستيضاح المزيد حول الملابسات المتعلقة بالقرار الأميركي وردود الفعل عليه. وكما <تريث> الرئيس سعد الحريري في المضي باستقالته، هكذا انسحب التريث أيضاً على مجلس الوزراء وحتى على الوزير باسيل نفسه حيث ذكّر الوزراء أن ما طالب به هو رفع الموضوع إلى مجلس الوزراء لاتخاذ الإجراءات المناسبة لتطبيق قرار مجلس الوزراء الرقم 2 تاريخ 27/11/2008 الذي وافق فيه مجلس الوزراء على إنشاء علاقات ديبلوماسية مع دولة فلسطين ودرس <إمكانية> التبادل مع الجانب الفلسطيني لتأمين أرض في بيروت والقدس بغية إنشاء سفارة للبنان في القدس، لافتاً أن إنشاء هذه السفارة لن يكون في الغد.

 

لا خيارات كثيرة أمام اللجنة الوزارية

إلا أن إيضاحات الوزير باسيل لم تمنع استمرار عدد من الوزراء في إبداء ملاحظاتهم حول الفكرة والتي لم تكن مشجعة كما يجب لاعتبارات متنوعة، ما دفع بالرئيس الحريري إلى تبني فكرة تشكيل لجنة وزارية برئاسته مهمتها درس السبل الآيلة إلى معالجة ما استجد بعد الإعلان الأميركي أن القدس هي عاصمة لإسرائيل. وعلى رغم أنه لن تكون أمام اللجنة الوزارية خيارات كثيرة لأن مواقف الأطراف معروفة وواضحة، فإن الوزير باسيل أصرّ أمام معاونيه بعيد الجلسة أنه أراد من خلال الطرح الذي قدمه المشاركة في الخطوة الردعية التي يمكن للبنان يقوم بها من ضمن المجموعات السياسية التي ينتمي إليها، ولأجل ذلك، فإنه لا يعتبر أن اقتراحه <سقط> تلقائياً أو تم <إسقاطه>، بل يمكن العودة إليه عندما تستوجب الأوضاع فيتراجع منسوب المزايدات ويصبح بالإمكان مناقشة المسألة بموضوعية.

وفيما بدا أن الطرح الباسيلي دخل في مرحلة انتظار اللامرتقب، لفتت مصادر قانونية <الأفكار> إلى أن اقتراح باسيل يخالف القانون الدولي وإن كان قصد الوزير باسيل سليماً ويندرج في إطار استشراف المرحلة المقبلة التي لا تزال غامضة والتأكيد على عروبة القدس، وقالت هذه المصادر إن أي مشروع لنقل أي سفارة إلى القدس مخالف لقرارات مجلس الأمن الدولي، لأن القدس الشرقية تعتبر من الأراضي المحتلة ونقل أي سفارة إليها يعتبر مخالفة <لاتفاق جنيف الرابع> الذي وقع عليه لبنان والذي ينص على عدم السماح لأي قوة بالتصرف بالأراضي المحتلة. كذلك يناقض الطرح اللبناني قراري مجلس الأمن 476 و478 الصادرين في العام 1980 واللذين يطالبان بعدم إقامة أي من السفارات الغربية في القدس الشرقية، وقد طلب مجلس الأمن بوضوح من الدول ضرورة سحب السفارات منها.

وثمة من تساءل أيضاً كيف يمكن للبنان أن ينشىء سفارة في القدس من دون موافقة إسرائيل التي تحتل المدينة المقدسة، وبالتالي لا تملك السلطة الفلسطينية أي قدرة عملية على إدارة أراضي القدس من دون الرجوع إلى بلديتها التابعة للسلطات الإسرائيلية.

في أي حال، اقتراح وزير الخارجية حرّك ركوداً في ردود الفعل على القرار الأميركي وجعل السقف عالياً من دون أن يعني ذلك أن تحقيق الاقتراح اللبناني يمكن أن يرد في المدى المنظور، لكن مجرد تناوله في وسائل الإعلام كما حصل بعد الإعلان عنه وصدور ردود فعل منتقدة أو مؤيدة لا فرق، يبقي هذا الملف حياً في العقول والقلوب بحيث لا يكون مصيره مثل غيره من الملفات التي باتت تضج بها رفوف الخزائن وذاكرة الحواسيب الالكترونية!