19 November,2018

افتضاح جبلة الطين لـ”بان كي مون“ في مؤامرة التوطين!

 

بقلم وليد عوض

mikati merkel  

السفير، أي سفير، هو عادة الممثل الشخصي للملك أو الرئيس، وإن كان على مستوى كل الوطن. والسفير السعودي علي عواض عسيري وهو يجمع في عشاء واحد أركان السياسة في لبنان، إنما كان يفعل ذلك باسم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وينطق بروحيته مطالباً أهل العشاء: <أن يقوم كل واحد منكم بخطوة نحو الآخر من دون انتظار من سيكون البادئ>.

وأفضل ما ينطبق على عشاء السفير عسيري تحت قبة فيلاه في اليرزة كان قول الشاعر <وقد يجمع الله الشتيتين بعدما/ يظنان كل الظن أن لا تلاقيا>. وقد جمع علي عواض عسيري الرئيس سعد الحريري والعماد ميشال عون بعد فترة انقطاع في العلاقات، كما جمع رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع وطوني سليمان فرنجية بعد جدران من التباعد والجفاء بين القوات اللبنانية وتيار <المردة>.

وفي رأي النائب مروان حمادة رئيس لجنة البيئة البرلمانية، وهو الشاهد على العشاء بعقل سياسي واعلامي، ان السفير السعودي وهو يجمع وجوه لبنان السياسية الأربعة والخمسين، قد هدم كل الجدران التي كانت تباعد بين أهل السياسة في لبنان، وتعكس هذا الجفاء على المجلس النيابي بحيث يستحيل كل نصاب برلماني. وهدم هذه الجدران وصفه مروان حمادة بالمشهد السيريالي.

وان يكن الوزير السابق والمرشح الرئاسي المكتوم جان عبيد قد احتجب عن هذا العشاء لظرف طارئ فقد رأى في خطبة السفير عسيري من بابها الى محرابها تعبيراً عاطفياً عاقلاً حريصاً على محبة لبنان وقياداته ومصلحته ودعوة الى الحرص والصدق والحدب على هذا الوطن الحبيب وعلى من يسوس أموره ويدير شؤونه..

ولأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فقد ركز السفير السعودي في خطابه على أولوية انقاذ لبنان والبيئة الحاضنة للديموقراطية <لأن الوقت يمر، والأخطاء تزداد والحرائق لا تزال تندلع وتتمدد من حوله>. وبهذه الرؤية تمنى أن يكون للبنان رئيس عتيد قبل حلول عيد الفطر في مطلع تموز (يوليو) المقبل.

تلكم هي رغبة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وأهل المملكة الذين يعتبرون لبنان وطناً غالياً عليهم. ولئن كانت العلاقات بين البلدين قد اضطربت لفترة من الوقت بسبب مواقف حزب الله والخطب الملتبسة لوزير خارجية لبنان جبران باسيل في المؤتمرات العربية حول العقوبات المطلوبة لهذا الحزب، فينبغي اعتبارها مرحلة مرت مرور السحاب، ولن يغيب أهل السعودية والخليج عن موسم الاصطياف هذا العام، وستعود المياه الى مجاريها، والجسور الى مواقعها، وتنفتح كل الأبواب أمام الاستحقاق الرئاسي في لبنان.

 

سلام في اسطنبول

 

وما أحوج لبنان الى الدعم السعودي في الهموم والمشاكل التي تعتريه، وأولها هاجس توطين النازحين السوريين بعد البيان الملتبس حول هذا الموضوع للأمين العام للأمم المتحدة <بان كي مون> عن ضرورة استيعاب هؤلاء النازحين في أماكن وجودهم، وإن لم يذكر لبنان بالاسم. وهذا النزوح السوري، يكلف لبنان بحسب تقديرات البنك الدولي ما يناهز السبعة عشر مليار دولار، وهو ثقل مالي يعجز لبنان عن احتماله!

ولقد تنبه <بان كي مون> الى هذه الثغرة في خطابه، وثمة من يسميها بالمؤامرة، فأوفد ممثلته في لبنان <سيغريد كاغ> الى وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل لتنفي بلسانه أي مخطط يتم تحضيره لتوطين النازحين السوريين، كما أوفد الى الرئيس تمام سلام في دارته عند منطقة المصيطبة وكيلته والمديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة <فانزيل بلامو نجوكا> على رأس وفد، وبين مواضيع البحث كان تبرئة الأمين العام <بان كي مون> من لعبة التوطين.

وأمام القمة الانسانية العالمية في اسطنبول يوم الأحد الماضي التي ذهب إليها الرئيس تمام سلام مع الوزيرين رشيد درباس والياس بوصعب، تحدث رئيس وزراء  لبنان عن هاجس التوطين وتكاليف النزوح السوري باسيل كاغالتي تفوق قدرة احتمال الميزانية اللبنانية، وبذلك ألقى حجراً جديداً في المياه الراكدة ولفت انتباه العالم الى مؤامرة التوطين التي تتهدد لبنان!

ولا بد في هذا السياق من تقدير موقف وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل من هاجس التوطين، والتعامل معه كأولوية في السياسة الخارجية اللبنانية، خصوصاً عند تفنيده للبيان الذي ألقاه <بان كي مون> ويتألف من 39 صفحة وعرض فيه <اندماج> اللاجئين أو منحهم تشريعاً قانونياً يوفر لهم البنية التحتية الملائمة لتسهيل ظروف إقامتهم وخصوصاً التعليم والطبابة وتيسير الإقامة والعودة الطوعية.

ويضع الوزير جبران باسيل خطاً أحمر تحت عبارة <العودة الطوعية> ليدل بها على لعبة التوطين، ضمن التلاعب على الألفاظ. فمفهوم العودة الطوعية يعني ان يترك النازح السوري لبنان إذا شاء، وإذا لم يشأ يبقى حيث هو. فهل هناك دلالة أكثر من ذلك على التوطين؟!

هذا الجدار الذي يحاول لبنان أن يبنيه أمام لعبة التوطين يحتاج الى مؤازرة من قوة عربية مثل المملكة السعودية ومصر، مثلما يحتاج الى قوى أجنبية حليفة مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا والولايات المتحدة، وان كان الرئيس الأميركي <باراك أوباما> يعاني من شمس الغروب، ولا يدري ما إذا سيحل مكانه الملياردير الجمهوري <دونالد ترامب> أو المرشحة الديموقراطية <هيلاري كلينتون> يوم الثامن من تشرين الثاني (يناير) المقبل.

 

الموقف من <دونالد ترامب>

وليس من الحكمة أن يقلب بعض العرب المجن للمرشح الجمهوري <دونالد ترامب>. فربما كان هو الفائز في انتخابات الرئاسة، وحملته ضد المسلمين وغلق أبواب استقبالهم في الولايات المتحدة، مسألة تحتاج الى شرح وتوثيق. فربما استخدم <ترامب> هذا السلاح لكسب أصوات المتطرفين الأميركان والعنصريين. ولا بد له إذا  امتطى حصان البيت الأبيض، أو حمل النسر الأميركي فوق كتفه، من أن يعيد حساباته السياسية، ويستمع الى مستشاريه، ومنهم اللبناني الدكتور وليد فارس، عن حاجة الولايات المتحدة الى دول الخليج سياسة واقتصاداً، وغالبية دول الخليج من المسلمين، كما أن إيران التي ارتبطت مع الولايات المتحدة مطلع هذه السنة بالاتفاق النووي تحمل صفة <الجمهورية الاسلامية>، وحملة <دونالد ترامب> على المسلمين تخرج إيران من أجندة البيت الأبيض إذا كان فيه مقعد الرئاسة والمكتب البيضاوي للجمهوري <دونالد ترامب>، وفي هذه الأسلاك السياسية العنصرية الشائكة لا يمكن أخذ <ترامب> إذا جاء رئيساً للبيت الأبيض، ضد مؤامرة التوطين!

وسوف يكون الأمر مختلفاً مع <هيلاري كلينتون> إذا أمسكت بصولجان البيت الأبيض، لأن صداقاتها وصداقات زوجها الرئيس السابق <بيل كلينتون> للسعودية والدول الخليجية ومصر ولبنان لا تسمح لها بدخول لعبة التوطين. صحيح ان تركيز سياستها الخارجية تحتاج الى وقت، ولن تنكشف مصالحها قبل العام 2018، إلا انها لن تلعب بنار التوطين، وتحرق الأصابع الأميركية في الشرق الأوسط!

والرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> واحد من المراجع العالمية المعتمدة لحماية لبنان من شر التوطين الذي كثر الحديث عنه في الأسابيع الأخيرة، وموقفه من لعبة التوطين هو موقف الشعب اللبناني نفسه، إذ يكفي لبنان ما تعرض له زمان الخمسينات من توطين عشرات ألوف الفلسطينيين بذريعة أن تجنيسهم رافعة للاقتصاد اللبناني في عهد الرئيس كميل شمعون. ولكن الخطر قد يأتي من وصول زعيمة اليمين المتطرف <مارين لوبان> الى رئاسة فرنسا، فترى أن إبقاء النازحين السورين في مواقعهم التي هاجروا إليها سوف يحمي دول أوروبا، ولاسيما فرنسا، من استيعاب المزيد منهم.

 

علي عواض العسيريهم المشكلة وهم الحل!

ومع الدور السعودي في التصدي للتوطين في لبنان، لا غنى عن الدور المصري الذي يشكل جدار حماية للبنان من أي خلل ديموغرافي يعتريه، بعدما كان لبنان ولا يزال منذ عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أمانة  جغرافية غالية عند مصر والمصريين، وكان له دور طليعي في المجيء بالرئيس فؤاد شهاب والرئيس شارل حلو. ولا ينسى المعمرون من اللبنانيين كيف قطع الرئيس عبد الناصر رحلته البحرية الى يوغوسلافيا عندما تبلغ اشتعال الاضطرابات في طرابلس عاصمة لبنان الثانية ربيع عام 1958، ليكون على مقربة من عملية الانقاذ.

تصريحات بالجملة لا ترى مبرراً لهاجس التوطين، ولكن الهاجس موجود، وقد سئل زعيم الكتائب الراحل الشيخ بيار الجميّل عن الخوف على المسيحيين، فقال: <الخوف موجود عند المواطن المسيحي، و<بدك هو ما يخاف>!

وبعد العشاء الجامع للسفير السعودي علي عواض عسيري، وكأنه استنساخ لمؤتمر الطائف، بفعل حضور الأضداد في السياسة، ونجاح الانتخابات البلدية في أربع محافظات، وإبداء وزير الداخلية نهاد المشنوق نيته لإجراء انتخابات نيابية، صار المشهد أكثر اشراقاً، وبات على القادة اللبنانيين أن يشعروا بأنهم المشكلة وانهم.. الحل!