23 September,2018

اغـتـيــــــــال ”أتــاتـــــــــورك“  

 

بقلم: المحامي عبد الحميد الأحدب

عبد-الحميد-الاحدب--AHDAb

محاولة الانقلاب في تركيا، سواء أكانت مدبّرة أم صحيحة، فهي كانت المناسَبَة أو الفرصة الذهبية لاغتيال <مصطفى كمال أتاتورك> الذي بقي بطلاً قومياً في تاريخ تركيا، وانقذ تركيا عسكرياً وحضارياً بعد أن سقطت وزالت في الحرب العالمية الأولى.

ومثلما كان مصطفى كمال رجلاً عسكرياً فذّاً كذلك كان رجلاً مثقفاً يريد انقاذ تركيا ليس عسكرياً فحسب بل حضارياً، وكان له ثقافته الغربية المحض التي تجيب عن السؤال الذي طرحه الفيلسوف الفرنسي <جان بول سارتر> على عبد الناصر حين زاره في القاهرة، والمقابلة نشرتها جريدة <الأهرام> في ذلك الوقت، وقد سأله:

<ألا تعتقد يا سيادة الرئيس أن الإسلام هو سبب تخلف المسلمين؟>.

وأجابه عبد الناصر وقتئذٍ: <إنني أؤمن بالحديث النبوي الذي يقول: أما شؤون دنياكم فأنتم أدرى بها>، وفَهِمَ <سارتر> أن عبد الناصر يؤمن بأن الإسلام دين وليس دنيا ولكن عبد الناصر لم يخطُ أية خطوة على درب قناعته بخوض معركة الإصلاح الإسلامي، خاصة وأن الفرصة كانت متاحة له لأنه اختلف مع الإخوان المسلمين الذين حاولوا اغتياله فعلّق مشانقهم.

مصطفى كمال كان غربياً بثقافته فهو لم يسعَ لحركة إصلاح ديني بل أجاب عن سؤال <جان بول سارتر>: <إن الإسلام هو سبب تخلف المسلمين> لهذا تخلى عن معركة الإصلاح الديني الى حياد الدولة بين الأديان في نظام العلمنة والإنفتاح الثقافي العريض على الغرب حتى انه غيّر الحرف التركي من الحرف العربي الى الحرف اللاتيني، وكلّف الجيش التركي من بعده بالسهر على هذا النظام>.

وحاول السياسيون الأتراك بعد مصطفى كمال ومنهم <عصمت اينونو> أن يتلاعبوا بتراث وفكر ونظام مصطفى كمال فكان الجيش لهم بالمرصاد، بانقلابات عسكرية تصحيحية، تحافظ على نظام علماني غربي فيه حرية الأديان وفيه حرية فكرية، وللدين الإسلامي مكانته في جو الحرية والاقتناع، وبقي النظام ديموقراطياً بالإنتخابات، الا أن <النظام العام> في العلمنة وفي دين الدولة وفي التخلف الإسلامي وفي الحجاب والطربوش وتعدد الزوجات وللمرأة نصف ما للرجل، كل ذلك بقي خطاً أحمر بحراسة الجيش، وحين حاول السياسيون تجاوز الخط الأحمر لم يتورع الجيش عن انقلاب يعلق مشنقة عدنان مندريس الى أن كان <رجب طيب أردوغان> ورفيقه <عبد الله غول> وهجمة الأحزاب الإسلامية.

وبدأت الأحزاب التي ظاهرها ديموقراطي وحقيقتها دينية بالتقدم، وعاد الصراع الخفي بين الجيش والسياسيين!

بقي هناك توازن اخذ يميل الى كفة الإسلاميين، وعاد الحجاب (ومع كان، عادت أخواتها) وظل الأمر يتفاعل الى أن كانت محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة التي جاءت الى <أردوغان> هدية ذهبية من السماء ليُصفّي باسم الديموقراطية القضاء والتعليم والجيش والدبلوماسية والصحافة الخ… ويعيد تركيا الى زمن الامبراطورية العثمانية بدون امبراطورية، فجمهورية <أردوغان> ديكتاتورية عصرية، المعارضة فيها من صنع السلطة ومؤيدة لها.

والأهم أنها امبراطور بلا امبراطورية، اغتالت وصفّت <مصطفى كمال> وتراثه وأعادت تركيا الى أيام العثمانيين!

<أردوغان> من معدن <برلسكوني> في الديموقراطية و<موسوليني> في الديكتاتورية، وهو يتجه الى تصادم مع الغرب لهذا زحف على الأعتاب ليعتذر من <بوتين> <صديقه> الذي <لا تسير سياسة الا سياسته>!

كان بإمكان <اردوغان> ان يخرج من نظام <مصطفى كمال أتاتورك> الى نظام محمد علي الكبير الذي فتح أبواب مصر على الغرب وأرسل ألوفاً مؤلّفة من الطلاب ليدرسوا في باريس الطب والهندسة والحقوق والعمران والعلوم العسكرية الخ… ويعودوا الى مصر ويبنوا مصر الحديثة العصرية المدنية الحضارية، فصارت الجامعات المصرية تُخرِّج العلماء وتعطي شهادات تفتح أبواب النهوض بمصر ولا تعطي شهادات فقر حال كما هو الحال هذه الأيام.

صارت الجامعات المصرية تُخرِّج العلماء أمثال احمد زويل وصار الجيش المصري يزحف ويحتل الشرق كله ويصل الى أبواب اسطنبول ولا يسقط طيرانه في ست ساعات… و… و… ولكن <اردوغان> اختار الديكتاتورية العثمانية العصرية، وسار على الدرب السوفياتي الذي يقوم فيه المعارضون بدعم النظام ويتحولون الى إتمام وظيفة سوفياتية في مساندته.

كان امام <اردوغان> اذا أراد القضاء على <مصطفى كمال> ودولته وثقافته ومدرسته، أن يقتدي بمحمد علي الكبير فينفتح على الغرب في العلم والنهضة ويحول تركيا الى قلعة إسلامية عصرية ديموقراطية تهز الشرق بقوتها، ولكنه حين قضى على <أتاتورك> اختار طريق <موسوليني> ممزوجاً بقليل من <برلسكوني>.

وضاعت فرص كثيرة، أهمها الإصلاح الديني العصري.