20 September,2018

اطلبـــوا الحـــل فـــي ســـــوريا ولــــو مــــن مؤتمـــــر مـــــــــوسكو

بقلم وليد عوض

al-assad-staffan-de-mistura

 عادت مصر من جديد الى الساحة العربية، على هدى السياسة التي اعتمدها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، طيب الله ثراه. وتجلت هذه العودة في استقبال قادة معارضة سوريين في القاهرة، والتنسيق مع موسكو في إعداد مؤتمر <موسكو واحد> جامعاً بين أهل النظام السوري والمعارضة السورية التي عرف منها حتى الآن معاذ الخطيب. ولم يعد تنحي الرئيس بشار الأسد هو المطلوب لعقد هذه القمة، بل ترك هذا الأمر للشعب السوري مصدر السلطات. بل ستجلس المعارضة السورية الى مائدة واحدة في موسكو مع ممثلي النظام السوري، والواضح حتى الآن أنه سيكون ممثلاً بوزير الخارجية وليد المعلم ونائبه فيصل المقداد والمستشارة الرئاسية بثينة شعبان.

   وعلى وقع قمة موسكو ستسير كل مجريات الأمور في سوريا، وربما على مستوى المنطقة العربية، بعدما قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تلبية دعوة رسمية لزيارة الكويت حملها إليه رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم. وتتلازم هذه الزيارة مع قرار الكويت بإعادة فتح قنصليتها في دمشق، وبذلك تكون أول دولة خليجية تتخذ هذا الاجراء بعد طول قطيعة مع النظام السوري.

   ويوماً بعد يوم تنكشف أسرار الزيارة التي قام بها نائب وزير الخارجية الروسية <ميخائيل بوغدانوف> للبنان وسوريا مؤخراً. فهي تستهدف تلاقي الأطراف حول مائدة المفاوضات المقرر عقدها في موسكو مع نهاية شهر كانون الثاني (يناير) الجاري، بين النظام السوري والمعارضة السورية، وإن كانت هناك مؤشرات الى أن المعارضة ليست فقط حسن عبد العظيم المقيم في دمشق والعائد من زيارة لموسكو، بل يجب أن تشمل أيضاً هادي البحرة رئيس الائتلاف السوري وصقوراً مثل <ميشيل كيلو>. والواضح ان المعارضة السورية في الخارج واقعة تحت ضغط أوروبي لا يرى فائدة في مائدة مفاوضات موسكو.

   عملية شد حبال بين الجانب الأوروبي والجانب السوري، يغيب فيها ظل الرئيس الأميركي <باراك أوباما> الذي لم يعد متحمساً لتنحي الرئيس بشار الأسد كما كان يطالب في الماضي، ولم يعد مستعداً لمجاراة الحزب الجمهوري المعارض في ضرورة إزاحة الأسد عن عرينه. فلم يعد يبقى للرئيس <أوباما> في البيت الأبيض سوى سنة وعشرة أشهر، ولا فرصة لتجديد الرئاسة في الدستور الأميركي أكثر من مرة واحدة. والحزب الجمهوري الأميركي يتصرف على أساس انه هو الآتي الى البيت الأبيض خريف 2016، بدليل ان قطبه الكبير السناتور <جون ماكين> جاء في الأسبوع الماضي الى بغداد، ليؤكد دعمه لزيادة تسليح الجيش العراقي ورفده بستة آلاف خبير عسكري أميركي لتحسين أدائه العسكري بالأسلحة الحديثة، وهي رسالة الى العراقيين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء حيدر العبادي، بأن الحزب الجمهوري الأميركي، متى وصل الى الحكم لن يتخلى عن العراق، ولكنه لم يقل انه لن يتخلى عن النظام السوري.

<داعش> في الأفق

   وترتيب الأوراق السياسية بين رؤساء العالم يجري منذ الآن لتوضيح صورة الشرق الأوسط الجديد، بعدما اجتاح زعيم <داعش> أبو بكر البغدادي مساحات شاسعة في العراق، وبدأ يستورد الآلاف من مقاتليه في سوريا الى العراق، وكسر بذلك الحدود التي نص عليها اتفاق <سايكس بيكو> عام 1916، فجعل الأرض السورية تتصل بالأرض العراقية، ويوفر فرص الحياة لدولته الاسلامية، أو دولة الخلافة، غير معترف باتفاقية <سايكس بيكو> كما رسمها سفير فرنسا في لبنان <جورج بيكو> وسفير بريطانيا <مارك سايكس>.

   وهذا يعني ان العالم أصبح أمام حقيقة دولة الخلافة الاسلامية في العراق، بعدما انتهت هذه الخلافة زمن العثمانيين على يد الرئيس التركي <مصطفى كمال أتاتورك> عام 1924، واصطحب بنفسه الخليفة السابق محمد الخامس أو وحيد الدين الى قطار الشرق السريع.

السيسي-مرزوق-الغانم

   كل من قادة المنطقة يجب أن يأخذوا هذا الأمر في الحسبان. فقد أصبح لتنظيم <داعش> أو دولة الخلافة رمزه وعلمه وجواز سفره، ولم يعد ينقص إلا النشيد.

   وهذا يجعل الغرب ينظر الى المنطقة بعين المستقبل، فيسأل من يكون خليفة الرئيس الأميركي <باراك أوباما>. هل يكون ديموقراطياً مثل <هيلاري كلينتون> ويسير على نهجه؟! أم يكون هناك ساكن جمهوري للبيت الأبيض يطيح بسياسة <أوباما> في الشرق الأوسط، ويعتبر نظام بشار الأسد ــ إذا بقي حتى خريف 2015 ــ أثراً بعد عين؟

   ويسأل الغرب أيضاً: من هو الذي سيخلف الرئيس الاشتراكي الفرنسي <فرانسوا هولاند> في قصر <الإليزيه>؟ هل هو اليميني المعتدل <نيقولا ساركوزي> أم <مارين لوبان> زعيمة اليمين المتطرف التي تهيئ نفسها لتكون أول امرأة تحكم قصر <الإليزيه> في تاريخ فرنسا بعدما كانت <ماري انطوانيت> مع زوجها <لويس السادس عشر> آخر امرأة حكمت فرنسا؟ وإذا جاء <ساركوزي> أو <آلان جوبيه> كيف سينظران الى الشرق الأوسط؟ وإذا حكمت <مارين لوبان> فأي الأنظمة الشمولية ستدعم في منطقة الشرق الأوسط؟!

   والسؤال نفسه يسري على رئيس وزراء بريطانيا <دايفيد كاميرون> الذي تتوقع الاستطلاعات أن يخلفه في رئاسة الحكومة زعيم الحزب العمالي <أد ميليباند> بعدما يربح الانتخابات التشريعية هذا العام؟ وكيف ستكون عليه سياسة <ميليباند>؟! وكيف ستكون عليه سياسة المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> أو من سيخلفها عام 2017؟! وعلى أية خريطة للشرق الأوسط سيتفقون؟

أسئلة في باطن الغد

   كذلك لا بد من أخذ حكام المنطقة العربية بعين الاعتبار، بدءاً من الرئيس المصري المشير عبد الفتاح السيسي الذي وطد سلطة الجيش، وأثبت انه صاحب قبضة حديدية، ولا بد أن يكون له دوره في خريطة الشرق الأوسط الجديدة، وفي الحرب ضد التكفيريين.

   صحيح ان كشف الغيب أمر لا يعرفه إلا الله، إلا ان المثل يقول: <اسع يا عبد وأنا أسعى معك>. والذي يحسن التخطيط للمستقبل هو القائد الذي يقف على أرض صلبة، والتخطيط للمستقبل ينطلق من الأسئلة الآتية:

   ــ هل يبقى تنظيم <داعش> على ما هو عليه من نفوذ ورهبة وارهاب أم تذروه الرياح، ويصبح في خبر كان؟

   ــ هل تبقى سوريا غارقة في أزمتها، والحرب تلتهم الأطفال قبل البالغين؟ وكيف سيكون عليه مستقبل سوريا في عام 2015؟ ويسأل المرء هنا: أين المعارضة المعتدلة بعدما سيطر <داعش> على كل الجهات المعارضة؟ بل ويسأل المرء أيضاً وهو يوجه وجهه صوب العراق: أين أصبحت قوات المعارضة؟! وأين عزة الدوري نائب الرئيس العراقي صدام حسين، بعدما كان عاد الى الساحة رغم إصابته بمرض السرطان؟ أين هو نوري المالكي؟ وأين هو تأثير الدكتور اياد العلاوي؟ وسنظل نردد كلمة <أين> طوال العام 2015.

   وعلى صورة هذه الأحداث سيأتي رئيس جمهورية لبنان الجديد عام 2015، ولا بد أن يأتي، بعدما قال الرئيس تمام سلام في صرح بكركي خلال الأسبوع الماضي: <بدون رئيس جمهورية لن يكون هناك لبنان>، وأن يقول المسؤول المسلم مثل هذا الكلام أقوى تأثيراً من أن يقوله مسؤول مسيحي.

جون-ماكين-حيدر-عبادي

   صحيح ان البلاد بدون رئيس جمهورية لم تسقط، ولم تتفتت، وظل اللبناني يعيش يومه كعادته، ولكن الصحيح أيضاً أن لبنان بدون رأس لن يستطيع أن يجد الأذن الصاغية لمشاكله في دول العالم. وغيرنا من الدول استضافت المئات والألوف من النازحين السوريين، مثل مملكة الأردن، واستطاع أن يضبط أموره بفضل صدور موازنته، ويحصل على قروض ميسرة من دول الاتحاد الأوروبي، ونحن ما زلنا نراوح مكاننا. ولولا صفقة السلاح الفرنسية بتمويل ثلاثة مليارات دولار، بأمر من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ودعم الجيش اللبناني بهذه الأسلحة المتطورة ولاسيما طوافات <غازال> المجهزة بمدافع رشاشة والقادرة على ملاحقة الارهابيين أينما كانوا، لكانت صورة لبنان في عيون الخارج تعيسة وتدعو الى الشفقة.

   من هنا لا بد أن تتكاتف الجهود الوطنية للوصول برئيس جمهورية الى قصر بعبدا، يستقبل السفراء ويتسلم أوراق اعتماد الجدد منهم، وقد صار عددهم كبيراً، ويرسم مع مجلس الوزراء مجتمعاً صورة لبنان الآتي عام 2015 وما بعده، ويشرف على انتاج موازنة جديدة، ويتواصل مع قادة العالم في سبيل أن يكون لبنان أهم دولة صغيرة في العالم، من حيث رقيه السياسي والاقتصادي والثقافي، ويعود ماسح الأحذية قادراً على أن يصرف لك مبلغ المئة ألف ليرة، كما كان يفعل بالمئة ليرة زمن الرئيس كميل شمعون عام 1954، وتعود نهضة الفنادق والشركات كما كانت زمن الرئيس فؤاد شهاب، ويسترجع لبنان نفسه ويقول الشعب اللبناني: <من فضلكم أعيدونا ستين سنة الى الوراء، حيث كان الازدهار سيد الميدان ومالئ الساحات>.

   والسؤال الآن: ماذا سيكون عليه الغد؟ وأي المخاطر سنصد؟! وأي أفق وردي سنواجه؟!

   إنه الرهان على… المستقبل، ليكون أجمل من الماضي، وإن كان ماضي الخمسينات والستينات.. جميلاً وجميلاً جداً!