16 October,2018

اضطرابات النطق والكلام والنشاط الحــــركي المفـــرط عنـــد الاطفـــال

 

بقلم وردية بطرس

أحياناً لا يلاحظ الأهل ان أطفالهم يعانون من تأخر في الحركة او الكلام، ويظنون ان الزمن وحده سيكون كفيلاً بحل المشكلة. الا ان مثل هذه الصعوبات تستلزم اللجوء الى ما يسمى بالعلاج النفسي الحركي. ومصطلح الكلام عموماً عبارة عن اصدار صوت من فم الطفل، اما التأخر في الكلام فعبارة عن اصدار كلمات غير واضحة، وهذه مشكلة تؤرق الكثير من الأمهات فتبدأ بمقارنته بمن حوله من أطفال او بإخوته الأكبر، وبالرغم من ان عملية تطور الكلام والنطق عند الأطفال ثابتة الا ان الأعمار التي يبدأون فيه الكلام تختلف من طفل لآخر وذلك لأن هناك أسباباً محددة لتأخر الكلام عند الأطفال… ويعد الطفل متأخراً في الكلام اذا وصل لسن 12 شهراً ولا يستطيع اصدار اي صوت ينم عن الكلام بعد، كما يعد متأخراً في النطق اذا وصل لسن 18 شهراً ولم ينطق <ماما> او <بابا> او اي اسم آخر بعد، أو اذا وصل لسن 3 سنوات ولا يستطيع التعبير عن نفسه بشكل واضح. ولتحديد مدى تقدم نطق الطفل يمكن مراقبة الكلمات التي ينطقها بوضوح في حديثه والتي يجب ان تكون 1/4 عمره، بمعنى ان الطفل في العام الواحد يجب ان يكون 25 بالمئة من كلامه واضحاً، وتأخر النطق مشكلة أكثر خطورة من تأخر الكلام.

 

أسباب تأخر الكلام عند الأطفال

هناك بعض الأسباب التي تؤدي الى تأخر الكلام عند الأطفال وخصوصاً من تتراوح أعمارهم بين العام والعامين، فمنها ما تكون غالباً أسباباً عضوية مرتبطة بعقدة في اللسان، اي ان يُولد الطفل بلسان معقود بحزام نسيجي أسفل اللسان، وهذا النوع من المشاكل يحتاج الى اجراء عملية جراحية من أجل فك العقدة، ومن جهة أخرى هناك أسباب نفسية تؤدي الى تلعثم الطفل، وتمنعه من لفظ الحروف بالطريقة الطبيعية الصحيحة، لذلك يجب على الأهل التعامل مع الطفل الذي يواجه هذه المشكلة بطريقة لا تزيد من الأمر سوءاً بل الاجتهاد على تطوير العامل النفسي للطفل بشكل ايجابي.

وهناك بعض العلامات التي يمكن للأهل ملاحظتها على الطفل الذي يعاني من مشكلة تأخر الكلام، فالأطفال ذوو الثلاثة أعوام الذين يعانون من مشكلة تأخر الكلام، لا يمكلون القدرة على استخدام او صياغة جمل كاملة صغيرة، كما انهم غير قادرين على استيعاب الأوامر او المعلومات التي تقدم لهم من قبل الأهل، اضافة الى فقدانهم لمتعة التواصل مع الآخرين، بل يفضلون العزلة وعدم التحدث مع الآخرين حتى مع الأم والأب، والجدير بالذكر ان الأطفال في هذه السن تحديداً لا يكونون قادرين على استخدام الحروف الساكنة، بل ترافقهم مشكلة التلعثم عند الحديث.

 

النشاط الحركي المفرط

وأيضاً من المشاكل التي يعاني منها الأطفال النشاط الحركي المفرط، اذ ان هذا المرض يصيب الطفل في سن صغيرة، حيث يبدأ من سن 2 و 3 سنوات، ويعاني الطفل من قلة الانتباه، ويكون مشتتاً وكثير الحركة <حركة غير طبيعية> ففي بعض الحالات تكون الأم غير منتبهة لمرض الطفل وتعتبر هذا النشاط هو <شقاوة أطفال>. ويعتبر مرض النشاط الحركي المفرط زيادة في الحركة عن المعدلات الطبيعية وهذا المرض يجعله فاشلاً في حياته كنتاج قلة التركيز مع الاندفاعية المفرطة وتعجله الدائم في كل شيء، وهو أصلاً مرض سلوكي يستعمر في الطفل منذ الطفولة حتى المراهقة والبلوغ مما يجعله غير مندمج في حياته، ويجد صعوبة في التأقلم في المنزل وفي الشارع والبيت والمدرسة وكثيراً ما يبدأ التشخيص بمجرد دخوله المدرسة، حيث تظهر عوارض التشتت، وقلة الانتباه، والحركة الزائدة، وهنا يكون العلاج من خلال أدوية علاجية وعلاج سلوكي… تجدر الاشارة الى ان علماء النفس صنفوا فرط النشاط عند الطفل على انه مشكلة سلوكية عند بعض الأطفال، اذ ان الأطفال المصابين بفرط النشاط يعانون من نقص في

الانتباه، وبالتالي تدني في التحصيل الأكاديمي، اضافة الى انهم اندفاعيون غير مقدرين للمخاطر من حولهم.

وعندما يدعي الأهل والمعلمون ان الولد يعاني من صعوبات في الانتباه والتركيز ومن فرط النشاط، فإنهم يقومون باجراء مقارنة في كثير من الأحيان بينه وبين كبار السن، وليس مع أبناء جيله. وللتأكد مما اذا كان مستوى نشاط الولد مناسباً حقاً للمستوى الطبيعي لأبناء جيله، يمكن اجراء اختبار يسمى فحص الانتباه المتغير، وخلال هذا الاختبار يتم فحص أداء الولد الوظيفي بمقاييس:الاندفاعية، تحويل الانتباه، زمن رد الفعل والمثابرة على تنفيذ المهام بالمقارنة مع أبناء جيله. ويعتبر هذا الاختبار جزءاً من التشخيص الرامي لتحديد الاصابة باضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة.

واليوم أصبح الأهل يتنبهون لهذه الحالات ويلجأون الى الأطباء والاختصاصيين لمساعدة أطفالهم منذ بداية ظهور العوارض والعلامات. وتبعاً لهذا الهدف افتتحت مؤسسة الطفولة السعيدة التي عُرفت سابقاً بمؤسسة فيليب حاتم للطفولة السعيدة، مركز <ليتيسيا حاتم> لاعادة التأهيل في مستشفى اوتيل ديو في بيروت في ايلول الجاري. (تجدر الاشارة الى مؤسسة الطفولة السعيدة تأسست في نيسان في العام 2010، عقب وفاة الطفل فيليب حاتم عن عمر 11 سنة. فالمؤسسة تابعة حالياً الى مؤسسة أم مركزها في جنيف، سويسرا، وهي شقيقة لفروع أخرى من المؤسسة السويسرية في الولايات المتحدة الأميركية وافريقيا). وقد اكتسب المركز الذي تأسس في العام 2012 امتيازاً في مجال اعادة التأهيل في لبنان والمنطقة، كونه يؤمّن العلاج الجسدي، المهني، الكلامي، الحركي والنفسي، اضافة الى الدعم النفسي. ومن جهته يعتبر مدير المستشفى الأب جوزف نصّار ان المركز قصة نجاح مثالية لأسباب عديدة: مؤهلات فريق عمله وادارته، استخدام المعدات واجراءات اعادة التأهيل الأفضل، الهندسة الفريدة الحديثة الشافية المحاذية للمركز وقوة الشراكة الاستراتيجية بين مستشفى اوتيل ديو ومؤسسة الطفولة السعيدة، المبنية على الثقة المتبادلة والحوار البنّاء. ويضع هذا النجاح المركز في صميم التطوير الاستراتيجي للمستشفى. وبدوره يعتبر مدير مؤسسة الطفولة السعيدة السيد جورج حاتم انه لغاية اليوم ساعدت المؤسسة آلاف الأطفال على صعيد الحاجات الأساسية، الحماية، الصحة، العلم والتربية والترفيه ويقول:

– تلقّى مئات الأطفال العناية التأهيلية اللازمة، بفضل المؤسسة وقد سُجلت حالات ملحوظة من الشفاء، الاستقلالية، والكرامة والأمل، محولّة حياة الأطفال وعائلاتهم. وفي العام 2018 ستؤمن حوالى عشرة آلاف دورة للعلاج الجسدي، المهني والكلامي لـ165 طفلاً محتاجاً. وفي كل ما نفعله نستند الى القيم وروح اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل. ويتوفر في المركز المعدات الجديدة، حوض السباحة للعلاج بالماء والحديقة الخارجية الشافية الفريدة في المنطقة، المصممة من مهندس المناظر الطبيعية المشهور عالمياً السيد <فلاديمير دجوروفيك> الذي أراد خلق حديقة أمل والهام من خلال اتصال دقيق مع الطبيعة، وهذا المكان يساعد على استعادة الاستقلالية، الاحترام الذاتي، الكرامة ويجلب السعادة الى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ويوجد في الحديقة زوايا خاصة عديدة، ليس للشفاء بسلام فحسب، بل للراحة، التأمل والاسترخاء قرب بركة المياه والزاوية الروحية. ويعمل في المركز فريق عمل محترف مكوّناً من معالجين متخصصين ويديره مدير طبي، ورئيس معالج ذو خبرة واسعة. وقد طُوّرت فكرة المركز مع الدعم التقني لـ< Shirley Ryan Ability Lab> المعروف سابقاً بمعهد اعادة التأهيل في <شيكاغو> المستشفى الأول لإعادة التأهيل في الولايات المتحدة الأميركية.

الدكتور منصور ديب وسبل العلاج

 

فهل هناك أسباب وعوامل تؤدي لاصابة الطفل بتأخر في الكلام؟ وهل هناك عوامل تؤدي لاصابة الطفل بالنشاط الحركي المفرط؟ وماذا عن العلاج؟ وماذا عن أهمية توعية الأهالي والمدارس بملاحظة سلوكيات الأطفال في سن مبكرة لتفادي مشاكل أكثر صعوبة وتعقيداً؟ وغيرها من الأسئلة أجاب عنها الاختصاصي في الطب الفيزيائي واعادة التأهيل الدكتور منصور ديب، ونسأله أولاً عن العلاج الذي يقدمه مركز <ليتيسيا حاتم> لاعادة التأهيل في مستشفى اوتيل ديو فيقول:

– ان المركز يتطور أكثر فأكثر، وبالتالي نقوم بمساعدة الأطفال أكثر، ونقدم الخدمات لهم والتي هي عبارة عن العلاج الفيزيائي، والعلاج الجسدي، والعلاج الكلامي، الحركي والنفسي، ونتمكن من مساعدة الأطفال الذين يعانون من هذه المشاكل، ونعالج حالات بما يتعلق بالنطق والحركة مثل أن يكون الطفل مصاباً بضمور في الدماغ نجهله، وهناك حالات وراثية، وحالات ناتجة عــــن حـــــوادث تعرض لها الأطفال مما أدى الى اصابتهم بمشكلة في الدماغ والى ما هنـــــالك، ولغايــــــة الآن نقـــــوم بمساعدة حوالي 170 طفلاً. اذ نقوم بجلسات معالجة، واليوم سنبدأ بالعلاج المائي، ومع هذا سنتمكن من استيعاب عدد أكبر من الأطفـــال الذين يعانون من هذه المشاكل، وأيضاً لكل الأعمار.

 

علاج التأخر في النطق والكلام

ــ اليوم نلاحظ ان هناك ازدياد حالات اصابة الأطفال بتأخر في النطق والكلام، فهل هناك عوامل أو اسباب تزيد من اصابة الأطفال بها؟ وماذا عن العلاج؟

– أولاً يجب التنويه هنا ان الأطفال الذين يعانون من تأخر في النطق والكلام يؤثر ذلك على دراستهم، فيحدث تأخر بالتعلم وبالتالي يواجه الطفل مشاكل عديدة بسبب التأخر في النطق والكلام. أما بالنسبة لازياد حالات الاصابة بهذه المشكلة عند الأطفال في يومنا هذا فذلك ناتج عن انه يتم تشخيص الحالات أكثر من السابق. اذ في الماضي لم يكن يتم تشخيص هذه الحالات بوقت مبكر، بينما اليوم هناك توعية أكثر مما يساعد على كشف الحالات بوقت مبكر. وطبعاً هنا يكمن دور الأهل بالتنبه للمشكلة منذ البداية. والأمر نفسه بالنسبة للمعلمين والمعلمات في المدارس اذ يلحظون هذه المشاكل مما يساعد بمعالجة الحالات بشكل أسرع وأفضل. فعلى سبيل المثال في الماضي عندما كان الطفل يلفظ بعض الأحرف بطريقة خاطئة لم يكن يشكل ذلك اي خوف او مشكلة لدى الأهل، بينما اليوم يلجأ الأهل الى الأطباء لتقديم المساعدة في هذه الخصوص.

وعن انشغال الأهل بأعمالهم ومسؤولياتهم يشرح:

– أيضاً لا ننسى ضغط الحياة اليومية اذ يؤثر في هذا الخصوص أيضاً، مثلاً هناك الضغط الاجتماعي اي الأهل يقضون أوقاتاً أطول في العمل، وبالتالي لا يقضون أوقاتهم مع أطفالهم كما كان يفعل الأهل في الماضي، فالأب لا يتمكن من تمضية الوقت مع أطفاله بسبب كثرة أعماله ومسؤولياته، والأمر نفسه بالنسبة للأم فلم يعد الطفل يحظى باهتمام كبير كما كان الأطفال في الماضي، فمثلاً في السابق عندما كان الوالدان يعملان كان هناك دور للجدة التي تهتم وترعى أحفادها فتمنحهم الحنان والعاطفة التي يحتاجون اليها، بينما اليوم ترين الأطفال يقضون معظم أوقاتهم لوحدهم خصوصاً في المدن، اذ يخرج الوالدان الى العمل ويعودان بوقت متأخر، وبالتالي يقضي الطفل أوقاتاً طويلة لوحده مما يؤثر أكثر. وطبعاً بالرغم من تفاقم هذه المشكلة أصبحت هناك توعية أكثر بما يتعلق بتشخيص الحالات منذ البداية، فمثلاً ما ان يلحظ الأهل ان ابنهم لا يلفظ بشكل صحيح او لديه مشكلة في النطق يصطحبونه في الحال الى الطبيب المختص لمعالجة المشكلة قبل ان تتطور وتصبح معالجتها صعبة وبالتالي تتطلب وقتاً أطول، اذ يجب على الأهل ان يتنبهوا لهذه الأمور.

 

النشاط الحركي المفرط

ــ وماذا عن النشاط الحركي المفرط؟

– نلاحظ ان الأطفال يعانون من النشاط الحركي المفرط في يومنا هذا، وبالتالي لا يجب التساهل مع هذه الحالة. ففي الماضي عندما كان الطفل كثير الحركة يقولون عنه انه صبي مشاغب بينما اليوم يعتبرونه مرضاً ويجب معالجته، لأنه اذا لم يُعالج لن يتمكن الطفل من استيعاب دروسه وبالتالي سيؤثر ذلك سلباً على دراسته، وبطبيعة الحال لا يستطيع ان يركز على أمور عديدة في حياته. وطبعاً من خلال العلاج نصل الى النتيجة المرجوة. ولا ننسى أيضاً هناك الأطفال الذين لديهم اعاقات جسدية والتي تتطلب جهداً لمعالجتها، وأكثر مشكلة نراها اليوم هو الشلل الدماغي والشلل النصفي، وبالتالي هناك علاجات تسهل حياة الأطفال.

 

نصائح للأهل والمدارس

 

ــ ماذا تنصحون الأهل والمدارس بما يتعلق بمشاكل في النطق او السلوك؟

– ننصح الأهل بأن يمنحوا أطفالهم المزيد من الاهتمام والأمر نفسه بالنسبة للمدارس، المطلوب الاهتمام بالأطفال أكثر لا سيما انهم يقضون ساعات طويلة امام شاشة الكمبيوتر او <ايفون> او <آيباد> وغيرها من الوسائل التكنولوجية التي تعزلهم عن محيطهم والأشخاص المقربين منهم سواء الأهل او الأصدقاء. فالطفل بحاجة للعناية وإلا تصبح الحالة متأزمة أكثر وبدل ان يتحسن وضعه تصبح معالجته أمراً صعباً. والأهل يتجاوبون معنا بالعلاج لأننا نتعاون مع الأهل لمساعدة الطفل قدر المستطاع، لأنه أحياناً تتعقد المشكلة لأنه لم يحدث تعاون من قبل الأهل، وبالتالي يجب ان نعمل سوياً لمعالجة الطفل من جميع النواحي ولهذا ننصح دائماً الأهل بضرورة التنبه لأي مشكلة تواجه الطفل لتفادي مشاكل معقدة أكثر مما يتطلب علاج أطول.