16 November,2018

اسناد حقيبة الصحة لوزير من حزب الله ”مجازفة“ يتخوف منها فريق... ويراها آخر طبيعية!

عندما تبلّغ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري من الرئيس نبيه بري ان <الثنائي الشيعي> قرر توزيع الأدوار فتتولى حركة <أمل> حقيبة سيادية هي وزارة المال، فيما يتولى حزب الله حقيبة خدماتية هي وزارة الصحة، لم يعترضا على هذا التوزيع، لاسيما وان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله كان أعلن في إحدى خطبه ان الحزب قرر ألا يبقى بعيداً عن الوزارات الخدماتية والاكتفاء بوزارات أقل أهمية مثل وزارتي الصناعة والشباب والرياضة، أو وزارة دولة، واعتبر الرئيسان عون والحريري، ومعهما شخصيات سياسية متابعة لملف تشكيل الحكومة الجديدة ان وجود وزير من حزب الله في وزارة الصحة أفضل بكثير من مطالبة الحزب بوزارة سيادية أو بأن يشغل الحزب والحركة وزارتين خدماتيتين، ومن شأن ذلك التخفيف من الاحراج الذي قد تقع فيه الحكومة الجديدة رئيساً وأعضاء.

إلا ان حساب حقل الرئيسين عون والحريري لم يطابق مع حساب <بيدر> المجتمع الدولي إذ سرعان ما صارت ترد الى مسامع المسؤولين ردود فعل دولية بدأت بـ<تساؤلات> عن <صحة> اسناد وزارة الصحة الى وزير من حزب الله، وصولاً الى حد اعلان الرفض والتحفظ… والاعتراض. وتولى ديبلوماسيون نقل ردة فعل <المجتمع الدولي> الى رئيسي الجمهورية والحكومة لأن من شأن تسلم حزب الله وزارة خدماتية أساسية مثل الصحة تعنى بالكثير من اللبنانيين، ان يبقى الحزب على تماس مع القواعد الشعبية كافة ويوسع من شبكة علاقاته ويخشى أن يقدم خدمات مشروطة أو مطالب محدودة تخدم توجهات الحزب ومبادئه. وقال هؤلاء الديبلوماسيون بوضوح لا يرقى إليه الشك، إن مثل هذه الخطوة سوف يعتبرها المجتمع الدولي، أو على الأقل الدول الفاعلة فيه ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية، بمنزلة اطلاق يد الحزب في وزارة دقيقة تتجاوز صلتها المباشرة مع الجمهور، الى قيام ارتباطات واتفاقات مع دول لا تتناغم في سياستها مع الدول المعترضة. وفيما ذهب بعض الديبلوماسيين الى وضع التعاون مع لبنان في المجال الصحي، على المحك، رأى آخرون انه يمكن <غض النظر> عن توزير حزب الله في وزارات عادية على رغم المقاطعة الدولية للحزب، والحرب الواسعة التي تشن ضده.

أسلوب وزراء حزب الله

وفي هذا السياق، قال مصدر ديبلوماسي لـ<الأفكار> ان أسلوب وزراء حزب الله في الوزارات التي تولوها كان مختلفاً عن أساليب بقية الوزراء. صحيح انهم يديرون شؤون وزاراتهم بشفافية متناهية، إلا ان لوزارة الصحة منهجية عمل مختلفة ترتكز في جانب كبير منها على تمويل المجتمع الدولي لتدعيم نظام الرعاية الصحية الشاملة ما قد يؤثر سلباً ــ في حال وجود وزير من الحزب فيها ــ على المشاريع المنفذة وتحتاج الى متابعة، وتلك التي في طور التنفيذ، إضافة الى التأثر المباشر لتمويل هذه المشاريع من الدول المانحة والهيئات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو البنك الأوروبي للاستثمار… وكل هذه المرجعيات الدولية لا تستسيغ العمل مع وزير من حزب الله انسجاماً مع المقاطعة الدولية شبه الواسعة لقيادة الحزب ومسؤوليه كافة ومطالبتهم جميعاً بتسليم أسلحتهم الى الدولة وعدم تجميع الصواريخ، إضافة الى <التهمة> الملصقة بهم لجهة التنسيق مع ولاية الفقيه.

 

تعاون أميركي

وتتحدث مصادر ادارية مطلعة على عمل وزارة الصحة، فتقول ان الموازنة التي تخصصها الدولة لوزارة الصحة لا تكفي من أجل تأمين كل الخدمات الطبية المطلوبة من الوزارة داخل بيروت وفي ضواحيها والبلدات والقرى الناشئة. وتورد هذه المصادر أدلة حول الدعم الخارجي للرعاية الصحية من عدد من الدول بينها الولايات المتحدة الأميركية والبنك الدولي الذي وفّر وحده مبلغ 150 مليون دولار لدعم تمويل الجزء الثاني من مشروع الرعاية الأولية، وإعادة نفض المستشفيات الحكومية وتوأمتها مع مستشفيات خاصة، إضافة الى الدعم الذي تقدمه الحكومة الكندية لوزارة الصحة بهدف اعتماد معايير الجودة في مراكز الرعاية الأولية البالغ عددها 220 مراكزاً تساهم في تأمين الرعاية والطبابة لنحو 150 ألف شخص لا ينفق كل منهم سوى مبلغ رمزي قيمته 10 آلاف ليرة، فيما تُغطى بقية المصاريف من الدعم المالي الخارجي.

وتضيف هذه المصادر ان وجود وزير من حزب الله في وزارة الصحة من شأنه أن يعيد النظر في آلية التعاون الدولي من تلقاء ذاته، أو ان تعيد الدول والجهات الداعمة النظر في تعاونها معه ما يؤثر سلباً على المشاريع المعتمدة ومنها مشروع مولته السفارة الأميركية في بيروت يتعلق باطلاق الحكومة الالكترونية داخل وزارة الصحة بحيث أضحى 70 بالمئة من الخدمات مؤمنة عبر الانترنت، فيكف سيتم التواصل بين ديبلوماسي السفارة الأميركية مثلاً ووزير حزب الله وفريق عمله والعلاقة بين الطرفين سيئة للغاية؟ وتورد هذه المصادر انه لم تطأ أقدام أي سفير أجنبي تعارض دولته إيران مثلاً، أرض وزارة الصناعة منذ أن تسلمها الوزير حسين الحاج حسن، وهذا الواقع يمكن أن يعمم على غيرها من الوزارات، الأمر الذي يؤثر سلباً على أدائها من جهة وعلى حجم ومستوى الخدمات التي تقدمها للمواطنين.وتخوفت المصادر من مقاطعة دولية وأممية لوزارة الصحة يجري التمهيد لها كلامياً في حال تسلم حقيبتها وزير من حزب الله، ما ينعكس سلباً على عملها من جهة وعلى علاقاتها الاقليمية والدولية من جهة أخرى.

وترى مصادر سياسية ان المأزق الذي وضعت فيه <الثنائية الشيعية> رئيس الجمهورية والرئيس المكلف على حد سواء في مسألة اسناد وزارة الصحة الى ممثل من الحزب ليس خطيراً على النحو الذي يتم تصويره فيه،بل يمكن معالجته، وإن كانت هذه المصادر تقرّ بأن الأمر لن يكون سهلاً إذا ما استمر ممثلو الدول المعترضة على موقفهم الذي قد يكون أقل حدة من مواقف ممثلي المنظمات الدولية الذين يتواصلون بشكل متقطع مع وزراء حزب الله ويتفادون اللقاءات المباشرة أو المنفردة في غالب الأحيان.وتشير المصادر السياسية نفسها الى ان اسناد وزارة الصحة الى حزب الله سيكون <مجازفة> ينبغي تقييمها ودرس تداعياتها على صعيدين في آن، الأول أداء الوزارة وخصوصيته، والثاني علاقة لبنان مع الدول المعترضة ومستقبل هذه العلاقة، وبينهم الولايات المتحدة الأميركية.