19 November,2018

اسـتـقـالــــــــة الـحــريــــــــري نـكــبــــــــة وطــنــيــــــــة تــتـطــلـــــب جــمـــــــع كــــل الــصــفـــــــــوف!

بقلم وليد عوض

مالك-الشعار 

لم يحصل في لبنان أن أعلن رئيس وزراء استقالته بمثل هذا الغموض كما كانت استقالة الرئيس سعد الحريري وهو يتلوها من الرياض يوم السبت ما قبل الماضي. كانت استقالات رؤساء الحكومة على طول الخط واضحة المعالم، صافية المفردات، ولم يخطر في بال أحد أن تكون الاستقالة محفوفة بهذا القدر من الغموض. فلا استقالة الرئيس صائب سلام عام 1973 كانت استقالة ظلامية ومرتبطة بمنصب قائد الجيش اللواء اسكندر غانم. ولا استقالة الرئيس رشيد كرامي عام 1968 كانت تحتاج الى تفسير. لقد حصل تشابك صلاحيات بينه وبين الرئيس شارل حلو، بسبب خلاف على أقالة قائد الجيش أيضاً، وما انعقد مجلس الوزراء إلا مرة واحدة لإقرار الموازنة.

وسعد الدين الحريري ليس آتياً من كوكب المريخ، وآثاره تدل عليه، وحين يتكلم فإنما يفعل باسم كل المسلمين، وكل اللبنانيين، وخير دليل على ذلك تأييده من قبل الوزير السابق وئام وهاب، والوزير طلال ارسلان، وتغريدة الزعيم وليد جنبلاط. بل كان ذهاب الرئيس أمين الجميّل الى دار الفتوى بعد القصر الجمهوري تضامناً مع رئيس الوزراء المستقيل، وإن بصورة غير رسمية، مؤشراً على ان الزعماء الموارنة لم يكونوا أقل حماسة في التعاطي مع مسألة استقالة الرئيس سعد الحريري، كان هناك تكامل في حلقة الموقف اللبناني. بل كان لافتاً جداً موقف الرئيس ميشال عون وهو يستقبل القائم بأعمال السفارة السعودية في لبنان وليد بخاري حيث قال ان الأجواء التي احاطت بالاستقالة لم تكن موضوع قبول.

كان الجميع يمسكون بخيوط المشكلة كنكبة وطنية، ولكن لم يظهر واحد من أهل السياسة ليضع يده على الجرح.

وكان مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار أقرب أهل القيادات الى ملامسة الجرح، واعتبار الاستقالة في الظروف التي أعلنت فيها لا تليق بالممثل الأول للطائفة السنية في لبنان.

ولئن كان شجب الاستقالة كما جرى التعامل معها أمراً مرفوضاً عند الطائفة السنية، فالسؤال الآن هو: لماذا استقال؟! ولماذا لم يأت الى بيروت حتى الآن وذهب في طائرة سعودية الى عاصمة الإمارات أبو ظبي.

اعلام الدوائر الخارجية رمى الشباك في بحر هذه المسألة، بدون أن يحصل على السمك، بل زاد المشكلة تعقيداً. وهذا يدل على ان للمشكلة عاصمة هي بيروت، ومن مجريات الأحداث في بيروت، ينبغي أن تؤخذ مصادر الأخبار.

ونشهد للرئيس أمين الجميّل بالحياد الوطني، والموقف الشريف، عندما تقدم الشاجبين للاستقالة، والطاعنين في غياب التدرج الديموقراطي. وهذا التدرج يقضي أن يأتي الرئيس الحريري الى بيروت، مهما طال الغياب ويقدم استقالته رسمياً الى الرئيس ميشال عون، ويكون الرئيس عون أمام قبول الاستقالة والدعوة الى استشارات جديدة، واما أن تعتبر الاستقالة مرفوضة لأن هذا الرفض أصبح مسألة وطنية.

كذلك نشهد للرئيس نجيب ميقاتي بأنه لا يفترس المناصب، ولا يصطاد في الماء العكر، بل قال انه غير مرشح لرئاسة الحكومة، ونقطة على السطر. كما كان لافتاً استقبال الرئيس عون ضمن المشاورات رؤساء البعثات الديبلوماسية أن يكون السفير السوري علي عبد الكريم العلي بين زوار قصر بعبدا، وإبداء رأيه في الموضوع، في حين كان حزب البعث الاشتراكي في لبنان يرفض دخول بازار المشاورات.

تجمع وطني لا طائفي

 

وهذا يعني ان 98 بالمئة من أهل السياسة يرفضون استقالة سعد الحريري، ويتعاونون مع الدول الصديقة للبنان في لم شمل الموقف وتدارك ما هو أعظم..

وأفضل ما توصل إليه المتداولون في استقالة الرئيس الحريري أنهم ارتفعوا بها الى مستوى منصة الجامعة العربية، تماماً كما ارتفعت المسألة الفلسطينية، وشبح القنبلة النووية في كوريا الشمالية، بحيث أصبح حل مسألة الاستقالة موصولاً بحبل عالمي، لا بالمشاورات مع السفراء الأجانب وحدهم. كما ان هذه الاستقالة ألبست رداء وطنياً بالزيارة التي قام بها صباح السبت الماضي المطران بولس مطر، نيابة عن البطريرك بشارة الراعي لدار الفتوى وعلى شفتيه استنكار لاستقالة الرئيس الحريري، واعتبارها استقالة وطنية لا استقالة طائفية، ولكن وصولاً الى أين؟! ووفق أي تشريع قانوني؟! ومثله فعل بطريرك الروم الارثوذكس يوحنا العاشر يازجي.

ملامح الأزمة تنبه الى ان الحريري دفع ثمن الحرب البيضاء بين الرياض وطهران. فلبنان بلد عربي يتأثر بروح المسيرة العربية، ولا يستطيع حيال الصدام بين حزب الله والغالبية من اللبنانيين شيئاً. فما يصيب بلداً عربياً لا بد أن يصيب لبنان.

وأرجوحة السياسة دوارة الآن بين السعودية ولبنان. فهذا مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم يعود من عاصمة الأردن عمان بعد مشاورات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي رأى ان المشكلة ينبغي أن تكون محصورة بين الأمن العام السعودي والأمن العام اللبناني، واستخراج الخيط الديبلوماسي الذي يجمع بين البلدين.

وإذا تأملنا الموقف بمنظار المصالح؟! كيف تكون الرؤية الى واقعنا أمام جالية لبنانية في السعودية تعد مئتي ألف انسان؟

وفي غمرة هذه النظرة لا يجوز أن نسقط من الحساب الحضور المصرفي السعودي في لبنان وان كان ذلك مجرد تفاصيل في العلاقة اللبنانية الدولية. فكل بلد في العالم يحتاج الى ضمانات دولية تحمي مصالحه. والقول بأن كل بلد في العالم يستطيع أن يعيش منفرداً مثل <موناكو>، يخطئ في الحساب والتقدير. فحتى فرنسا ذات التاريخ الواسع، لا تستطيع أن تعيش منفردة، ولا بد لصداقات مثل الولايات المتحدة وانكلترا.

زمن <خروتشيف>

دريان-الجميل-1

وفي تاريخ الولايات المتحدة زيجات أميركية ــ فرنسية مختلطة مثل زواج عارضة الأزياء <جاكلين بوفييه> من <جون فيتزجيرالد كينيدي> الذي اغتيل بالرصاص على باب مدينة <دالاس> في ولاية <تكساس> عام 1963، ولا يمكن نسيان تمثال الحرية المهدى من فرنسا الى نيويورك في الولايات المتحدة.

وخذوا كوبا بعد ذلك مثلاً. لقد احتاجت هذه الجزيرة في البحر الكاريبي الى رجلين عملاقين هما <فيديل كاسترو> و<شي غيفارا> الذي سقط قتيلاً في بوليفيا حتى يضربا بالجزيرة نموذجاً عالمياً معزولاً، وقادراً على تهديد أمن الاتحاد السوفييتي زمان رئيسه <نيكيتا خروتشيف>، ولكن الأيام وهي تدور لم تكفل لجزيرة <كوبا> حضوراً واعداً، وكانت في حاجة الى مساندة الرئيس <باراك أوباما> عام 2015 حتى ترفرف بجناحيها.

وهكذا حال لبنان لا يستطيع أن يكون خارج أية رعاية دولية، وهو منذ فجر الاستقلال عام 1943 كان يعتمد على صداقات مثل الملك فاروق الأول ومصطفى النحاس باشا في مصر، والملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله ونوري السعيد في العراق، والجنرال <سبيرس> ورؤساء حكومات انكلترا، ورؤساء وزارات فرنسا مثل <جورج كليمنصو> ومع الأيام دخل الأميركان على الخط عبر سفيرهم <ووزورث>، وأخذوا من انكلترا عصا الرعاية، ولكن مصر الملك فاروق كانت عصا الرعاية العربية.

ويروي الوزير الراحل عبد الله المشنوق في مذكراته التي كتبها وليد عوض انه دعي الى مصر للاجتماع بالرئيس مصطفى النحاس، وكان عليه أن يصلي في المسجد قبل المقابلة بعدما يرتدي البذلة الرسمية اللائقة، ولما لم يكن عنده مثل هذه البذلة، فقد استأجروا له واحدة لم تكن على القياس المطلوب، مما جعل البنطلون يفرقع أثناء الصلاة، فيقول على مذهب أبي حنيف النعمان:

ــ وهل هذا يرضي النعمان؟

من القاهرة أتت بعثة المقاصد بالشيخ صلاح الدين أبو علي الذي اختار الإقامة في طرابلس، وكان شعلة ذكاء في احتفالاتها، كذلك كانت مصر مصدر إشعاع للبنان ولم تكن احتفالات لبنان، ولاسيما جمعية المقاصد في منطقة البربير، تخلو من حضور مصري وتجمع للأدباء مثل ابراهيم عبد القادر المازني، ويوسف ادريس وكامل الكيلاني.

بعد تلك الفترة من الزمان كان على بيروت أن تعتمد على نفسها، وهنا المعاناة الكبرى، لولا أن جاء عهد الرئيس عبد الناصر وجعل للبنان بطاقة ثقافية مفتوحة، سواء في بيروت أم في طرابلس، وكانت صحف بيروت تتلقى المساعدات المالية من السفارة المصرية في بيروت عبر المستشار الصحافي أنور الجمل، وإشراف السفير اللواء عبد الحميد غالب.

زمان مضى وآخر اتصال خارجي بلبنان، تلك المخابرة التليفونية التي تلقاها الرئيس ميشال عون ظهر السبت الماضي من الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> الذي وضع بين يدي لبنان كل ما توفر عند فرنسا من معطيات حول استقالة الرئيس الحريري التي لا تزال تشغل خواطر المسؤولين اللبنانيين الذين يبحثون عن حل للتهدئة، واعتبار الاستقالة فعل ماض وحدثاً جرفته تصاريف الدهر ولم يكن وقفة وطنية تستدعي التحلق حولها، ولاسيما بالنسبة لآلاف طلبة الجامعة اللبنانية التي تلتقي في رحابها كل الطوائف.

المهم بعد ذلك كله: كيف يكون المخرج؟! ومتى يعود الرئيس الحريري الى لبنان و<بيت الوسط>؟!

لا بد في كل الأحوال من مبادرة شخص ما من الحكام العرب، أو الأجانب يرسم خطة طريق لعودة الرئيس الحريري الى لبنان سالماً معافى؟! من يكون هذا الحاكم العربي؟!

وحده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مهيأ لهذا الدور على أساس انه رئيس أكبر بلد عربي في تعداد السكان، وصاحب السوابق المجلية في المنطقة العربية. وكل الدلائل تشير الى مثل هذا الدور.