21 September,2018

استهــداف عــدوان لمصــرف لبــنان رسالــة من جعجـع الى سلامة أم حسابات شخصية لا علاقة للقوات اللبنانية بها؟

 

رياض-سلامةكان يمكن لمناقشة مشروع قانون موازنة العام 2017 أن تمر بهدوء على وقع <التناغم> الحاصل بين المكونات الأساسية للحكومة وللمجلس النيابي على حد سواء، كما كان يمكن أن <يفش> عدد من النواب <خلقه> بإدارة أو أكثر وتبقى الأمور تحت سقف التوافق الضمني على إقرار الموازنة من دون قطع حساب هذه المرة على أساس أن يطبق ذلك السنة المقبلة…

كل ذلك كان يمكن أن يتم بمزيج من الصراخ والتهدئة والصخب، لولا أن نائب رئيس القوات اللبنانية النائب جورج عدوان خرج عن الإطار الخاص بمناقشة الموازنة ليرسم علامات استفهام حول عمل مصرف لبنان وأرباحه ومصاريفه خلال 20 عاماً بحجة أن المصرف المركزي لا يدفع لخزينة الدولة ما تستحقه من رسوم وتعويضات… وذهب عدوان بعيداً الى حد المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق نيابية تتولى الاطلاع على أرباح المصرف ومصاريفه وتجيب عن الأسئلة التي طرحها عدوان. وقد لاقت طروحات عدوان أصداء إيجابية من بعض الكتل النيابية، في حين اعتبرتها كتل اخرى في غير موقعها وخارج السياق الذي تناقش فيه أرقام موازنة الدولة وليس موازنة مصرف لبنان.

وفي وقت أتى فيه الرد سريعاً من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي كان لا يزال في واشنطن لمتابعة اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأكد فيه أن حسابات مصرف لبنان خاضعة للتدقيق من شركتين دوليتين خارجيتين، وان سندات الخزينة لا تشكل الدخل الكلي للمصرف الذي يقبل الودائع من المصارف ويدفع عليها الفوائد، ولديه توظيفات تبين أن مصرف لبنان حوّل خلال الفترة التي تحدث عنها عدوان الى الخزينة 4 مليارات و500 مليون دولار، وان وزارة المال تتلقى دورياً قطع حساب من مصرف لبنان، كانت ردود الفعل التي توالت على كلام النائب عدوان تعطي لحاكم مصرف لبنان دعماً مباشراً، لكنها في الوقت نفسه أثارت علامات استفهام حول الأسباب التي دفعت نائب رئيس القوات اللبنانية الى <رمي> هذه المعلومات غير الدقيقة وصولاً الى المطالبة بلجنة تحقيق نيابية، خصوصاً أن مصدراً في <القوات> سارع الى التأكيد على أن كلام النائب عدوان يعبّر عن رأيه هو وليس رأي قيادة <القوات>. وقد تفاوتت الروايات حول الأسباب الكامنة وراء موقف النائب عدوان وراوح بعضها بين الاعتبارات الشخصية والعائلية، وبين عدم تقديم خدمات معينة الى النائب ومناصريه، الى حديث عن <رسالة سياسية> قررت قيادة القوات اللبنانية توجيهها الى حاكم مصرف لبنان ليكون <أكثر ليونة> في مقاربته مع حاجات <القوات> وخياراتها في مساعدة الناس.

 

لا دور للجنة التحقيق

 

وإذا كان كلام النائب عدوان قد ترك مفاعيله الإعلامية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي في ظل المتابعة الاستثنائية لهذه المواقع، فإن احتمال ترجمته عملياً لن يكون سهلاً لأن القوانين وجدت لخدمة الناس وليس العكس من ذلك. وفي هذا السياق، تقول مصادر نيابية مطلعة إن إمكانية تشكيل لجنة تحقيق برلمانية غير متوافرة راهناً إذا أخذنا في الاعتبار توزع التحالفات النيابية وعدم رغبة كثيرين في المواجهة، لاسيما وأن فتح باب معين سوف يستتبعه فتح أبواب كثيرة، وهذا الأمر لا يحظى بدعم قوي من الجهات الفاعلة. ولعل لتفادي هذا المحظور حصلت اتصالات بعد القاء عدوان كلمته شارك فيها كل من رئيسي المجلس والحكومة ووزير المال والنائب عدوان وبرز فيها التوجه الى لملمة الموضوع، لاسيما وان إثارته من على منبر المجلس النيابي تعطيه بعداً أخطر من أن يتم تلقفه برزمة اتصالات ومواقف، إلا أن المساعي نجحت الى حد ما بحيث أمكن تلافي حصول مواجهة بين الفرقاء الذين يدعمون 8 آذار والذين يناهضونها، فضلاً عن أن فكرة تشكيل لجنة تحقيق برلمانية التي أطلقها الرئيس بري أمام النائب عدوان كخيار من خياراته، كانت دائماً محور بحث حول دورها وما الفائدة منها، لكن <خطورتها> تكمن في أن الرئيس بري هو من لفت النائب عدوان الى إمكانية تشكيلها وكأنه يحثه على فعل ذلك. وهنا تساءلت مصادر متابعة عن سر <التناغم> الذي برز بين الرئيس بري والنائب عدوان، خصوصاً انهما يدركان أن المصرف المركزي يتمتع بحصانة كاملة واستقلالية تامة يوفرهما ويرعاهما قانون النقد والتسليف الذي يشكل الهيئة الناظمة لعمل المصرف، وبالتالي لا سلطة لأي لجنة برلمانية عليه!

 

ما هي رسالة القوات اللبنانية؟

جورج-عدوان 

في أي حال، سواء شُكّلت لجنة التحقيق البرلمانية أو لم تشكّل، وسواء سمح القانون بالتدخل في شؤون مصرف لبنان أو لم يسمح، فإن الثابت ان ثمة ضرراً وقع بمجرد طرح الموضوع بالطريقة <العدوانية> التي طرح فيها، وهو ضرر معنوي ونفسي لم يكن الوقت مناسباً لتحمله. لكن الواضح ان القوات اللبنانية، وإن تتنصّل مصادر فيها من كلام عدوان بوصفه بـ<الشخصي>، فقد تعمّدت إحداث صدمة لممارسة ضغط نفسي على البنك المركزي قبل متابعة الملف لاحقاً. وبرر مصدر فيها ان الغاية من كلام عدوان الإشارة الى ملف تتسمك القوات اللبنانية به وهو شبيه بالملف الآخر الذي أثارته وهو ملف بواخر الكهرباء، والغاية هي جلاء غموض يحيط بهذين الملفين وليس القصد النيل من أي شخص يتولى الإمساك بهذين الملفين بمن فيهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، خصوصاً ان <القوات> كانت من الاطراف الاساسية التي دعمت التجديد له ولا يمكن اتهامها بالابتزاز أو محاولة الاستعراض. وأضاف المصدر ان <القوات> راغبة في المساهمة في إعادة الانتظام الى الوضع المالي، ومن بين النقاط المطلوب الإضاءة عليها مسألة الهندسات المالية التي حصلت في عدد من المصارف والتي لا تزال محور جدال حتى اليوم مع علامات استفهام كبيرة تطرح من هنا وهناك.

وتعتبر مصادر محايدة ان التساؤلات حول مصدر أموال المصرف المركزي التي أشار إليها النائب عدوان لا تقع في محلها لأن للمصرف مصادر متعددة لتأمين المداخيل، والتي يأتي ابرزها من التوظيفات لدى الدولة في سندات الخزينة بالليرة اللبنانية والبالغة نحو 29 ألف مليار ليرة بمعدل وسطي عند 6,83 بالمئة ما يوفر مداخيل بقيمة 200 مليار ليرة، إضافة الى سندات <أورو بوند> تبلغ قيمتها نحو 7 مليارات دولار أي ما يقارب 10700 مليار ليرة بمعدل وسطي عند 6,5 بالمئة ما يوفر مداخيل بقيمة 650 مليار ليرة. في المقابل، لدى مصرف لبنان مصاريف أو نفقات ناتجة عن مدفوعات للودائع المودعة لديها من المصارف بقيمة نحو 128 ألف مليار ليرة. وتجدر الإشارة الى أن المادة 113 من قانون النقد والتسليف تلحظ أن الربح الصافي يتألف من فائض الواردات على النفقات العامة والأعباء، كما يوزع هذا الربح الصافي بنسبة 20 بالمئة للاحتياط، و80 بالمئة لخزينة الدولة.

وبين تفسير من هنا واتهام من هناك، وشرح من هنا وعدم استيعاب من هناك، برزت الى الواجهة الأسبوع الماضي فرضية حول <القطبة المخفية> وراء حملة القوات اللبنانية على حاكم مصرف لبنان، تقول بأن معراب أرادت توجيه رسالة الى الحاكم خلاصتها ضرورة وقف <اندفاعه> وتعاونه غير المشروط مع العهد وكذلك مع التيار الوطني الحر، وسوف تستمر الحملات على تقطع… إذا ما صحت هذه الفرضية التي قد تكون… صحيحة!