18 November,2017

استقالة وزراء القوات اللبنانية طرح جدي أم مناورة انتخابيـة لاخـتـبــار ردود الـفـعــل وتحـسيــن الشــروط... والـحـصــص؟!

غسان-حاصباني-الحريري-bbلم تكن <التسريبات> التي ملأت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في الأسبوع الماضي عن <استقالة قريبة> لوزراء حزب القوات اللبنانية غسان حاصباني، ملحم الرياشي وبيار أبي عاصي، عفوية أو من جهات غير مسؤولة. ذلك أن كل المعطيات التي توافرت لدى المعنيين أكدت أن مصادر المعلومات عن استقالة مرتقبة للوزراء <القواتيين> الثلاثة هي نفسها التي تتولى في أحيان كثيرة نقل مواقف لـ<الحكيم> وللقوات اللبنانية الى وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة. صحيح أن وزراء <القوات> <تفننوا> في التهرب من تأكيد الخبر أو نفيه، متذرعين بوجود الدكتور جعجع في أوستراليا، إلا أن الصحيح ايضاً ان ما قيل عن استقالة الوزراء الثلاثة هدف الى أن يحدث ردود فعل تتعدد أسبابها والنتيجة واحدة، وهي أن ما حصل لا يتجاوز إطار التهويل من جهة، والدعوة الصريحة الى رئيس الحكومة سعد الحريري كي يقف على <خاطر> جعجع في ما يجري من إدارة لشؤون البلاد ولفك حصرية التعامل مع حزب التيار الوطني الحر وتجاهل حزب <القوات> وحاجاته ومطالبه.

ومع انشغال الأوساط الرسمية والسياسية بـ<زوبعة> رغبة وزراء <القوات> بالاستقالة، عادت المصادر المتابعة بالذاكرة الى الجلسة ما قبل الأخيرة لمجلس النواب التي انعقدت في قصر بعبدا حيث كانت المناقشات <حامية> حول ملف تلزيم إنتاج الطاقة الكهربائية بواسطة البواخر التركية بين وزراء <القوات> ولاسيما نائب رئيس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني من جهة، ووزير الطاقة سيزار أبي خليل من جهة ثانية، بحيث بدت معارضة الوزير حاصباني مشهداً متكرراً لكل الجلسات التي تطرح فيها قضية الكهرباء. وعندما اقترح الرئيس الحريري الحل الذي وافق عليه المجلس في وقت لاحق بتمديد فترة تقديم المستندات الناقصة للشركات التي شاركت في المناقصة وتشكيل لجنة وزارية برئاسة الرئيس الحريري لدرس العروض بعد فضها في إدارة المناقصات، رفض الوزير حاصباني أن يكون عضواً في اللجنة الوزارية، معلناً معارضة <القوات> الطرح الذي قدمه الرئيس الحريري الذي دعا على الفور الى تسجيل اعتراض وزراء <القوات> واعتبار القرار متخذاً.

ويروي أحد الوزراء أن ما حصل داخل المجلس <كهرب> الجو أكثر فأكثر بين الرئيس الحريري من جهة ووزراء <القوات> من جهة أخرى، ما استوجب خلوة جمعت الحريري مع وزراء <القوات> في مكان جانبي من قاعة مجلس الوزراء كانت حامية جداً، لاسيما عندما قال الوزير حاصباني إن وزراء <القوات> قد يعيدون النظر في وجودهم في الحكومة، وهنا – تضيف رواية الوزير المعني – انتفض الرئيس الحريري في وجه الوزراء الثلاثة مستعملاً عبارة قاسية، ما استوجب <تطرية> للجو تولاها الوزير غطاس خوري. إلا أن المسألة وإن انتهت في قاعة مجلس الوزراء، إلا أنها تفاعلت في الخارج مع  كثرة <المصادر> التي تحدثت عن الاستقالة، وأخرى قالت ان التريث سيد الاحكام في انتظـــار عــودة الدكتــور جعجــع من الخارج، أمـا غالبيــة الأوساط السياسية فقد رأت في الحديث عن الاستقالة مجرد فكرة تُلقى للتداول ورصد ردود الفعل عليها ليصار الى تقييم الموقف، خصوصاً ان ثمة من نصح في الفريق الضيق لـ<الحكيم> باعتماد نهج يقوم على المعارضة وركب موجات التصعيد لأن ذلك يساعد على استقطاب المزيد من الأصوات في الانتخابات النيابية ويظهر <القوات> وكأنها كانت في صفوف المعارضة في عهد الرئيس العماد ميشال عون، وبالتالي فهي لا تتحمل تبعات أي مشروع طرحه العهد أو سعى الى تحقيقه.

أسباب ومعطيات

إلا أن ذلك لا يعفي من الرد عن تساؤلات كثيرة طرحتها الاوساط السياسية حول اسباب الترويج، وبإلحاح، لاستقالة وزراء القوات اللبنانية، مشيرة الى معطيات عدة أبرزها:

– تزامن الحديث عن استقالة الوزراء مع حلول الذكرى السنوية الأولى لانتخاب الرئيس عون، بحيث ترفع <القوات> صوتاً عالياً لا يضيع مع أصداء الأصوات الأخرى المرحبة في المناسبة، تميز فيه نفسها عن العهد الرئاسي، وإن كان نواب <القوات> لم تكن لديهم أصلاً تلك الحرارة لـ<تفاهم معراب>، لاسيما النائب انطوان زهرا الذي عبّر مراراً عن <انزعاجه> من هذا التفاهم.

– ارتباط الموقف <القواتي> بالشكوى المستدامة من أن التنسيق قائم بين الرئيس الحريري والتيار الوطني الحر من دون ايلاء أي دور لـ<القوات>، لا بل <قمع> وزرائها لدى تدخلهم في مجلس الوزراء. ولعل في تسويق الاستقالة ما يدفع الرئيس الحريري الى إعادة النظر بموقفه ويعيد وصل ما انقطع بينه وبين الوزراء أنفسهم. وتعود هذه الفرضية، في نظر الاوساط المتابعة، الى كون ثمة من يعتقد داخل قيادة <القوات> أن هذه دفعت في سبيل الذهاب الى التسوية الرئاسية التي أتت بالعماد عون رئيساً للجمهورية، لكن <مردود> هذه التسوية لم يكن بالنسبة الى مسؤولي <القوات> على المستوى الذي أملوا بالوصول إليه.

– رغبـــة قيـــادة <القـــوات> فـــي ابقــاء استقالــة الــوزراء <لا معلقــة ولا مطلقة>، واستخدامها كسيف مسلّط على حلفائها في الحكومة قبل خصومهــا، وهـذا مـا دفــع الأمينــة العامة لـ<القوات> شانتال سركيس الى القــول <إن استقالة <القوات> من الحكومة قد تحصل في أي لحظة… وقد لا تحصل>، وهذا الجواب لا يحمل تفسيرات عدة، بل تفسيراً واحداً وهو أن ورقة الاستقالة جاهزة لاستعمالها ساعة تقتضي الحاجة.

– لم تلق رغبة <القوات> باستقالة الوزراء اهتماماً من عدد من الوزراء والنواب ومنهم من فريق القوات اللبنانية نفسه، على أساس أن الجميع يعرف أن مثل هذه الاستقالة غير واردة في هذا الظرف، وإن حصلت، فإن البديل جاهز لملء الفراغ الذي سيتركه غياب الوزراء الثلاثة، ولن يخلق ذلك أزمة وزارية مدوية تعرقل مسيرة الحكومة ومسار العهد. إضافة الى غياب أي جهة اقليمية او دولية في وارد تبني خيار فرط عقد الحكومة الحالية، على الرغم من ارتفاع وتيرة الهجمة على أحد أطراف هذه الحكومة، أي حزب الله، بهدف محاصرته وتقييد حريته تدريجاً.

 

هل وصلت الرسالة؟

 

وترى مصادر متابعة أن <تظاهرة الاحتجاج> التي عبّرت عنها القوات اللبنانية من خلال تسريب الرغبة بالاستقالة انتهت مفاعيلها، لأن الرسالة وصلت الى المعنيين، وهم سيتولون المعالجة وفق الاسس المعروفة سياسياً مع الاخذ بالاعتبار حجم الجهة <المتضررة> ودورها. إلا ان الواضح ان ما حصل زاد الشرخ اتساعاً بين <القوات> والتيار الوطني الحر، وإن كانت المواقف المعلنة ترفض تأكيد وجود نقاط تباعد حقيقية وتتحدث عن <فتور> في العلاقات بين رئيسي <التيار> و<القوات> مع حرص على تحييد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. ولا تستغرب المصادر نفسها بقاء العلاقة متوترة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، ذلك أن ما صدر عن القاعدة في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الاعلام، ما يشير الى تعذر إحياء <نظرية> <أوعا خيّك> المستوحاة من الأغنية التي أعدت بعد نجاح <تفاهم معراب>، علماً ايضاً ان ثمة من يقول إن هذا التفاهم استنفذ أغراضه في الانتخابات الرئاسية ولا مكان له بعد اليوم في الانتخابات النيابية، لأن مشاركة مرشحي <القوات> في لوائح مشتركة مع التيار الوطني الحر ستكون لصالح اللائحة الثانية المنافسة، في حين أن النظام النسبي الذي سوف يعتمد يعطي حظوظ الفوز للائحة الثانية التي يفترض أن تنافس لائحة <التيار< و<القوات> إذا كانت واحدة، والخسارة ستكون لمرشحي <القوات> لصالح مرشحي اللائحة الثانية، خصوصاً في الدوائر التي يتمتع بها <التيار> بدرجة واسعة من التأييد والدعم، و<القاعدة البرتقالية> لن تضع أي صوت تفضيلي من غير مرشحي <التيار>.

والى أن تجد مسألة <الاستقالة> نهاية في موجة التسويق والترويج، فإن أركان <القوات> يكثرون من الحديث عن <الاجحاف> الذي لحق بها من جراء استئثار <التيار> بحصة الاسد من الحصة المسيحية في الدولة، ويقدمون الدلائل الكثيرة حول هذه المسألة، ويبرزون قصاصات صحف نسبت الى مصادر <التيار> كلاماً خلاصته <ان استقالة وزراء القوات… تريحنا>!