14 November,2018

استعادة ”لبنانية القرار“ وتجاوز الخلافات الحكومية وتأكيد الشراكة مع التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب!

11في الوقت الذي انتهت فيه معركة <فجر الجرود> باستكمال تحرير جرود رأس بعلبك والقاع من مسلحي تنظيم <داعش> الإرهابي، وفيما بدا أن لبنان مقبل على تحقيق نصر إضافي بعد سلسلة انتصارات تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، تتوقف الاوساط السياسية عند الجدل الذي رافق مجريات عملية التحرير ودور حزب الله فيها بعد كلام أمينه العام السيد حسن نصر الله وكذلك دور الجيش السوري النظامي، والذي أخذ أبعاداً عدة لاسيما في ما خص ما قيل عن تنسيق <تحت الطاولة> حصل في خلال المواجهات، وهو ما نفت قيادة الجيش حصوله، خصوصاً ان هذا الجدل رفع منسوب التوتر الكلامي بين تيار <المستقبل> والقوات اللبنانية من جهة، وحزب الله والأطراف المؤيدة له من جهة أخرى. وفي اعتقاد الأوساط نفسها أن الانجازات التي حققها الجيش في الجرود غطت في بداية المواجهة على نوعية الجدل وطبيعته، لكن هذه <التغطية> لم تدم طويلاً خصوصاً بعد تراجع حدة القتال وبدء الجيش تنظيف التلال والمواقع التي حررها. ولعل الاهتمام الذي أولته الأوساط الديبلوماسية العربية والأجنبية لأداء الجيش وأسلوبه في مواجهة الإرهابيين <خفف> من حدة المنتقدين الذين –  وإن هم حيّدوا الجيش عن تعليقاتهم – إلا أنهم شككوا بشكل أو بآخر بأن معركة تحرير الجرود كانت لبنانية مئة بالمئة، وهم أوحوا بأدوار لحزب الله وللجيش السوري.

غير أن مراجع متابعة ترى بأن ما قيل تعليقاً على عملية <فجر الجرود> وملابساتها ودور الأطراف الآخرين غير الجيش اللبناني فيها، لم يؤثر على إيجابيات عدة أفرزتها حرب إخراج الارهابيين من الاراضي اللبنانية، وهذه الايجابيات يمكن التأسيس عليها للحد من سلبيات النقاش الذي دار بين الجهات المؤيدة لمشاركة حزب الله والسوريين في الحرب، والجهات الرافضة لذلك.

إيجابيات

أولى هذه الإيجابيات، وفق المصادر المتابعة نفسها، هو تزامن الانتصار الوشيك للجيش مع إطلالات خارجية لرئيسي الجمهورية والحكومة في عدد من دول القرار، لعل أبرزها زيارة الرئيس ميشال عون للأمم المتحدة وفرنسا، وكذلك الزيارات التي بدأها الرئيس سعد الحريري في واشنطن واستكملها في باريس وموسكو. ذلك أن لبنان الرسمي أطل في الخارج وهو نجح في فترة زمنية قياسية في تحرير أجزاء من أرضه من دون مساعدة عسكرية من أية دولة خارجية خلافاً لما حصل في كل من سوريا والعراق، وكان الاتكال على حرفية الجيش اللبناني وخبرته ومناقبية رجاله، علماً أن كميات اضافية من الذخائر والعتاد كانت قد وصلت الى الجيش قبيل بدء معركة <فجر الجرود> خصوصاً من مستودعات الجيش الاميركي الذي تابع خبراء منه مراحل المواجهات بين الجيش و<داعش> باهتمام وشغف.

ثاني هذه الإيجابيات، دائماً وفق المصادر المتابعة نفسها، إبراز لبنانية القرار، ذلك أن السلطة السياسية المسؤولة هي التي اتخذت القرار بتوفير التغطية المناسبة للجيش لتحرير الجرود، من دون أي شريك لها في القرار، لا من الفريق <الممانع> ولا من الفريق <غير الممانع>. ذلك أنه في المرات السابقة التي كان يُطلب فيها أن يتحرك الجيش كان لا بد من أخذ موافقة فريق خارجي، كان في العام 1993 سورياً عند دخول الجيش الى الجنوب، ثم كان دولياً في العام 2006 عندما وفّرت الأمم المتحدة من خلال القرار 1701 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي، الغطاء لانتشار ألوية الجيش حتى الحدود اللبنانية الجنوبية وتطبيق القرار الدولي الذي أعاد الاستقرار الى المنطقة ولا يزال. وإذا كانت <لبنانية القرار> قد تميّزت هذه المرة بجهوزية الجيش لتنفيذه، فإن الارتياح الذي تركه قرار الحكومة اللبنانية وحدها بتحريك الجيش في الأوساط الديبلوماسية العربية والدولية، سوف يشكل حافزاً لمزيد من ممارسة الدولة لاستقلالية قرارها في مجالات أخرى متنوعة.

.. وتجاوز الخلافات

ثالث هذه الايجابيات نجاح حكومة الرئيس سعد الحريري التي تكوّنت نتيجة ائتلاف حكومي من أحزاب وتيارات تختلف على مواضيع أكثر بأكثر من تلك التي تلتقي حولها، في تجاوز هذه الخلافات والانسجام الذي يحكم الأداء الحكومي منذ الولادة والتوحد والاتفاق والتضامن حول قرار بدخول الجيش في معركة تحرير الجرود اللبنانية، مع علمها اليقين بأن هذه المعركة لن تكون سهلة في المعايير العسكرية والسياسية على حد سواء. من هنا برز التضامن الحكومي مع الجيش في توفير الغطاء السياسي الكامل له وكأنه يحصل في دولة <المدينة الفاضلة> لأن ما من قرار حكومي حظي بإجماع الوزراء كما حصل بالنسبة الى القرار المتعلق بالجيش. ولعل خير من عبّر عن هذا <الإنجاز الحكومي> غير المسبوق في حكومة الرئيس الحريري هو رئيس الجمهورية العماد ميشال عون حين قال في جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت في قصر بيت الدين <ان السلطة السياسية فخورة بالجيش، والجيش فخور بما قام به>. واقترن هذا القول بقرار فوري من مجلس الوزراء لم يستمر النقاش فيه ثواني معدودة – خلافاً لما كان يجري عادة داخل المجلس – بتوفير الدعم اللازم للجيش وتخصيص الاعتمادات الضرورية ومنها 10 مليارات ليرة خصصت لتأمين التغذية للعسكريين، والشروع بتوفير المال اللازم لشراء معدات وتجهيزات تتناسب وطبيعة الجرود والبرد القارس لاسيما خلال فصل الشتاء الذي لم يعد بعيداً.

رابع هذه الإيجابيات يرتبط بالأبعاد الدولية والاقليمية التي برزت بعد نجاح الجيش في استئصال بؤر الإرهاب في الجرود، إذ أثبت لبنان شراكته في التحالف الدولي في محاربة الإرهاب المتمثل بـ<داعش> والتنظيمات الإرهابية الأخرى، مع العلم أن مشاركة لبنان في الحرب ضد الإرهاب اقتصرت على استرجاع أرضه ولم تشترك القوى العسكرية اللبنانية بأية معركة أخرى خاضتها الدول المتحالفة، فلبنان لم يرسل جيشه للمشاركة في الحرب في سوريا مع النظام أو ضده، ولا في العراق ولا في أي مكان آخر، بل شارك في التحالف الدولي ضد الإرهاب في ما خص تحرير أرضه وآثر عدم التدخل في أي من الحروب الأخرى التي اندلعت في الجوار. وبذلك حفظ لبنان لنفسه دوراً في أية تسوية يمكن أن تحصل في مرحلة ما بعد القضاء على الإرهاب ولن يتولى أي بلد غيره البحث في ما خص لبنان ودوره المستقبلي. وفي هذا السياق، تقول المصادر المتابعة ان لبنان كان في الماضي <يتفرج> على ما يدور حوله، وقد تولى غيره من البلدان اللعب بالورقة اللبنانية سواء خلال <مفاوضات مدريد> أو في مراحل تالية، أما هذه المرة فالورقة اللبنانية باتت في يد الدولة اللبنانية التي لا يمكن لأحد ان <يعيّرها> بالشعار الذي ساد لفترة في تاريخ لبنان الحديث <ان قوة لبنان… بضعفه>!

وفي تقدير المصادر نفسها ان مسألة التفاوض لمعرفة مصير العسكريين التي طرح السيد نصر الله ضرورة إتمامها بالتنسيق مع النظام السوري، لم تشكل عائقاً أو محاولة ربط ذلك بالجيش وعدم قبول الفريق المعترض أي تنسيق عسكري بين الجيشين اللبناني والسوري، لأن عملية التفاوض هي خطوة سياسية وليست عسكرية بمعنى أن من تولاها – أي المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم – حظي بتكليف من السلطة السياسية التي اسندت إليه هذه المهمة التي تدخل ضمن صلب مسؤولياته كمدير عام للأمن العام. وترى المصادر أن الهامش الواسع لتحرك اللواء ابراهيم يمكّنه من الدخول في تفاصيل بعضها سياسي والبعض الآخر ذات طابع أمني، مما يعني أنه لا داعي لأن يدخل الجيش طرفاً في التفاوض الذي قال اللواء ابراهيم خلال الاحتفال بالعيد الـ72 للأمن العام، بأنه يتم بمعرفة السلطة السياسية وبالتنسيق مع الجيش الذي تمسكت قيادته بالكشف عن مصير العسكريين المخطوفين منذ شهر آب/ أغسطس عام 2014 قبل الإقدام على أي خطوة أخرى.

وفي أي حال، فان الأيام القليلة المقبلة ستشهد فتح صفحة جديدة في تاريخ لبنان الحديث!