15 November,2018

ازدياد نسبــة الاصابــة بـ”الكــريـب“ فــي فصــل الشتـــاء بسبب انتـشــار الفيروسات ولــيس بسبب الـبــرد!

الدكتور-نديم-كنج-الاختصاصي-في-الأمراض-الصدريةبالرغم من ان الناس يرتدون ملابس دافئة خلال فصل الشتاء لتقيهم من البرد الا انهم يُصابون بـ<الكريب>، وسبب زيادة معدلات الاصابة بـ<الكريب> في فصل الشتاء يعود الى طبيعة سلوك الناس، ففي فصل الشتاء يمكث الأفراد لفترة أطول في الأماكن المغلقة مثل المنازل وعلى مقربة من بعضهم البعض، مما يزيد من امكانية الاصابة بفيروسات <الكريب> وانتقالها من شخص الى آخر، وذلك وفقاً للمؤسسة الوطنية للحساسية والأمراض المعدية في الولايات المتحدة الأميركية، كما تشير المؤسسة الى ان الجو الرطب البارد يشكل بيئة أفضل لفيروسات <الكريب>، بالاضافة الى ان الجو البارد يجعل بطانة الأنف جافة وبالتالي أكثر عرضة لدخول الفيروسات.

وطبعاً مع تغير الطقس والاختلاف الواضح في درجات الحرارة بين النهار والليل يُصاب الكثيرون من الأشخاص بـ<الكريب> وقد تصل نسبة الاصابة في بعض العائلات لحدود 70 ــ 100 بالمئة من أفرادها، ويعود ذلك لعدم اتباع الوقاية الضرورية لهذا النوع من الأمراض مما يسهم الى حد كبير في انتشارها في مجتمعنا الذي يعاني من كثير من العادات السيئة حيث لا ينتبه لضررها، ومنها على سبيل المثال عادة التقبيل خلال تلاقي الأصدقاء والتي تنتشر بين الرجال مثلما تنتشر بين النساء، وكذلك الازدحام الذي يحدث في أماكن العمل والمدارس والجامعات والمجمعات التجارية.

وكل فصل من فصول السنة له أمراضه ومتاعبه الصحية بسبب طبيعة الطقس التي تؤثر على صحة الانسان الجسدية والنفسية، فالصحة الجسدية تتأثر بانخفاض درجات الحرارة او ارتفاعها، او ارتفاع نسبة الرطوبـــــة او انخفاضهـــــا، والريــــاح والمطـــر، وأشعة الشمس سواء توهجها او اختفائها، وطول ساعات النهار او قصرها، وكذلك غيوم السماء تؤثر في الحالة النفسية كثيراً بسبب اضطراب هرمونات رئيسية في الجسم.

وان طبيعة مناخ فصل الشتاء من الانخفاض في درجات الحرارة الى الأمطار والرياح وغيوم السماء وقصر النهار وطول ساعات الليل كلها تؤثر في صحة الانسان الجسدية والنفسية، كذلك الانتقال من الجو الدافىء داخل المنزل الى الخارج حيث تنخفض درجات الحرارة يتسبب في الاصابة بأمراض الجهاز التنفسي، لذا فإن متاعب فصل الشتاء الصحية وأمراضه التي تهددنا كل عام تنتج عن انخفاض درجات الحرارة وجفاف الماء وبلل المطر على الصدور والتعرض لهواء الرياح البارد، وكذلك عن استخدام مكيفات الهواء للتدفئة والخروج من الجو الدافئ الى الجو البارد خارج المنزل. وأول متاعب فصل الشتاء في كل زمان ومكان الاصابة بالرشح ومعاناة الزكام وانسداد الأنف ونزلات البرد لأن فيروسات هذه الأمراض المعروفة بجهاز العلوي التنفسي تنتشر في الجو خلال هذه الأيام وتصيب اعداداً كثيرة من الناس، ولا يوجد انسان يتمتع بحصانة ضد هذه الأمراض مهما كان قوياً وسليماً لأن فيروسات الرشح والزكام دائمة التغيير، لذلك من الصعب ايجاد لقاح للوقاية والحماية منها، كما ان نظام حياة الانسان وطريقة معيشته وحالته النفسية تهيئ للاصابة بأمراض الشتاء من رشح وزكام، أما مضاعفات نزلات البرد فهي التهاب القصبات الهوائية والشعب الهوائية والتهاب الرئة والتهاب الجيوب الأنفية، وتكون المضاعفات لدى الأطفال مزعجة وقد يُصابون بالاختناق بسبب التهاب الحبال الصوتية.

الاختصاصي في الأمراض الصدرية الدكتور نديم كنج وانتقال العدوى في فصل الشتاء في الأماكن المغلقة

فلماذا يُصاب الناس بـ<الكريب> في فصل الشتاء أكثر من بقية فصول السنة؟ وكيف يؤثر البرد على مناعة جسم الانسان؟ وهل من نصائح؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على الاختصاصي في الأمراض الصدرية الدكتور نديم كنج، وسألناه بداية:

ــ لماذا يُصاب الانسان بـ<الكريب> في فصل الشتاء؟

– عندما تدخل الفيروسات الى جسم الانسان تجعله عرضة للاصابة بالأمراض، وانتقال العدوى في الشتاء تكون أعلى نسبياً مما هي في بقية فصول السنة، ولاسيما في الشتاء لان الناس يمضون وقتاً طويلاً في المنازل، والأماكن المغلقة، والمجمعات التجارية، والمطاعم، وصالات السينما، أما في فصل الصيف فيقضي الناس وقتاً أكبر في الهواء الطلق وبذلك تنتقل العدوى اليهم أقل بكثير من الشتاء لان البرد يخفف مناعة الانسان مما يزيد الالتهابات. وتجدر الاشارة الى ان هناك عوامل أخرى مثل الرطوبة التي تصاحب البرد في فصل الشتاء وهي تؤدي للاصابة بـ<الكريب> أيضاً، وبالتالي البرد ليس السبب بل الفيروس ولكن عندما يصبح الطقس بارداً تصبح الأمور من حولنا مهيأة بأن تزداد نسبة الاصابة بـ<الكريب> عند الناس، إذ أنه قد يخرج الانسان من منزله اثناء فصل الشتاء مع اشتداد البرد دون ان يكون مرتدياً ثياباً دافئة ولا يلتقط الفيروس فلا يُصاب بالزكام او الرشح، وبالتالي ما يتناقله الناس من جيل لآخر حتى يومنا هذا بأن البرد يؤدي الى اصابة الشخص بالرشح غير دقيق، ولهذا يجب ان يدرك الناس ان الفيروسات في الشتاء هي التي تسبب <الكريب> وليس البرد.

عوارض <الكريب>

ــ ماذا عن العوارض؟

– عند الاصابة بـ<الكريب> العادي تظهر العوارض التالية: ارتفاع الحرارة، وألم في الحلق، وسيلان الأنف، ويتبعه السعال وقد يؤدي الى بعض المضاعفات مثل التهاب القصبات الهوائية او الرئة. وهناك أكثر من 200 فيروس معروف ويسبب <الكريب>، ولكن تجدر الإشارة هنا أنه علمياً الانسان الذي يلتقط أكبر عدد من الفيروسات تصبح مناعته أقوى من شخص لا يلتقط فيروسات <الكريب>، كما ان الشخص الذي يلازم المنزل ولا يعرض نفسه للفيروسات يكون أكثر عرضة لالتقاط الفيروس بشكل أسرع من غيره، ويظن الناس انه كلما جنّب الانسان نفسه التعرض للبرد فلن يُصاب بـ<الكريب> وهذا أمر غير صحيح، كما انه يجب ان يدرك الناس بأنه لا دواء فعالاً ضد <الكريب> اذ عندما يُصاب الانسان بـ<الكريب> ننصحه بتناول أدوية مسكنات تعمل على تخفيض الحرارة كما ننصح بشرب السوائل وان يرتاح في منزله لبضعة أيام حسب حالته لأن التعب والارهاق يعيقان شفاء المريض من <الكريب>، وأحياناً تنتقل العدوى من الشخص المصاب الى الأشخاص المحيطين به دون ان يعلم بأنه مصاب بالعدوى لأنه لا تظهر العوارض في الحال، وبالتالي تنتقل عدوى <الكريب> من الشخص المصاب الى شخص آخر حتى قبل ان تظهر العوارض لديه، ولهذا عندما تنتقل العدوى بين الناس فقد تظهر العوارض بعد يوم او يومين من التقاط الفيروس حتى لو تمّ التقيد بالارشادات الصحية والوقائية مثل الكمامة وما شابه، كما وننصح دائماً بالنظافة لتجنيب الشخص التقاط الفيروس، وعدم استعمال أغراض الشخص المصاب بـ<الكريب>، وغسل اليدين خصوصاً قبل تناول الطعام، والابتعاد عن المصاب بـ<الكريب> لأن الفيروس ينتقل عبر الرذاذ والعطس ومصافحة اليدين، ولهذا تنتقل العدوى في فصل الشتاء بشكل أكبر لأن الناس يتجمعون في أماكن مغلقة مما يؤدي الى انتقال العدوى بينهم أكثر، ومن هنا نرى ان الناس يُصابون بـ<الكريب> في فصل الشتاء أكثر.

 

انتشار الفيروسات والبرد القارس

ــ وهل تنتشر الفيروسات في البرد القارس أكثر؟

– تنتشر الفيروسات في البرد القارس، ولكن ليس بالضرورة ان يظهر الفيروس في الشتاء البارد فقط، ولكن للبرد تأثير في هذا الخصوص حيث يضعف جهاز المناعة حيال دفاعات الجهاز التنفسي فيلتقط الانسان الفيروس بشكل أسرع، كما ان الناس في فصل الشتاء يجلسون في أماكن مغلقة لساعات طويلة دون ان تكون هناك تهوئة حيث لا تدخل أشعة الشمس الى الغرف، وهكذا يصبح الناس عرضة لالتقاط الفيروس بشكل سريع، ولهذا يزداد انتقال الفيروس بين الناس في فصل الشتاء، ولكن هذا لا يعني ان الفيروسات لا تنتشر في فصل الصيف.

أسباب-الإصابة-بالزكام-والرشح ويتابع:

– تختلط الأمور على المريض في ما اذا كان مصاباً بالرشح او <الكريب> فعندما نعاين المريض نسأله عما يشعر به فيظن انه مصاب بـ<الكريب> الا انه يكون مصاباً بالحساسية، ولهذا اذا شعر المريض بألم في الحنجرة او ببعض التعب او بارتفاع قليل في درجة الحرارة، فانه ليس بالضرورة ان يكون مصاباً بـ<الكريب>، وما ان تظهر هذه العوارض يبدأ المريض بأخذ العلاجات، ولهذا نحذر من هذه الممارسات الخاطئة. وعلى المستوى العالمي هناك جدل واسع عما اذا كان يمكن للمريض ان يتناول المضادات الحيوية من تلقاء نفسه او بنصيحة من أهله او أصدقائه او جيرانه… وهذا أمر مألوف في لبنان اذ اعتاد الشخص ان يلجأ الى المضادات الحيوية من تلقاء نفسه دون استشارة الطبيب المتخصص، وبالتالي هناك مفهوم خاطىء بما يتعلق بالمضادات الحيوية لأنه في بعض الحالات لا يحتاج المريض للمضادات الحيوية. ولكن لا يمكن ان نتجاهل هذه الأسئلة المتعلقة بالمضادات الحيوية: هل على الناس تناول المضادات الحيوية؟ وهل يُنصح بعدم تناولها اذا كانت تشكل ضرراً على صحة المريض؟ وهل ستسوء حالة المريض اذا لم يتناول المضادات الحيوية؟ وهنا يجب ان نذكر بأن نسبة كبيرة من اللبنانيين يتناولون المضادات الحيوية من تلقاء أنفسهم، لأنه للأسف يتعذر عليهم تأمين تكاليف المعاينة والعلاجات الى ما هنالك وبالتالي يلجأون الى تناول المضادات الحيوية من تلقاء أنفسهم ظناً منهم ان ذلك أوفر وأفضل، وبأنه سيتم الشفاء بهذه الحالة بدل الذهاب الى العيادة ودفع تكاليف المعاينة وما شابه.

ــ بالعودة الى الإصابة بالأمراض في فصل الشتاء، لماذا يُصاب الانسان عادة بالأمراض في الشتاء؟ وما تأثير البرد في هذا الخصوص؟

– تجدر الاشارة الى ان الناس الذين يعانون من الفقر والعوز يُصابون بالأمراض التي تحدث بسبب الطقس البارد أكثر من الناس الذين يعيشون في الدول المتطورة لأن وسائل التدفئة غير متوافرة في منازلهم، فيما ان الطقس بارد جداً في الدول المتطورة ولكن وسائل التدفئة متوافرة لدى الناس وبذلك يحمون أنفسهم من البرد وأمراضه. ونحن في لبنان ننعم بطقس معتدل ولهذا يتذمر الناس اذا امطرت يوماً او يومين ويرددون ان المطر شديد، او اذا سقطت الثلوج لأيام فنعتبر ان الثلج يغمرنا، ولكن هنا يجب التذكير ان الأمطار لا تتساقط في لبنان بشكل متواصل كما في البلدان ذات الطقس البارد مثل أوروبا الشمالية وأميركا الشمالية، ولا يغيب عن البال ان تلك البلدان مهيأة لمواجهة البرد بدءاً من وسائل التدفئة المتطورة الى بناء المنازل بشكل لا تحدث رطوبة داخلها، وربما لديهم ألبسة دافئة أكثر بكثير من التي نرتديها في لبنان ودول المنطقة والدول الفقيرة، وبالتالي ان البلدان التي تشهد برداً قارساً هي أكثر قابلية لمواجهة البرد منذ مئات السنين، فيما تأتي العواصف في لبنان فتحل بنا الكوارث لأن البلد غير مهيأ بشكل جيد لمواجهة هذه الكوارث، ولأننا لم نعتد على مثل هذه العواصف كما في تلك البلدان التي لا تعاني من هذه المشكلة.

وفي نهاية الحوار سألنا الدكتور كنج:

ــ هل من نصائح وارشادات وقائية؟

– لا شك ان النظافة أمر ضروري وأساسي وهي تقي الانسان من العديد من الأمراض والجراثيم، كما أن استخدام المواد المعقمة ضروري أيضاً، ولا بديل عن الماء والصابون اذ ان الصابون يقضي على الفيروس. كما يجب ان يعلم الجميع بأن البرد لا يسبب <الكريب> بل الفيروس، فأحياناً يرتدي الشخص ثياباً دافئة ويتوقى كثيراً لكنه يُصاب بـ<الكريب> وتكون العوارض شديدة لأنه التقط الفيروس وليس لأنه تعرض للطقس البارد، وبالتالي هناك أقاويل ومفاهيم مغلوطة يتناقلها الناس منذ عشرات السنين، وهي ليست دقيقة وغير مبنية على أسس علمية وطبية، ولهذا يجب التنبه لهذه الأمور تفادياً لحدوث مضاعفات صحية.