11 August,2020

ارتفاع سعر صرف الدولار وضخ أطنان من العملة اللبنانية والأثر السلبي على الوضع المالي!

 

بقلم طوني بشارة

 

بقراءة مالية سريعة نلاحظ أنه ومنذ الثمانينات، يتم إستخدام الدولار رسمياً في العمليات التجارية (البيع والشراء)، ومقابل هذا الإعتماد نرى أن <عملة لبنان> عانت وما زالت تعاني من أزمة تدهور مستمرة أمام العملات الأجنبية. فبلغة الأرقام نرى أن قيمة الدولار الواحد تفوق حاليا في ظل الازمة الـ2100 ليرة، في حين أن الحكومة اللبنانية كانت قد ثبتت عام 1997 قيمة الدولار بـ1500 ليرة لبنانية منعاً لحدوث المزيد من الإنهيار.

 ونعود بالذاكرة الى عام 1981 حيث كانت قيمة الدولار الواحد تساوي حوالى ليرتين ونصف الليرة، ولكن بعد هذا التاريخ وكنتيجة لإستمرار الحرب الأهلية تدهورت للأسف قيمة العملة لتصل إلى 2500 ليرة مقابل دولار واحد عام 1983، وقد ادى هذا الانخفاض الشديد في قيمتها خلال السنوات اللاحقة إلى تدخل الحكومة وتثبيت سعر العملة عند 1500 ليرة لكل دولار.

 

تثبيت السعر والعبء على المركزي!

ومن خلال تصاريح خبراء المال نرى أن سياسة التثبيت هذه شكلت حتى تاريخه عبئاً مستشرياً ومستمراً على كاهل المصرف المركزي اللبناني، الذي أصبح وبشخص حاكمه <رياض سلامة> مسؤولاً عن تعويض فارق السعر بين الدولار والليرة، كما اتبع سياسات هندسية ــ مالية ــ متمثلة بفرض نسبة فائدة مرتفعة على الليرة اللبنانية وذلك لتشجيع وجذب المواطنين على إيداع مدخراتهم في البنوك.

 ولكن الجشع من جهة واللامسؤولية من جهة ثانية دفعا المصرف المركزي للإقتراض من المصارف الخاصة بعد نفاد العملة الصعبة لديه، إضافة الى إتباع هندسات مالية متنوعة أدت الى تراجع كبير في الإحتياطي النقدي القابل للإستخدام، إذ بلغ 18 مليار دولار في العام 2019 مقابل 24.5 مليار دولار في عام 2018. ومما زاد الامر تعقيدا إتخاذ إجراء تعسفي مع نهاية عام 2019 من قبل حاكم مصرف لبنان (قد تكون عواقبه وخيمة على صعيد قيمة العملة) تمثل بضخ حوالى 9 اطنان من العملة الوطنية في السوق المحلي من فئات الـ50 والـ 100 الف ليرة… فكم تبلغ قيمة هذه الاموال؟ وما الأسباب التي دفعت الجهات المسؤولة الى اتخاذه؟ وما التداعيات السلبية الناتجة عنه؟ وما أثر ذلك على سعر صرف الليرة؟

تساؤلات عديدة للإجابة عنها قابلت <الافكار> رئيس مكتب إسطنبول لـ<الاتحاد اللبناني الدولي لرجال الاعمال> الأستاذ سامر صقر، كما نقلت رأي الخبير الاقتصادي الدكتور ايلي يشوعي.

 

صقر والتضخم!

بداية مع الرائد في مجال المال وريادة الأعمال الأستاذ سامر صقر، وكان السؤال المدخل:

ــ هل سيؤدي ضخ حوالى 9 اطنان عملة ورقية من فئة الـ 50 والـ 100 الف في السوق اللبنانية الى أزمة تضخم؟

– لا يوجد أي علاقة منطقية بين ضخ هذه الأموال من جهة وزيادة نسبة التضخم (ارتفاع أسعار السلع في السوق) من جهة ثانية، فما نراه حالياً من تضخم وكما يبدو، ناتج عن عدم توافر العملة الصعبة أي الدولار بين أيدي أصحاب المؤسسات التجارية، وبالتالي يستتبع ذلك وبحكم الواقع توقّف عملية التحويلات الى الخارج أي تحويل ثمن البضاعة المستوردة.

إزاء هذه المعضلة، عمد أصحاب الشركات التي تستورد الى شراء الدولارات من السوق السوداء بزيادة فاقت الـ42% من سعره الرسمي (أي سعر الـ1500 ليرة)، وذلك لإعطائه للمصارف حتى تتمكن هذه الأخيرة من إتمام عملية التحويل الى الخارج، وبالتالي هذا الأمر أثر على أسعار السلع وأدى الى ارتفاعها بنسب فاقت الـ40%.

ــ وما الأسباب التي دفعت حاكم مصرف لبنان الى ضخ هذه النقود؟

– بمراقبة موضوعية علمية أرى أن هناك أسباباً عدة دفعت بحاكم المصرف المركزي الى طلب طبعة جديدة من الأموال، ولست هنا بصدد تعدادها، ولكن أؤكد أنه لو استمر المواطنون باستعمال الطرق المتبعة للدفع، ومنها بطاقات الدفع، لما كنّا بحاجة الى ضخ أموال ورقية في السوق.

 وتابع صقر قائلا:

– وهنا لا بد من التنويه بأن إرتفاع الطلب من قبل المواطنين على النقدي دفع الجهات المعنية الى طبع هذه الاموال تلبية لحاجة السوق.

ــ وهل من قيمة بالأرقام للأموال التي تم ضخها؟

– انّ شحنة الاموال، التي تم إستلامها والتي قدرت من قبل المراقبين للوضع المالي ومن قبل المختصين بـ9 اطنان، غير معروفة قيمتها بعد، على إعتبار انها تشمل فئة الـ50 والـ100 ألف مما يصعب عملية التقدير بالأرقام، ولكنها وبطبيعة الحال ستزيد للأسف من كمية الأموال النقدية بين أيدي المواطنين. ومما لا شك فيه انه ولحسن النتائج المرتبطة بعملية الضخ، كان من الأفضل أن تكون الأموال موجودة في المصارف، لكنّ فقدان ثقة المودعين بالنظام المصرفي دفع المواطنين الى سحب أموالهم.

ــ وهل سيعمد المصرف المركزي بمرحلة لاحقة في حال استمرت الأزمة الى ضخ أموال أخرى في السوق لتلبية الحاجة المتزايدة للعملة؟

– حسب قناعاتي أرى إنّ المركزي لن يضخّ المزيد من الاموال في السوق إنما سيلبّي حاجة السوق الى النقدي في اطار ما يمكن تسميته بلغة أصحاب الشأن بالضوابط المصرفية الموضوعة مسبقاً. فالمركزي وبشهادة أهل الإختصاص، وبهذه العملية لا يزيد من الكتلة النقدية ولا يضخّ بالتالي أموالاً إضافية في السوق، إنما يزيد من العملة بين أيدي المودعين المسحوبة من إيداعاتهم الشخصية.

ــ البعض يعتبر ان توافر السيولة الناجم عن ضخ 9 اطنان عملة سيخفف من الاجراءات التي تفرضها المصارف على السحوبات بالليرة اللبنانية، فما رايك بذلك؟

– أستبعد ذلك لا بل أنفي حدوث هكذا أمر، وأستند بإستنتاجي الى ما يمكن تسميته بالتوازن الناتج عن هذه القيود في السوق الموازي، فبمراقبة ميدانية نرى أن سعر صرف الدولار مستقر على الـ 2000 و 2100 ليرة منذ حوالى 4 أسابيع، وذلك وفقا لالية العرض والطلب.

ــ وكيف يمكن تفسير هذا الاستقرار او التوازن؟ وما أثره على سقف السحوبات؟

– بتفسير دقيق للأمر، أرى أن سبب الإستقرار مرتبط بسوق عرض الدولار الذي يوازي سوق الطلب عليه من قبل المواطنين، فالطلب على الدولار لم يزد لأنّ المودعين في الوقت الحالي غير قادرين على سحب الكمية التي يريدونها من الدولار من المصارف، مما خلقَ توازناً في السوق الموازي.

وتابع صقر قائلا:

– بحسب رأي وللإبقاء على هذا التوازن لن تسمح المصارف راهناً برفع سقف السحوبات، بل قد تلجأ الى التخفيض، وبالتالي هذه الاموال التي تم شحنها من الخارج لن تعوّم في الاسواق، لأنه اذا حصل عكس ما يمكن اعتماده حالياً ستكون العواقب وخيمة.

ــ وهل من تفسير رقمي لهذه العواقب الوخيمة التي أشرت إليها؟

– بالتأكيد، ففي حال تم على سبيل المثال السماح بسحب حوالى 200 مليون ليرة نقداً من المصرف، سيهجم كل المودعين الى سحب أموالهم وتحويلها الى دولار بغية الحفاظ على قيمتها، مما سيزيد الطلب على الدولار بشكل يرتفع معه سعر الصرف الى 3000 وقد يصل حتى الى عتبة الـ4000 ليرة.

يشوعي وطباعة العملة!

وللإطلاع أكثر على حيثيات الأمور نقلت <الأفكار> رأي الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي الذي أوضح بأنّ طباعة العملة يجب أن تراعي أُسساً واضحة، وشدد بأنّ البنك المركزي له الحق بطباعة العملة في ثلاث حالات: الحالة الأولى عندما تزداد احتياطاته من الذهب والعملات الأجنبية وهو ما لا ينطبق على الوضع اليوم بل العكس تماماً، فعالميّاً تتجنب المصارف المركزية طباعة عملاتها المحلّية لما تحمله هذه العملية من انعكاس على القدرة الشرائية للمواطنين، فيما الحالة الثانية هي عندما ترتفع نسب الديون للمصارف التجارية، أما الحالة الثالثة والأهم فهي لتغطية ديون وعجز الخزينة العامة.

ــ وكيف تقيّم الطبعة الأخيرة أي طبع 9 اطنان؟

 – من المؤكّد أنّ الطبعة الاخيرة بـ 13 تريليون ليرة أي 9 اطنان على شكل 50 ألفاً و100 ألف ليرة ليست سوى طباعة تضخّميّة، بما أنّ المركزي لم يسجّل أي زيادة في احتياطاته بل انه يسجّل تراجعاً يومياً، لذا فإنّ هذا المال سيُخصّص لتغطية ديون المصارف وديون الخزينة. وأرى أن الهدف الأساس من عمليّة الطبع كان إنقاذ الدولة من الافلاس، لكنّ حل أزمة السيولة في الخزينة جاء على حساب الليرة وعلى حساب كل من يتقاضى راتبه بالعملة المحلية إن كان في القطاع العام أو الخاص.

ــ إجراء الإستدانة من المصارف التجارية ألم يكن افضل من عملية الضخ هذه؟

– المصارف لم تعد قادرة على إعطاء دين للخزينة، وهناك عجز كبير إن كان في موازنة 2019 او 2020 المتوقعة، وكل هذه المتأخرات على الخزينة تستلزم أموالاً وبالتالي تم الطبع من أجل تلبية ديون إضافية يقدمها البنك المركزي لليرة اللبنانية.

ــ ولكن الن يؤثر ذلك على سعر الصرف؟

– ستكون هناك كتلة نقدية بالعملة اللبنانية هائلة في مقابل إحتياطات تقل يوماً بعد يوم من العملات الأجنبية، وهذا ما سيتسبب بتراجع سعر صرف الليرة اللبنانية تجاه الدولار في الأسواق المحلية. واستبعد هنا احتمال تحويل كل ودائع الدولار إلى الليرة لأن هذا التحويل يتطلب أربعين طناً من الليرة وليس فقط تسعة أطنان.

ــ واين مسؤولية المصرف المركزي؟

– للأسف، المركزي لم يقم بواجبه منذ العام 1993، فهو لم يعمل على صياغة سياسة نقدية، ولم يجهد لتأمين السيولة اللازمة للقطاعات الانتاجية بكلفة تشجّع الاستثمارات، كما أنه لم يسيطر على التضخّم وفشل بالتالي في المحافظة على نسب نمو مرتفعة، بل إنه اكتفى بتثبيت سعر الصرف ورفع معدلات الفوائد.

أما في ما خصّ مستقبل سعر الصرف فيقول يشوعي:

– حكماً سيصل السعر الى 3000 ليرة وهذه مسألة علميّة وليست قضية تنجيم أو ضرب المندل بما أن مصرف لبنان لا يملك القدرة على تغطية قيمة الليرة، إذ ستكون هناك كتلة نقدية ضخمة بالعملة اللبنانية في مقابل إحتياطات من العملات الأجنبية تقلّ يوماً بعد يوم، وهذا ما سيؤدي بلا شكّ الى تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية تجاه الدولار في الأسواق المحلية.