13 November,2018

اثنان وعشرون عاماً على اتفاقية «أوسلو»، وما زالت الدولة الفلسطينية حلماً، وما زال الجرح الفلسطيني ينزف..!  

 

بقلم صبحي منذر ياغي

امجد-ابو-العز5      عام 1991 عُقد مؤتمر مدريد للبحث في السلام العربي الاسرائيلي، على هامش المؤتمر، كما قيل جرت مباحثات سرية اسرائيلية فلسطينية التي ادت الى اتفاق أو معاهدة حول ترتيبات الحكم الذاتي الفلسطيني، والذي عرف فيما بعد باتفاق <أوسلو>، والذي هو اتفاق سلام وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن في 13 أيلول/سبتمبر 1993، بحضور الرئيس الأميركي السابق <بيل كلينتون>. وسمي الاتفاق <أوسلو> نسبة إلى مدينة <أوسلو> النرويجية التي تمت فيها المحادثات السرّية التي مهدت له.

وبنظر المتابعين والمحللين تعتبر اتفاقية <أوسلو> التي تم توقيعها أول اتفاقية رسمية مباشرة بين إسرائيل ممثلة بوزير خارجيتها آنذاك <شمعون بيريز>، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة بأمين سر اللجنة التنفيذية محمود عباس. وشكل إعلان المبادئ والرسائل المتبادلة نقطة تحوّل في شكل العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، التزم بموجبها الطرفان بالآتي:

– التزمت منظمة التحرير الفلسطينية على لسان رئيسها ياسر عرفات بحق دولة إسرائيل في العيش بسلام وأمن والوصول إلى حل لكل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات، وأن إعلان المبادئ هذا يبدأ حقبة خالية من العنف، وطبقاً لذلك فإن منظمة التحرير تدين إستخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وستقوم بتعديل بنود الميثاق الوطني للتتماشى مع هذا التغيير، كما وسوف تأخذ على عاتقها إلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بها ومنع إنتهاك هذه الحالة وضبط المنتهكين.

–  قررت حكومة إسرائيل على لسان رئيس وزرائها <اسحق رابين> أنه في ضوء إلتزامات منظمة التحرير الفلسطينية، الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل للشعب الفلسطيني، وبدء المفاوضات معها. كما وجه ياسر عرفات رسالة إلى رئيس الخارجية النرويجي آنذاك <يوهان هولست> يؤكد فيها أنه سيضمّن بياناته العلنية موقفاً لمنظمة التحرير تدعو فيه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الإشتراك في الخطوات المؤدية إلى تطبيع الحياة ورفض العنف والإرهاب والمساهمة في السلام والإستقرار والمشاركة بفاعلية في إعادة البناء والتنمية الإقتصادية والتعاون.

إعلان المبادئ

عرفات-وحلم-الدولة4  

وينص إعلان المبادئ على إقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية (أصبحت تعرف فيما بعد بالسلطة الوطنية الفلسطينية)، ومجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات، وصولاً إلى تسوية دائمة بناء على قراري الأمم المتحدة 242 و338. بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.

ونصت الاتفاقية كذلك، على أن هذه المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية، بما فيها القدس، اللاجئون، المستوطنات، الترتيبات الأمنية، الحدود، العلاقات والتعاون مع جيران آخرين.

وقد تبع هذه الإتفاقيات المزيد من الإتفاقيات والمعاهدات والبروتوكولات مثل اتفاق غزة – أريحا وبروتوكول باريس الإقتصادي التي تم ضمها إلى معاهدة سميت بـ<أوسلو2>.

أهم ما تنص عليه الاتفاقية:

– تنبذ منظمة التحرير الفلسطينية الإرهاب والعنف (تمنع المقاومة المسلحة ضد إسرائيل وتحذف البنود التي تتعلق بها في ميثاقها كالعمل المسلح وتدمير إسرائيل) (الرسائل المتبادلة –  الخطاب الأول).

– تعترف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية على أنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني (الرسائل المتبادلة –  الخطاب الثاني).

– تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل (على 78 بالمئة من أراضي فلسطين – أي كل فلسطين ما عدا الضفة الغربية وغزة)

– خلال خمس سنين تنسحب إسرائيل من أراضٍ في الضفة الغربية وقطاع غزة على مراحل أولها أريحا وغزة اللتان تشكلان 1.5 بالمئة من أرض فلسطين.

– تقر إسرائيل بحق الفلسطينيين في إقامة حكم ذاتي (أصبح يعرف فيما بعد السلطة الوطنية الفلسطينية) على الأراضي التي تنسحب منها في الضفة الغربية وغزة (حكم ذاتي للفلسطينيين وليس دولة مستقلة ذات سيادة).

 

ردود فعل

نحو-اوسلو2 

ومنذ توقيع اتفاقية <أوسلو> في 13 ايلول/ سبتمبر 1993 شهدت اكثر من دولة عربية ردود فعل جماهيرية رافضــــة لهــــذه الاتفاقية ومن بينها لبنان، اذ وقعت صدامات بين الجيش اللبناني والمتظاهرين تحت جسر المطار ادت الى سقوط عدد من الضحايا والجرحى من الطرفين…

وفي إسرائيل

 

اما في اسرائيل فقد نشأ نقاش قوي بخصوص الاتفاقية، فاليسار الإسرائيلي دعمها، بينما عارضها اليمين. وبعد يومين من النقاشات في <الكنيست> (البرلمان الاسرائيلي) حول تصريحات الحكومة حول موضوع الاتفاقية وتبادل الرسائل، تم التصويت على الثقة في 23 أيلول/ سبتمبر 1993 حيث وافق 61 عضو <كنيست> وعارض 50 آخرين، وامتنع 8 عن التصويت.

الردود الفلسطينية

 

الردود الفلسطينية كانت منقسمة أيضاً. فمنظمة <فتح> التي مثلت الفلسطينيين في المفاوضات قبلت بإعلان المبادئ، بينما اعترض عليها كل من حركة <حماس> و<الجهاد الإسلامي> و<الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين> و<الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين> و<جبهة التحرير الفلسطينية> (المنظمات المعارضة) لأن أنظمتهم الداخلية ترفض الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود في فلسطين.

صرخة--طفولة-من-غزة6  

الدولة الفلسطينية

 

الباحث الفلسطيني ابراهيم عثمان اعتبر في حديث مع <الافكار> <ان فكرة الدولة الفلسطينية قامت في أوائل العشرينات مع بدايات الصراع الوطني الفلسطيني ضد الانتداب البريطاني، وضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأتت <الثورة الكبرى> سنة 1936 لتؤكد تصميم الشعب الفلسطيني على الكفاح لتحقيق الاستقلال. واستمرت الثورة حتى بدء الحرب العالمية الثانية عند توقيع الدول العربية على اتفاق <الكتاب الأبيض> الذي وعدت فيه بريطانيا بإيقاف الهجرة اليهودية وإقامة حكم ذاتي فلسطيني يكون خطوة أولى نحو الاستقلال الكامل. وعندما شنت الحركات الصهيونية الإرهابية (شتيرن والأرغون) هجماتها ضد القرى والمدن الفلسطينية بالاشتراك مع <الهاغاناه> كان الشعب الفلسطيني أعزل من السلاح، محروماً من القيادة، عاجزاً عن الدفاع عن نفسه، مما أدى إلى كارثة 1948 وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم وأراضيهم واحتلال اليهود 78 بالمئة من الأراضي الفلسطينية>.

 

منظمة التحرير الفلسطينية

 

فيما رأى الدكتور علي الجمال خلال حديثه مع <الافكار>: <ان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر القمة العربي عام 1964 في القاهرة شكل بداية الاعتراف الرسمي بحق الشعب الفلسطيني في الكفاح من اجل تحرير ارضه، وكلف المؤتمر ممثل فلسطين أحمد الشقيري بالاتصال بالفلسطينيين وكتابة تقرير عن هذا الاتصال يتم تقديمه الى مؤتمر القمة العربي التالي، فقام أحمد الشقيري بجولة زار خلالها الدول العربية واتصل بالفلسطينيين فيها، وأثناء جولته تم وضع مشروعي الميثاق القومي والنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتقرر عقد مؤتمر فلسطيني عام، وقام الشقيري باختيار اللجان التحضيرية للمؤتمر التي وضعت بدورها قوائم بأسماء المرشحين لعضوية المؤتمر الفلسطيني الأول الذي امتدّ من 28 آذار/ مارس إلى 2 حزيران/  يونيو 1964 والذي أطلق عليه اسم المجلس الوطني الفلسطيني الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد انتخب هذا المؤتمر أحمد الشقيري رئيساً له، وأعلن عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وصادق على الميثاق القومي والنظام الأساسي للمنظمة، وانتخب الشقيري رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة، وكلف المؤتمر الشقيري باختيار أعضاء اللجنة الدائمة الخمسة عشر>.

  

الدولة الفلسطينية

وعاصمتها القدس

في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1988 وفي إجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، أعلن عرفات قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. وصوّت المجلس على قبول قراري الأمم المتّحدة رقم 242 و338، اللذين يعترفان بسيادة كلّ الدول في الشرق الأوسط، ولتكون القرارات مع الحق الفلسطيني في تقرير المصير قاعدة لمؤتمر سلام دولي.

في كانون الثاني/ يناير 1993 أبطلت إسرائيل الحظر على الإتصال بمنظمة التحرير الفلسطيني. وفي أيلول/ سبتمبر 1993، وافق رمضان-عبدالله-شلح3عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي <إسحاق رابين> على توقيع إتفاقية سلام تاريخية مهّدت الطريق لحكم ذاتي فلسطيني في المناطق العربية المحتلة.

وحسب الدكتور هشام شرابي ان قيام الدولة الفلسطينية لن يتحقق في المرحلة المقبلة إلا من خلال صراع شامل – قد يقصر أو يطول-  يؤدي إلى تغيير في موازين القوى ومن ثم إلى عملية سلام جديدة يخوضها الفلسطينيون بواسطة جبهة وطنية موحدة، وتدعمهم الدول العربية من خلال موقف عربي موحد تشارك به بالحد الأدنى دول الجوار والمملكة العربية السعودية، وإلى تبلور موقف دولي لا تسيطر عليه الولايات المتحدة وإنما تشارك فيه إلى جانبها الصين وروسيا على حد سواء، ويرتكز على قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية والرأي العام العالمي.

موقف اسرائيل العنصري

ان حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً ودائماً من ناحية أخرى لن يتم أيضاً إلا بتغيير موقف إسرائيل العنصري إزاء الفلسطينيين والعرب. هذا الموقف الذي يتبناه الإسرائيليون أو معظمهم بمختلف اتجاهاتهم السياسية من اليمين الديني والفاشي إلى الوسط واليسار التقليدي.. يقوم على احتقار العرب والخوف منهم في آن واحد، فمعظمهم غير مقتنعين بأن السلامة والأمن اللذين يسعون إليهما يمكن أن يتحققا بمصالحة الفلسطينيين والعرب، وهم مستمرون في قناعتهم الجنونية بأن سلامتهم وأمنهم لا تحققهما إلا قدرتهم على إخضاع العرب والفلسطينيين إلى الأبد. إنهم لا يرفضون الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وحسب، بل إن بعضهم لا يعترف حتى بوجود <الشعب> الفلسطيني.

 

 <أوسلو> وغزة

ولكن اين اصبح اتفاق <أوسلو> في ظل هذه الهجمة البربرية الصهيونية المستمرة على قطاع غزة، اذ يعتبر الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور رمضان عبدالله شلح أنه <لا يمكن الرهان بأي شكل من الأشكال على استراتيجية المفاوضات، فلا مكان للرهان على المفاوضات، وابحثوا عن مسار المفاوضات في حطام قطاع غزة، مسار <أوسلو> قصفته الطائرات في غزة، ابحثوا عنه تحت ركامها، وعلى الجميع حسم خياراته>.

وبرأي الدكتور امجد ابو العز أن القيادة الفلسطينية الآن في معضلة حقيقية تفاقمت بعد عودة <بنيامين نتنياهو> للسلطة، ورفضه صراحة إقامة دولة فلسطينية. ولكن على ماذا يتفاوض الفلسطينيون اذا كانوا يعلمون أن مفاوضاتهم لن تمنحهم دولة؟ هل يستمر الفلسطينيون في مرحلة السكون والجمود ويستمر نزيف الاراضي الفلسطينية، وتغيير المعالم الجغرافية والإنسانية؟ هل يقلب الفلسطينيون الطاولة ويتخذوا قرار حل السلطة الفلسطينية؟ القرار ليس سهلاً ولا يمكن اتخاذه بين ليلة وضحاها، لتعدد تداعياته القانونية والسياسة والاجتماعية على المجتمع الفلسطيني.

اوسلو-يد-عربية-تصافح-يدا-صهيوينة1وتابع: لماذا هذا الإصرار <النخبوي> الفلسطيني على الاستمرار في عملية السلام على الرغم من عدم تحقيق هذه العملية أي تقدم ملموس؟

 

غصن الزيتون وبندقية الثائر

 

… <أتوجه إليكم بأن تمكنوا شعبنا من إقامة سلطته الوطنية المستقلة، وتأسيس كيانه الوطني على أرضه. لقد جئتكم يا سيادة الرئيس بغصن الزيتون وبندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي… سيادة الرئيس، الحرب تندلع من فلسطين والسلم يبدأ من فلسطين >.

وبهذه العبارات اختتم رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات خطابه الشهير في الامم المتحدة في 13/11/1974.. لقد كانت الدولة الفلسطينية حلمه الابدي منذ ان أعلن قيام حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في 1/1/1965… . وصولاً الى اتفاق القاهرة في 3/11/1969 واقامته ما سمي بـ<فتح لاند> في الجنوب اللبناني، ثم كانت دويلته الصغيرة في محلة الفاكهاني… غربي بيروت.

بعد عرفات استمر الحلم ويستمر… رغم ان هذا الحلم يتعثر مع الجرح النازف دوما في غزة التي تحتفل دوماً بانتصارها على العدو.. يستمر النزيف مع الصراعات والاغتيالات التي يشهدها مخيم عين الحلوة ومع مأساة مخيم اليرموك وأوجاع اللاجئين الفلسطينيين في كل مكان!