26 September,2018

اثــنــــــــان وأربـعــــــون عـامــــــــاً  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

اثنان وأربعون عاماً من الحروب والأزمات المتلاحقة والمشاكل المتراكمة، ليست أمراً عادياً وبسيطاً كي لا نسأل: لماذا؟… وهل كان ذلك ضرورياً وتجربة لا بد منها؟ والى أين؟ أو ماذا كانت حصيلة هذه التضحيات والسخاء المنقطع النظير في البذل والعطاء؟

لم يعد لدينا من الوقت ما نضيعه، لقد ضاق الزمن، وكل لحظة منه، قياساً الى ظروفنا، تعادل عمر إنسان.

أجل، إنها أطول أزمة في التاريخ الحديث للشرق والغرب، ويجب أن نتذكّر أن الحرب على لبنان وفيه فُرضت على اللبنانيين، فلا هم طلبوها ولم يسعوا إليها، ولا يزالون يدفعون أثمان تداعياتها ويفقدون مع الوقت كل القيم الإنسانية.

وليس معقولاً أو جائزاً أن ندعوهم الى معاودة الحياة العادية، وهم في ما هم عليه من تساؤل وقلق واضطراب، كما ليس معقولاً أن نطوي الصفحات المؤلمة من دون أن ننفذ الى الأعماق ونبني المصير على أسس واضحة وسليمة ودائمة.

إثنتان وأربعون سنة مضت، ولا نزال نتكلم عن اسبوع حاسم أو اسبوعين حاسمين، وعن أبيض أو أسود، للكهرباء والمياه والإنترنت والطرقات وسلسلة الرتب والرواتب والصلاحيات والاستشفاء والنازحين واللاجئين والتعليم والفساد والنفايات وقانون الانتخابات والسير والكسارات والمرامل والتلوث والمزارعين ومعاناة الشتاء وجفاف الصيف، واللائحة تطول…

إثنتان وأربعون سنة مضت، تبدّل فيها كل شيء، ولم نعد نميّز بين الصواب والخطأ، بين القاعدة والشواذ، بين المرجعية الصالحة والمرجعية الجاهلة، بين اللغة العربية واللغة الصينية، بين الاداء الحسن والاداء السيئ.

اثنتان وأربعون سنة كانت كفيلة بتدمير الأعصاب والأخلاق والقيم والطيبة والعونة والتسامح والمحبة… والحب.

اثنتان وأربعون سنة، نخر فينا الفساد فأصبحنا شعباً لا يسعى سوى اليه، ولم نعد نهتم سوى بالمال والإثراء، وتبديل الشقق بفيلات وقصور، والمجدرة بـ<الكافيار> و<السومو> و<السوشي>، وفيروز والرحابنة وفيليمون وهبـــــة وعمالقـــــــة آخرين بأقـــــزام أصبحــــوا من كبــــار الأثرياء.

بعد اثنتين وأربعين سنة، يدور في لبنان صراع سوريالي عبثي لا يُصدق حول كل شيء تقريباً.

كل أسبوع بل كل يوم فضيحة مالية، أو اجتماعية أو قانونية، فيما الدولة تنهار ليس في الخلاف على المصلحة الوطنية أو الرؤية الوطنية، بل في النزاع على الحصص، وكل العالم يصوغ لنا قانون انتخابات باستثناء المعنيين بالأمر، وفلاسفة المال يضعون الموازنة إلا الحكومة، والزيادات تعطى لغير مستحقيها بل للمنتفخين في جيوبهم والبطون.

كل هذه المصائب، دُفعت دفعة واحدة في وجه العهد والمطلوب منه أن يحلها دفعة واحدة.

ما المطلوب إذاً؟ مطلوب تمنٍ أن يصارحنا العهد بأسماء الفاسدين والمفسدين، والذين يديرون السياسة ويقررون عن السياسيين بل ما بقي من سياسيين أنقياء…

إن هذا الوطن الذي نستحقه كي يكون، تقع على عاتق العهد الجديد مهمات متشعبة وواسعة ودقيقة.

وهذه المآسي التي تقصف بلبنان منذ اثنين وأربعين عاماً يجب أن تنتهي وفي أقرب وقت مستطاع.

ومن أفظع ما خلفته السنوات الاثنتان والأربعون الماضية، هو القلق الدائم والتساؤل الدائم حول المستقبل والمصير.

ولكن النهاية، إن لم تكن بداية حياة جديدة، أكيدة ومضمونة، أو بداية أمل على الأقل، فمن المؤكد بأن لبنان لن ينهض من كبوته.

وبالنسبة الينا نحن الشعب الصابر والصامد والصامت، نعلن أننا سنواصل الكفاح حتى يتأمن لنا لبنان الجديد، والوطن الذي لا يقتصر تاريخه على الحروب والدماء.

ونذكّر بمقطع بختام كتاب <المذكرات> للكبير فؤاد بطرس إذ قال:

<أصبح لبنان مهدداً في كيانه ووجوده وهويته وقدرته على أن يشكّل وطناً بالمعنى الصحيح بالنظر الى تعارض بل تناقض تصور ابنائه للدولة والوطن ووجهة نظرهم بالنسبة الى الطائفية ودورها بحيث يصحّ أن يتساءل اللبنانيون – الى أي فئة انتموا – والعالم أجمع: الى أي مدى ثمة قابلية لأن يكون لبنان دولة ووطناً بالمعنى الصحيح والسليم؟ هذه هي المعضلة التي ينبغي مواجهتها والتصدي لها من دون مواربة وتكاذب وتحايل…>.