14 November,2018

إيـلــــي صـلـيـبــــي... مــاذا كـــنـت تـريـــد؟

 

بقلم سعيد غريب

 

SAM_5208

المشهد الإعلامي بائس، لم يكن الإعلام في هذا الشرق الموبوء بهذا الجنون من قبل، كان هادئاً وممتعاً، يشرب من الينبوع اللبناني ويغرف من خيرات فكره وعلمه وانفتاحه وثقافته وسعة انتشاره، الى أن تلوث الينبوع وراح يهدر فساداً وتحول من مصنع لأغلى الكلمات الى مصنع لأرخصها..

هذا في اختصار ما حمله معه إيلي صليبي الى عالمه الجديد، وهذا ما انتهى إليه رأيه في الإعلام اللبناني الذي استغنى عن <لمعته> منذ عشر سنوات وهو في عز <شيبته> وافتخر بأنه مرّ في عصره يوم مماته…

كان في عالم نسيانهم على مدى عقد من الزمن، ولما رحل خافوا على مدرسته وشكروه لأنه مرّ من هنا!

حقاً إنه عالم قاتل، خالٍ من الوفاء، يعشق التدمير ويتعاطف مع القتيل.

اقتحم ايلي صليبي الحلبة الإعلامية اقتحام الإعصار، بنظارتيه السوداويين… اقتحم البيوت قبل الألوان، ولما تلوّنت الشاشات انتقل الى المستمعين مقتحماً الملاجئ وأكياس الرمل بصوته المخملي، حتى بات المستمعون الى <صوت لبنان> وفي زمن الحرب ثلاثة: المصدق والرافض والناقل.

في حرب زحلة، كنت اصطحبه من <الهوليدي بيتش> على تخوم جونيه الى الأشرفية بسيارتي <البيجو> وأستلهم منه عناوين نشرة الأخبار <وتبليشتها>.

كان دائم التفكير والبحث عن جديد بعيد عن الإثارة الرخيصة، وعن اللمعة التي افتقدناها منذ عقود، لم يعمل عليها الأستاذ بل كان ينطق بها في أي لحظة. في السيارة، في المصعد، في الملجأ، بين طبقات الإذاعة الأربع، بين <خبرية> وأخرى.

أطلق نشرة أخبار منوعة سمّاها <ليبانوراما> مع ثلاثة مقدمين، ورفع نسبة الاستماع الى أعلى مستوياتها مثلما رفع الدائرة التجارية والإعلانات في عز الإعلان السريع الهضم.

كان صوته يجلجل و<يدربك> الصخور، وكنا حوله مقلدين.

برع في ابتكار المعادلات الإعلامية وفي السباحة بين التيارات ليبقي لـ<صوت لبنان> وبدعم من مديرها جوزيف الهاشم حيّزها من الحرية في أحلك الظروف.

في السنين التي غاب عنها أو غُيّب عنها، ماذا كان ليفعل؟

لعلّه كان سيفتح صفاً لتذكير معظم <الأساتذة> بالفرق بين المقدمة الإخبارية السريعة والموضوعية، والمقدمة الإنشائية التي يعرف المستمع سلفاً مضمونها.

على مدى ست سنوات تقريباً، لم تهدأ تعليقات ايلي صليبي، فملأ صفحته <الفايسبوكية> آلاماً لما آلت إليه مهنة الإعلام والصحافة.

تفاعل معها القراء ولم ينتبه إليها القيّمون على المؤسسات الإعلامية إلا يوم مماته.

سُئل منذ فترة: <ماذا تشاهد؟>، أجاب: <أنا ما بحضر، وعموماً لا أشاهد التلفزيون، بتوجعني معدتي لما أحضر>.

<أنا لا أنتقد التلفزيون، بل أقول إنه غير مبهر، قد يكون مبهراً لمن يشاهده، لا أدري، لكنه ليس هكذا لمن هو في الداخل العارف أنه شيء مضحك، إنه تجليطة>.

<انظري إليهم> يقول للصحافية كوزيت كرم التي أجرت معه المقابلة:

<يجلسون أمام الشاشة وكأنهم يتصورون، أنا تعلمت أصول المهنة من الإنكليز>، (لم أعمل مع الفرنسيين يوماً، هم مثلنا، يحبون الثرثرة والنطنطة).

<التلفزيون قبر، بيقبر كل شيء عندك ويمشّي فقط سياسة المحطة>..

يرفض إيلي صليبي مقولة الزمن الجميل، <كل الأزمنة التـــي مــــرت بلبــنان رديئـــــة إعلاميـــــاً، عــــــن أي زمــــــن جميل نتحدث؟>.

من إعلام ذاك الزمن، صحافي كبير اسمه…. هو نفسه بالرغم من انتمائه الى الزمن الجميل كان يقول <أنا بقبض منك حتى ما أكتب عنك، إذا بدي أكتب عنك بدي دوبل>، كان يقولها بكل صراحة ووقاحة.

ورداً عن سؤال يتعلق بأداء المذيعين والمذيعات والمقدمين يجيب صليبي:

<عن أي مذيعات نتكلم، واحدة شعرها لقدام، وأخرى لورا وثالثة محتارة بين ورا وقدام، ثم من هم هؤلاء لكي ينظّروا علينا؟ ولك أنت يا ابني بعدك طالع من البيضة! لو سألتك عن الحرب العالمية الثانية، هل تعرف عنها شيئاً، أو عن الحرب الباردة مثلاً؟ في البلدان الراقية مذيعو الأخبار عمرهم خمسون سنة وما فوق. فباتت الشبوبية الحلوة تذكرة المرور، لا بل بات المعيار أن يكون المقدم نص نص كالكثيرين ممن نشاهدهم>.

عزيزي ايلي:

أنت علمتنا حب الوطن النظيف والإعلام النظيف، كنت عميلاً للبنان وعدواً لعدوّه وأستاذاً لكثيرين، إلا أنه فوق ذلك كله كنت الإنسان الطيب والزوج الطيب والأب الطيب والجد الطيب.

من كان ايلي صليبي؟ وماذا كان يريد؟ الجواب لدى أبو الطيب المتنبي:

<يقولون لي من أنت في كل بلدة، وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمّى… وإني لمن قومٍ كأن نفوسهم بها أنف أن تسكن اللحم والعظما…>.