14 December,2018

إيران على وشك أن تقبل بتسوية تاريخية عام 2019!

بقلم خالد عوض

لا شك أن مفاعيل العقوبات الأميركية على إيران لم تتبلور بعد، خاصة أن دولا مثل اليابان وكوريا الجنوبية أعلنت أنها بفعل الاستثناء الأميركي لها ستعود إلى استيراد النفط من إيران مع بداية العام المقبل، ولكن هناك حدث متوازٍ يؤذي الاقتصاد الإيراني ويمكن لاستمراره أن يهدد بقاء نظام الثورة الإسلامية أكثر من أي وقت مضى، إنه سعر النفط الذي تراجع أكثر من ٢٥ بالمئة خلال الشهرين الأخيرين.

 

الولايات المتحدة أولى نفطيا!

 

أحد أهم الأسباب المباشرة لتراجع سعر النفط هو الزيادة الكبيرة في الإنتاج الأميركي، فقد تبين مؤخرا أن الولايات المتحدة زادت الكميات المستخرجة من النفط الصخري بشكل أسرع بكثير من المتوقع حتى وصل مجموع إنتاجها إلى أكثر من ١١ مليوناً ونصف مليون برميل يوميا مع توقعات أن يتجاوز ١٢ مليون برميل يوميا مع بداية ٢٠١٩، أي أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم عام ٢٠١٨ وذلك لأول مرة منذ أكثر من عشرين سنة. في المقابل بدأت الحرب التجارية التي بدأها الرئيس الأميركي مع الصين تلقي بظلالها على اقتصاد الأخيرة، التي اضطرت إلى التلاعب بعملتها وخفضتها حتى تحافظ على مستوى الصادرات نفسه وتلتف على الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة على معظم بضائعها. نمو الاقتصاد الصيني أصبح في خطر حقيقي بعد أن تراجع مؤخرا إلى أقل من ٦،٥ بالمئة في الفصل المنصرم وهو أقل مستوى منذ الأزمة المالية عام ٢٠٠٨. وتشير التوقعات أن النمو يمكن أن ينخفض إلى أقل من ٦ بالمئة عام ٢٠١٩ إذا لم تتدارك الصين الحرب التجارية القاسية التي اعلنها <دونالد ترامب>. الصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم وقد وصلت الكمية التي تستوردها إلى أكثر من ٩ ملايين برميل يوميا، ولكن استمرار تراجع النمو سينعكس عاجلا أم آجلا على حجم الاستيراد النفطي أي على الطلب العالمي في ظل تنامي العرض وهذا يفسر أيضا نزول الأسعار. ورغم إعلان السعودية عن إمكانية تخفيض جديد في إنتاج <أوبيك> لتحقيق استقرار الأسعار، ولكن لا روسيا ولا الولايات المتحدة متحمستان له، وعندما لا تلتقي توجهات أكبر ثلاثة منتجي النفط في العالم فإن سعر النفط لا يمكن أن يرتفع.

 

إيران وتحدي موازنة ٢٠١٩!

 

كل الدول النفطية الكبيرة تتأثر مباشرة بسعر النفط، من ليبيا وفنزويلا ونيجيريا وصولا إلى روسيا والسعودية وإيران، فموازنتها تعتمد عليه ولو بشكل متفاوت بين دولة وأخرى. بالنسبة إلى دول الخليج لا يزال النفط هو المحرك الأول للنمو الاقتصادي. كذلك بالنسبة لإيران التي يشكل النفط والغاز أكثر من ٨٠ بالمئة من مجموع صادراتها وتعتمد موازنتها بأكثر من ٥٠ بالمئة على مداخيلها النفطية. مع إنهيار الريال الإيراني الذي لا زال سعر صرفه أعلى من ٩٠ ألفاً مقابل الدولار (السعر الرسمي لا زال ٤٢,٠٠٠ ريال للدولار)، وتجاوز البطالة مؤخرا ١٢ بالمئة وأكثر من ٢٨ بالمئة بين الشباب، ووصول التضخم إلى أكثر من ٣٠ بالمئة، زاد إنسحاب الشركات الغربية وحتى اليابانية من الأسواق الإيرانية طين العقوبات الأميركية بلة، وأصبح الاقتصاد الإيراني في مواجهة تحديات لم يسبق أن شهد مثلها منذ قيام الثورة عام ١٩٧٩. التحدي الأكبر أمام الرئيس الإيراني حسن روحاني هو كيف ستواجه حكومته بعد شهر معضلة الموازنة المقبلة التي من المفروض أن تكون تقشفية إلى أبعد الحدود، فهي بحاجة إلى سعر نفط أعلى من ١٠٠ دولار للبرميل حتى تسد العجز المتوقع لفترة آذار (مارس) ٢٠١٩ – آذار (مارس) ٢٠٢٠. هذا فقط في حال لم توقف الولايات المتحدة الاستثناءات التي منحتها لليابان وإيطاليا والهند واليونان وتايوان وتركيا وكوريا الجنوبية والصين، والتي سمحت من خلالها <مؤقتا> للدول الثماني أن تكمل استيرادها للنفط الإيراني. أما إذا لم يتطور الموقف الإيراني من المفاوضات مع الولايات المتحدة فهناك خطر أن تتراجع صادراتها النفطية من حوالى 2.5 مليون برميل إلى أقل من مليون ونصف مليون برميل يوميا أي أنها ستخسر حوالى عشرين مليار دولار سنويا، ومع تدهور سعر النفط مؤخرا يمكن أن تخسر أكثر من ١٠ مليارات دولار إضافية، أي هناك خطر حقيقي بإختفاء ٣٠ مليار دولار سنويا أي أكثر من ثلث الموازنة الإيرانية، وهو رقم لا يمكن للنظام الإيراني أن يتعايش معه مهما كابر ومهما حاولت الصين وروسيا مساعدته.

 

اليمن أولا… سوريا آخرا ولبنان في أي وقت!

 

رغم الكلام أن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي <بنيامين نتنياهو> إلى عمان هي جزء من التطبيع الإسرائيلي المستجد مع بعض دول الخليج، بدأ يتبين أن مضمون المحادثات لم يكن فقط الوضع الفلسطيني بل الحديث عن بعض الأفكار الإيرانية لنوع من التهدئة الطويلة المدى مع إسرائيل. فعمان حافظت على خطوط التواصل مع إيران ولعبت وربما لا تزال دور صندوق البريد بين الأميركيين والإيرانيين، وأحد شروط الولايات المتحدة في أي مفاوضات ممكنة مع إيران ليس أمن الخليج بقدر ما هو أمن إسرائيل. إيران تعلم ذلك جيدا وتعرف أن أي تنازل أميركي، اقتصادي أو سياسي، يجب أن يحظى برضا إسرائيلي. الإشارات الإيرانية الإيجابية الأولى جاءت منذ أيام من حوثيي اليمن الذين اعلنوا التوقف عن إطلاق الصواريخ على الأراضي السعودية. ومع إشتداد الضغط الاقتصادي على إيران من المتوقع أن تبدأ إيران بوضع بعض الأوراق الإقليمية على طاولة المفاوضات. لن تسلم إيران كل أوراقها في الصراع مع إسرائيل، وخاصة حزب الله فهذا خط أحمر استراتيجي، ولكنها بالتأكيد لن تستمر بالزخم الهجومي نفسه الذي دأبت عليه منذ مدة، ويمكن أن تفرج قريبا عن حكومة في لبنان وتبدأ بتخفيف النشاطات العسكرية في سوريا.

يبدو أن ٢٠١٩ ستكون سنة التسويات… راقبوا سعر النفط حتى تتأكدوا من ذلك!