16 November,2018

إنجـازات تحقـقــت أمنيــاً وانتخابيــاً ونفطيــاً وماليــاً ومائيــاً وأخـرى تعثــرت كهربائيــاً وبـيـئـيــاً واقتصاديــاً واجتماعـيــاً!

على رغم أن الحوار التلفزيوني الذي بث ليل الأربعاء الماضي مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كان مخصصاً للحديث عن الذكرى الثانية لانتخابه رئيساً للجمهورية، وبالتالي يقتضي الحديث عن إنجازات العهد خلال الثلث الأول من ولايته، فإن تطورات الأحداث المحلية والإقليمية والدولية قادت الرئيس عون ومحاوريه الى مناقشة مسائل أخرى <غطت> على ما تحقق من إنجازات سياسية وأمنية واجتماعية، مقارنة مع تلك التي وعد بها رئيس الجمهورية في خطاب القسم، الذي تبنت حكومة الرئيس سعد الحريري أجزاء كبيرة منه وعملت على جعلها واقعاً منذ تشكيلها وحتى اعتبارها مستقيلة بعد الانتخابات النيابية. صحيح أن الأشهر الخمسة التي انقضت من حزيران/ يونيو حتى نهاية تشرين الأول/ اكتوبر الماضي لم تشهد أي نتيجة عملية بفعل تعذر انعقاد مجلس الوزراء في فترة تصريف الأعمال، إلا أن ذلك لم يمنع استكمال تنفيذ العديد من المشاريع التي كانت قد بدأت في الأشهر التي سبقت استقالة الحكومة، والتي تشير الأرقام الى أنها عقدت 72 جلسة توزعت على 33 جلسة في قصر بعبدا، و38 في السراي الحكومي وجلسة واحدة في قصر بيت الدين، ونتج عن هذه الجلسات صدور 2824 قراراً، و3868 مرسوماً ما بين عادي ومقرر في مجلس الوزراء، إضافة الى إحالة 66 مشروع قانون الى مجلس النواب، علماً أن عدد القوانين التي صدرت منذ بداية عهد الرئيس عون بلغ 95 قانوناً.

ويتحدث المطلعون على إنجازات العامين الأولين عن أبرز ما تحقق على الصعيد السياسي، وهو إقرار قانون الانتخابات على أساس النسبية مع الصوت التفضيلي والذي تمت الانتخابات النيابية وفق مندرجاته، ما حمل الى مجلس النواب تمثيلاً لم يقتصر فقط على فائزين بالتزكية أو بالأكثرية، بل ايضاً على نواب سبق أن أسقطهم نظام الاكثرية، إضافة الى نواب جدد دخلوا الندوة البرلمانية للمرة الأولى. كذلك تحقق حدث آخر لا يقل أهمية عن الانتخابات، وهو إقرار موازنتين: الأولى عن العام 2017 والثانية عن العام 2018، وذلك للمرة الأولى منذ العام 2005. وقد صدرت قوانين عدة كان أبرزها الحق في الوصول الى المعلومات، وحماية الحيوانات والرفق بها، وإنشاء محافظة جديدة في جبل لبنان هي محافظة كسروان – جبيل، ومعاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وقانون المياه، واتفاقيات قروض لمشاريع إنمائية في مختلف المناطق، إضافة الى تنظيم عدة مهن حرة.

 

النفط والاقتصاد والكهرباء!

ولعل الأبرز على الصعيد الاقتصادي، كان إصدار المراسيم التطبيقية التي سهلت إطلاق دورة التراخيص لاستشكاف عمق البحر والتنقيب عن النفط، وتوقيع 3 اتفاقيات مع شركات عالمية، فيما بدأت التحضيرات لإطلاق الدورة الثانية، في وقت حصلت محاولات أميركية لإيجاد حل للحدود البحرية الجنوبية لم يتم التوصل الى أي نتيجة ترضي لبنان من خلالها. ومع التزام الحكومة، استناداً الى خطاب القسم، المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي، فقد بقي هذا الاستقرار قائماً على رغم إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وتخطي الملابسات التي رافقت إعلان الرئيس الحريري استقالة حكومته من الرياض في الظروف المعروفة. ومع نهاية الولاية الثانية، أنجزت مؤسسة <ماكينزي للاستشارات الدولية> خطة النهوض الاقتصادي التي عرفت بـ<الخطة الاقتصادية الوطنية> والتي يفترض ان تقرّها الحكومة الجديدة وتباشر وضعها موضع التنفيذ. أما في قطاع تكنولوجيا المعلوماتية والاتصالات، فلم ينجز أي مشروع ملموس، في حين صدر مرسوم إطلاق خدمات <الانترنت> عبر الألياف البصرية للأفراد والشركات والمؤسسات ذات الاستعمال المكثف وتعديل وخفض تعرفة رسوم خدمات الانترنت ذات الحزمة العريضة وخدمات خطوط الانترنت والخطوط الرقمية.

أما <علّة العلل> فكانت الكهرباء التي تعثر فيها المضي في مشاريع تأمين الطاقة بشكل مستدام نظراً للمواقف السياسية التي فرملت الخطط التي كانت قد وضعت منذ سنوات، لكن الحكومة استطاعت في آخر جلسة لها قبل أن تعتبر مستقيلة إقرار سلسلة خطوات، منها الموافقة على إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح حيث سوف تتولى شركات إعلان هذه المهمة وإطلاق مناقصات لتأمين طاقة إضافية واستجرارها أو استخدام البواخر أو أي طريقة أخرى في موقعي دير عمار والزهراني، إلا أن الموافقة <الاستلحاقية> لمجلس الوزراء على المشاريع الخاصة بالكهرباء لم تؤتِ الثمار المرجوة، فظلت أزمة الكهرباء نقطة غير مضيئة في مسيرة العهد والحكومة في العامين المنصرمين من عمرهما. في المقابل خطت عملية استكمـــــال خطة السدود المائية خطوات سريعة حين بــــدأ العمـــل في ثلاثــــة سدود دفعة واحدة، فيما تم تعيين رؤساء مجالس الإدارة والمديرين العامين لمؤسسات المياه، ويحرص الرئيس عون على تفقد الأعمال في هذه السدود كلما سنحت له الفرصة.

النفايات والسير والتلوث!

وثمة مشاكل حيوية عولجت بشكل جزئي أو هي لم تعالج على نحو سليم، ومنها أزمة السير وما يتصل بالقانون الذي صدر لكنه بقي حبراً على ورق إذ يتم تطبيق النواحي الردعية فيه (محاضر السير، المخالفات إلخ…) وتنسيق اللوحات وتوحيدها، فيما تتعثر عملية الوصول الى خطة متكاملة للنقل وأخرى فعالة للحد من الازدحام الخانق الذي تعاني منه الطرق والأوتوسترادات اللبنانية. كذلك فإن ملف النفايات لم ينجز على نحو مطمئن إذ تمت الموافقة على دفتر الشروط لإنشاء معامل التفكك الحراري، واستكمال الاعمال في مطمري <الكوستا برافا> وبرج حمود ودراسة توسيعهما، واستحداث معمل للتسبيخ بقدرة 750 طناً يومياً، وتوسيع مكبي <الكوستا برافا> وطرابلس، إلا أن النقطة السلبية في هذا الملف تكمن في عدم التوافق على المواقع التي اعتمدتها اللجنة الوزارية المتعلقة باقتراح تحديد موقعين مركزيين للتفكك الحراري في كل من دير عمار والجية، وتسهيل عمل بلدية بيروت لإنشاء مركز تفكك حراري في نطاقها البلدي. وكما أن ملف النفايات لم يجد خواتيم سعيدة، فإن مشكلة تلوث مياه نهر الليطاني ظلت من دون حلول عملية على رغم تكليف وزارة المالية التقدم من البنك الدولي بطلب لقرض إضافي في موضوع حماية بحيرة القرعون ونهر الليطاني، وتكليف وزارة البيئة إعداد خارطة طريق لمكافحة التلوث لكل الأحواض تدريجاً بالتعاون مع الإدارات المعنية.

وفيما لا يزال البرنامج الوطني لمكافحة الفقر مستمراً انطلاقاً من التزام العهد والحكومة تحسين وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعية، فإن الاستراتيجية الوطنية العامة لمكافحة الفساد التي وُعد بها اللبنانيون لم تبصر النور على رغم تعيين وزير دولة لشؤون مكافحة الفساد هو نقولا تويني، وملء المواقع الشاغرة في الهيئات الرقابية والقضائية ولاسيما منها التفتيش المركزي والتفتيش القضائي. كما صدرت تعيينات في مراكز الفئة الأولى الشاغرة، وتم تعيين أعضاء في بعض مجالس إدارة المستشفيات الحكومية (الكرنتينا، البوار، جزين، زحلة، صيدا، طرابلس)، ولم يغب  ملف المهجرين عن اهتمامات رئيس الجمهورية حيث تم تأمين اعتماد بقيمة 40 مليون دولار أميركي لاستكمال المصالحات، في حين لم يتم عرض أي مشروع قانون لإنهاء ملف المهجرين وإلغاء الوزارة، علماً أن الحكومة كانت تعهدت بذلك.

غير أن الأبرز على الصعيد الوطني العام كان نجاح عملية <فجر الجرود> التي تحقق فيها طرد جميع الإرهابيين من تنظيمي <داعش> و<النصرة> إضافة الى كشف مصير العسكريين المخطوفين، ورصد وتوقيف شبكات إرهابية عدة. ولقي نجاح الجيش في تنفيذ هذه العملية دعماً دولياً واسعاً، وانعقد مؤتمر <روما -2> حيث تقرر فيه تقديم المساعدات للجيش والقوى الأمنية لتتمكن من تعزيز الأمن والاستقرار في البلاد، في وقت يفترض أن يتم في السنة الثالثة من الولاية الرئاسية درس الاستراتيجية الوطنية للدفاع، والبحث في اللامركزية الإدارية، ومتابعة ملف النازحين السوريين الذي لم يفتح كما يجب واقتصرت موجات العودة على أعداد محدودة من النازحين لم يتجاوزوا الـ60 ألف نازح. كذلك ستكون من مسؤولية العهد في سنته الثالثة، مع الحكومة العتيدة، متابعة تنفيذ قرارات وتوصيات مؤتمر <سيدر> الذي انعقد في باريس بمشاركة 37 دولة، وبلغ حجم القروض والهبات المقدمة للبنان حوالى 10,5 مليار دولار أميركي، والذي استند على مشروع أقرته الحكومة ويرتبط بالبرنامج الاستثماري الوطني للبنى التحتية.

ويرى القريبون من قصر بعبدا، أن الطموحات كبيرة في السنة الثالثة من العهد التي بدأت في الأول من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، لاسيما لجهة حماية الاستقرار النقدي والمالي والاقتصادي، كما نجح العهد والحكومة في حماية الاستقرار الأمني، لاسيما وأن المؤشرات تدل الى <مرحلة ساخنة> يتوقع أن تمر بها البلاد بعد العقوبات الاميركية والضغوط التي تمارس على أكثر من صعيد.

فهل يحقق العهد ومعه حكومة لم تولد بعد، ما يريد اللبنانيون الذين ذكرت عينة عشوائية منهم في الحوار التلفزيوني أن أولوياتها تبقى: مكافحة الفساد، تحقيق العدالة، تأمين الكهرباء، إيجاد حل لمشكلة النفايات، مراقبة أقساط المدارس، وغيرها من المطالب الحيوية الأخرى وفي مقدمها تأمين فرص عمل ومكافحة البطالة!