21 May,2018

إلى أين تتجه البورصات الأميركية... والدولار معها؟!  

بقلم خالد عوض

riad salameh

الخضات المالية التي حصلت منذ أيام لا علاقة لها باستلام <جيروم باول> منصبه على سدة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلفاً لـ<جانيت يلين>. الرجل لم ينبس ببنت شفة بعد والأسواق لاقته بهبوط حاد ذكرنا بأيام الأزمة المالية عام ٢٠٠٨. ماذا حصل يوم الإثنين ٥ شباط (فبراير) ٢٠١٨؟

 

نمو اقتصادي ولكن

الاقتصاد الأميركي يبدو بالظاهر أنه يحلق مع نمو تصاعدي يمكن أن يصل إلى ٤ بالمئة في الربع الأول من هذا العام، والبطالة متجهة إلى النزول تحت ٤ بالمئة، ومرتبات الموظفين في إرتفاع… كل هذا يعني أن التضخم يلوح في الأفق وبالتالي من المفروض أن يستمر البنك المركزي الأميركي في سياسة رفع الفائدة. ولكن إذا كان كل ذلك معروفا إلى حد ما لماذا هبط مؤشر <داو جونز> أكثر من ١١٠٠ نقطة مسجلاً أكبر هبوط في تاريخه على مستوى النقاط وليس بقياس النسبة المئوية؟ شبح التضخم وزيادة الأسعار في الولايات المتحدة سيؤديان إلى تراجع في سعر الدولار، مما يعني أن زيادة سعر الفوائد ستتسارع هي أيضا حتى تحاول لجم التضخم، وسيؤدي ذلك من جديد إلى هبوط آخر في البورصات. الأسواق المالية قرأت بيانات الوظائف الإيجابية جدا على أنها تأكيد لسياسة سعر الفائدة بل ذهبت أكثر من ذلك معتبرة أنها بداية نهاية الطفرة الاقتصادية الأميركية خاصة مع صدور التقديرات بالعجز السنوي في الموازنة والذي سيتخطى ألف مليار دولار عام ٢٠١٨.

 

إدمان على التحفيز المالي الإصطناعي؟

ولكن آخر مرة كان العجز الأميركي يناهز ألف مليار دولار كان الاحتياطي الفيدرالي يضخ ٨٥ مليار دولار شهريا من السيولة وكانت الفائدة صفراً، أما اليوم فالفوائد المرتفعة نسبيا على الدولار يمكن أن تصل بالدين العام الأميركي إلى مستوى قياسي لن تستلطفه الأسواق المالية، كما أن الإحتياطي الأميركي كان قد أعلن عن نيته ترشيق موازنته وبيع السندات التي اشتراها أي أنه سيحاول سحب بعد السيولة من الأسواق. هل يمكنه ذلك بعد الذي حصل يوم الإثنين؟

هناك حلقة مفرغة يبدو أن اقتصاد الولايات المتحدة شارف على الدخول فيها وهي عبارة عن ضعف بالدولار وهبوط للبورصات مع رفع للفوائد وصعود للدين العام. ما تعيشه اليوم البورصات الأميركية هو تنفيس للإنتفاخ الذي حصل من جراء التخفيف الكمي الذي نتج عن ضخ مئات مليارات الدولارات في الأسواق على مدى سنوات واختراع سيولة وهمية… ها هو الاقتصاد اليوم يعاني من التخلص منها. مخطئ من يحاول التنبؤ بإتجاه الأسواق لأن الوضع الذي نحن فيه لم يحصل قبل ذلك، إذ لم يسبق أن حاول الإحتياطي الفيدرالي تصحيح ميزانيته بسحب السيولة ورفع الفوائد في ظل هذا المستوى من الدين العام  ومع وصول البورصات إلى قيم سوقية تاريخية. يبدو أن الاقتصاد الأميركي أصبح مدمنا على التخفيف الكمي مثلما هي أوروبا اليوم. من دونه من الصعب أن تنتعش الأسواق من جديد لانها انتفخت لدرجة كبيرة trumpبسببه، وعند أول إشارة تضخم جدي فوق ٢ بالمئة أو رفع متواصل للفوائد تفقد في يوم واحد ما يقارب ٥ بالمئة من قيمتها.

مالية لبنان إلى أين؟

مفاعيل ما يحصل في الولايات المتحدة ستطال لبنان، فالبلد يشهد قفزة كبيرة في عجز الموازنة وفي الدين العام من دون أن تتبلور ملامح النمو الاقتصادي. الرهان على الغاز طويل المدى، وفي ظل الأداء السياسي الحالي وشبهات الفساد حول كل شيء لا يمكن الإطمئنان إلى مداخيل الغاز المعلنة. كل المؤشرات تؤكد أن دين لبنان سيتخطى ١٠٠ مليار دولار قبل نهاية ٢٠٢٠، وفي حال استمر الاقتصاد على ركوده والأسعار على ارتفاعها بسبب التضخم الآتي من سلسلة الرواتب والأجور وملحقاتها، فلن يكون باستطاعة البلد توفير تمويل لخدمة دينه وعجز موازنته. ومع فرض كل هذه الضرائب على المصارف لن تتمكن من دعم الدولة بقروض جديدة بفوائد معقولة وسندخل في مواجهة محمومة بين البنوك والدولة. صحيح أن مصرف لبنان استعاد مركزه المالي ووصلت احتياطاته من العملات الأجنبية أعلى مستوى في تاريخها بعدما ناهزت ٤٣ مليار دولار إلا أن حجم المشكلة بدأ يخرج عن قدرة رياض سلامة بأن يحل كل شيء وحده.

 

خيار الانتخابات النيابية… إنتفاخ الدين العام أو إطفاؤه!

إذا كان من رقم يجب على اللبنانيين أن يتذكروه في الإنتخابات النيابية المقبلة فهو الدين العام. كل السياسيين اليوم يتحدثون بلغة استمرار السياسة نفسها التي أدت إلى وصول الدين إلى ما هو عليه. تقسيمات ومحاصصة وتجاذبات تبدأ في السياسة وتنتهي بتقاسم <الجبنة> تحت الشعارات الطائفية اياها. المطلوب من كل المرشحين السياسيين والمدنيين أن يشرحوا لنا كيف سيتمكنون من تحويل مسار الدين العام التصاعدي أو على الأقل وقف انتفاخه… شبعنا شعارات وكلاماً لم يؤد إلا إلى النتائج نفسها…

على أمل أن ينتصح اللبنانيون بحكمة <اينشتاين>: لا يمكن الوصول إلى نتائج مختلفة إذا استخدمنا الوسائل نفسها (أو السياسيين أنفسهم).