24 October,2017

إلى أين تتجه أسعار النفط؟ 

 

بقلم خالد عوض

عون

من الصعب التنبؤ بمسار أسعار النفط لأنها تخضع لعدة تأثيرات، منها التوترات الإقليمية والعالمية والضجة الإعلامية التي ترافقها، ومنها الكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى موازين العرض والطلب العالمية، ومستويات الإنتاج في الولايات المتحدة والشرق الأوسط وروسيا، وحجم الاحتياطات الدفينة في هذه المناطق وغيرها من البلدان الغنية بالبترول والغاز. لذلك فإن الكلام المتداول هذه الأيام عن عودة أسعار النفط إلى مستوى الستين دولاراً خلال الأشهر المقبلة يصب في خانة التخمين. ولكن هناك عدة مؤشرات، لا تتعلق لا بالمضاربات أو الإشاعات أو الاستقرار السياسي العالمي، تدفع إلى النظر إلى النفط في هذه المرحلة بطريقة مختلفة عن السنوات الثلاث الماضية.

في البداية يبدو أن النمو في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة بدأ بالانحسار. للتوضيح، النمو في الإنتاج هو الذي يتراجع وليس الإنتاج. هذا يعني أن الكلام عن فوائض إضافية كبيرة جديدة في النفط الطفيلي أو الصخري لم يعد دقيقا. وحسب البيانات الصادرة من الولايات المتحدة فإن إنتاج النفط الصخري يمكن أن يصل لذروته خلال خمس سنوات أي حتى عام ٢٠٢٣ على أبعد تقدير.

المؤشر الثاني يأتي من الصين. النمو الاقتصادي في الصين مستقر في مستوى أعلى من ٦ بالمئة وبالتالي الطلب على النفط هناك في نمو مطرد. ومع الإجراءات الصينية الداخلية لتحفيز الاقتصاد والطلب الداخلي، يبدو أن الحاجة إلى النفط ستستمر في النمو لفترة غير قصيرة.

الإشارة الثالثة آتية من أوروبا والولايات المتحدة نفسها حيث يبدو أن النمو الاقتصادي في المنطقتين مستمر في التعافي.

وإذا صح كل ذلك يعني أن النفط يمكن أن يعود إلى الارتفاع مدعوما بالطبع من كل الأحداث العالمية من كوريا الشمالية مرورا بإيران وصولا إلى العراق وكردستانها وحتى سوريا التي أصبحت ساحة دولية لتقاسم النفوذ، ومعه النفط والغاز، في المنطقة.

سيناريو ارتفاع أسعار النفط مربك جدا للبنان، فمن جهة يمكن أن يدعم التحويلات المالية إلى البلد من أفريقيا والخليج ويساعد في استقرار الليرة، ومن جهة أخرى سيزيد من كلفة الخزينة وعجز الموازنة الآتي من الكهرباء واستيراد النفط وسيكشف مالية الدولة عن طريق زيادة كبيرة في الدين العام. وإذا اضفنا إلى ارتفاع اسعار النفط إمكانية زيادة الفوائد على الدولار من جديد قبل نهاية السنة، كما أشار <الاحتياطي الفيدرالي بري الأميركي> في اجتماعه منذ أسبوعين، تصبح المشكلة مركبة ويتحول الدين العام إلى قنبلة مالية حقيقية في البلد.

ما هو الحل أمام هذا السيناريو المالي الأسود، ولكن المحتمل؟ لم يعد أمام لبنان خيار آخر غير الإسراع في عملية إكتشاف وإستخراج الغاز. كل تأخير في هذا الملف يصب في مصلحة المراهنين على الإنهيار المالي في البلد. من دون الغاز تبدو المشكلة المالية مستعصية. حتى وعود الرئيس الفرنسي <إيمانويل ماكرون> بمؤتمرات لدعم لبنان لا يمكن أن تفضي إلى الكثير في ظل التوتر الإقليمي بين إيران ودول الخليج، التي لم تعد مستعدة نهائياً لتقديم الدعم المالي للبلد في ظل وجود إنفصام سياسي داخل وخارج الحكومة اللبنانية. يمكن من خلال مؤتمرات <ماكرون> أن نحصل على قروض جديدة تكون ميسرة، ولكنها ستزيد من الدين العام كما أنها ستشترط إصلاحات هيكلية في إدارة الدولة لا بد أن تستغرق وقتا غير بسيط لإطلاقها.

لم يعد مقبولاً التساهل في المهل الموضوعة في مسار الغاز، فمن المفروض أن يجري التلزيم قبل نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل بعد أن تم تمديد مهلة تقديم العروض من ١٥ أيلول (سبتمبر) إلى ١٢ تشرين الأول (أكتوبر). ولكن في ظل الخلاف السياسي المتأتي من إعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، ومع تأزم العلاقة بين الرئاستين الأولى والثانية على خلفية قرار المجلس الدستوري نقض قانون الضرائب، سيقع ملف الغاز من جديد في أتون الخلافات الداخلية.

تبدو الطبقة السياسية في لبنان اليوم تائهة تماماً، فهي تعرف أن صناديق الإقتراع ستعاقبها بطريقة أو بأخرى، لذلك لا بد أن تصعد اللهجة السياسية لشد العصبيات، ولكن في الوقت نفسه لا بد وأن تتفاهم بشكل أو بآخر على ملف الغاز قبل أن يعصف بالبلد الإعصار المالي.

يبدو أن البلد سيكون أمام شعارين سياسيين مبطنين في المرحلة المقبلة: <من دون غاز لا انتخابات> و«من دون انتخابات لا غاز>.

وفي الحالتين، البلد ومواطنوه يدفعون الثمن الذي ما برح يرتفع، تماما كأسعار النفط.