25 September,2018

إقرار قانون الزواج المدني في لبـنان مـا زالـت دونـه عقـبـات!

بقلم وردية بطرس

خلود-سكرية-ونضال-درويش-او-ثنائي-يتزوج-مدنياً-على-الاراضي-اللبنانية

منذ ان طُرح موضوع الزواج المدني في لبنان في العام 1951 أثار جدلاً كبيراً، اذ انقسمت الآراء حوله بين مؤيد ومعارض له حيث يرى المؤيدون انه وسيلة لتحرير المجتمع والدولة من العصبية الطائفية والمذهبية، فيما يرى المعارضون انه لا يندرج فقط في اطار العلمانية بل يهدف الى الغاء الدين… وفي العام 1998 طرح الزواج المدني كقضية ساخنة، وأحدث جدلاً كان بطله من طرح القضية رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي. ومع ان القانون طُرح على مجلس الوزراء في العام 1999وحاز موافقة بالأغلبية ليتم اعتماده بالتالي، الا انه حُجب وتم تجميده بعد ضغوط مُورست على رئيس الوزراء الشهيد رفيق الحريري، حالت دون توقيعه المشروع حينذاك، واعتذر موجزاً موقفه بالقول <ان ظروف لبنان لا تسمح الآن بذلك>.

وفي العام 2013 مهّد زواج نضال درويش وخلود سكرية الطريق أمام لبنانيين كثيرين لاقامة زواج مدني في بلد الطوائف الـ18. وكانت خطوة خلود ونضال صعبة، لأنه أول زواج مدني في لبنان اذ اختارا الزواج المدني لأنهما يعتبران انه الأنسب لعلاقة زوجية مبنية على الشراكة الحقيقية والمساواة ورفض التبعية… <نصرّح مختارين غير مكرهين، متساوين في القانون وأمامه طبقاً للدستور في مقدمته والتزامه الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وخصوصاً المادة 16 منه، نصرّح بأن الرجل منا قد قبل المرأة زوجة له، كما قبلت المرأة بالرجل زوجاً لها>… انها احدى العبارات الواردة في عقد الزواج الذي وقعّه كل من خلود سكرية ونضال درويش اللذين وجدا ان الزواج المدني هو الأمثل لتتويج علاقتهما، وكأي ثنائي لبناني يختار هذا الزواج كان من المفترض ان تكون وجهة سفرهما الى قبرص، الى ان شاءت الصدف ان تلتقي خلود بإحدى الناشطات في المجتمع المدني في لبنان.

خلود سكرية وأول زواج مدني يُسجل في لبنان

ونسأل خلود سكرية عن بداية رحلتهما كأول ثنائي يتزوج مدنياً على الأراضي اللبنانية فتقول:

– أذكر انه ذات يوم كنت بانتظار وصول نضال خلال محاضرة عن فن التصوير، وهناك لفت نظري ملصق كُتب عليه <خلينا نتعرف على الزواج المدني والعلمانية قبل ما ياخدونا على الطائفية>. ثم توجهت شابة نحوي وقالت لي <العلمانية ليست ضد الدين>، فأجبتها: <أعرف ذلك، واذا كنت محجبة فهذا لا يعني انني ضد العلمانية>… ولكي أبرهن لها انني لست ضد العلمانية أخبرتها انني ونضال نستعد للسفر الى قبرص لنتزوج مدنياً، عند ذلك كشفت لي عن محاولة لعقد أول زواج مدني في لبنان… بحثت الفكرة مع نضال وأبلغناها موافقتنا شرط السرية التامة لتخوفنا من عدم قبول الأهل بالفكرة، عندها التقينا بطلال الحسيني الذي وضع دراسة المشروع، وبعد جلسات عدة معه ليتأكد من اننا مستعدون للخطوة التي سنقوم بها، بدأت الاجراءات بعد ان توصلت الى اتفاق مع أهلي بأن يتم ما يُسمى دينياً بـ<كتب الكتاب> شكلياً من دون ان يُسجل الزواج في المحكمة الشرعية، وهكذا تزوجنا مدنياً بالفعل.

هلا ابو علي والنضال المستمر في حركة <شمل> للمطالبة بقانون للأحوال الشخصية

اليوم أصبح المجتمع المدني في لبنان ناشطاً وفعالاً، فكم من القضايا طُرحت وأوجدت لها الحلول ولو بنسبة قليلة نظراً لجهود المجتمع المدني؟! فها هي حركة <شمل> وهي حركة شبابية مدنية التي كثفّت نشاطاتها منذ العام 2006، وكان التحرك الأول لها في العام 1998، وبعدها كرّست تاريخ 18 آذار (مارس) <يوم حرية الاختيار> تزامناً مع إقرار مجلس الوزراء يومئذٍ مشروع قانون الزواج المدني، ثم أقامت تحركاً كبيراً في العام 2015 بعنوان <عرسنا مع وقف التنفيذ>. لقد أرادت حركة <شمل> متابعة قضيتها، قضية الأحوال الشخصية لتكريس قوانين جامعة تمس العائلة والمجتمع. وعن النضال في سبيل القضية تقول منسقة حملة الأحوال الشخصية في <شمل> هلا ابو علي:

– لكي لا يموت النضال في سبيل هذه القضية، نحاول ان نظل حاضرين على الساحة، لنقول اننا لن نتخلى عن مطالبنا وسنرفع صوتنا ليصل الى السياسيين. وتعود الرحلة مع قانون الأحوال الشخصية الى العام 2011، حين كان ثمة اقتراح قانون خرج من مجلس النواب الى اللجان النيابية المشتركة، وتلك كانت المرة الأولى في تاريخ لبنان التي يصل فيها قانون للأحوال الشخصية الى اللجان. الزواج المدني حق لنا، لكن الدولة لم تشرعه ولم تقرّ قانون الأحوال الشخصية. والظلم من ناحية الحقوق يقع على من خاض هذه التجربة، إذ يسافر اللبنانيون الى الخارج ليتزوجوا مدنياً ثم تسجّل لهم الدولة هنا زواجهم رسمياً، فأي ازدواجية هذه؟ ومنذ سنتين دعينا لاعتصام شاركت فيه النساء اللواتي تزوجن مدنياً او اللواتي تزوج أولادهن مدنياً. ثمة صورة نمطية عن المرأة انها الطرف الأضعف في المجتمع، لكنها باقدامها على الزواج المدني تكون قد كسرت القيود كلها. لقد كان اعتصامنا تحية للمرأة ولجرأتها، ونحن نطلب من كل سيدة تزوجت مدنياً ان تناضل لإيصال صوتها. لقد كانت الاعتصامات السابقة مخصصة للمناضلين في مجال الأحوال الشخصية، بينما تشكل المرأة اليوم الحدث الأساس، وعلى النساء ان يمسكن أيدي بعضهن البعض ويطالبن بقانون للأحوال الشخصية.

المحامي-جان-بول-ديبوعن نشاطات <شمل> تشرح هلا قائلة:

– جرت العادة ان تنظم <شمل> لقاءً مماثلاً في 18 آذار/ مارس من كل عام، وهو تاريخ ايقاف الرئيس الشهيد رفيق الحريري مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي قدمه الرئيس الراحل الياس الهراوي في العام 1998. النضال يحتاج الى نفس طويل والى صبر، اما الناس فيريدون تحقيق المطالب من غير بذل اي جهد ومن دون النزول الى الاعتصامات والمشاركة فيها، بيد أنه لا يمكن ان تبلغ ما تريد بين ليلة وضحاها. الطبقة السياسية والدينية مستفيدة من غياب قوانين للأحوال الشخصية، لذلك لن تقدم لنا هذه القوانين على طبق من فضة، بل نحن من يجب ان ننتزعها انتزاعاً عبر التحركات والاعتصامات التي يجب الا تتوقف الا حين نيل المطالب.

وعن أصل المشكلة قالت:

– في لبنان اليوم 40 ثنائياً تزوجوا مدنياً، وبالتالي عندهم الحق لدى الدولة بتسجيل عقد الزواج المدني، انما المشكلة هي عند الدولة وليست عند الأفراد، وعلى الدولة ان تقدم الحل، لأنه من المؤسف اليوم ان تبقى سلطة مفاعيل تسجيل الزواج لدى المراجع الدينية، لأنه بذلك تكون الدولة قد سلّمت سلطتها التشريعية بكل بساطة الى المراجع الدينية او القانون الأجنبي، فيما المطلوب واحد.

وأضافت قائلة:

– ان بعض اللبنانيين يستندون الى القانون الرقم 60، فيتسجلون خارج نطاق الطوائف، على الرغم من ان كل سجلاتنا لا تزال سجلات طائفية، فيعتمدون الى اجتهاد قانوني يقر بالقانون المدني منذ أيام الانتداب الفرنسي، وبالتالي يلجأون بذلك الى القانون الأجنبي، فيما تخوّفنا اليوم من ان تقف القضية عند حد المطالبة بتسجيل عقود الزواج، فتموت المطالبة بإقرار قانون مدني، الا اذا كان ثمة من يريد ان يبني الطائفة الرقم 19، وهنا خطورة أكبر تكمن في تعزيز الوضع الطائفي واضافة طائفة جديدة.

 

المحامي جان بول ديب وقانون الزواج المدني

 

من جهته يعتبر المحامي جان بول ديب ان الزواج المدني في لبنان ليس حديثاً، فهو يعود الى العام 1951 حين نُوقش في البرلمان ثم رُفض، ويقول:

– في العام 1965 بدأت جمعيات علمانية تطالب به من جديد عبر التظاهر وعاد ليُطرح في البرلمان من جديد في العام 1975، ثم عاد ليُطرح مجدداً في العام 1998 على أيام الرئيس الراحل الياس الهراوي، وفي العام 1999 نُوقش مشروع قانون الزواج المدني في مجلس الوزراء حيث تمت الموافقة عليه بالأغلبية (21 صوتاً)، الا ان الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يوقع على المشروع ولم يقدمه للبرلمان للتصديق عليه بحجة ان ظروف لبنان لا تسمح بذلك إذ ان المشروع قُوبل بالرفض من المراجع الدينية. أما الزواج المدني فهو عقد مثل العقود المدنية كافة التي يجب ان تتوافر فيها الشروط القانونية، الا ان طبيعته الخاصة تفرض وجود شروط خاصة لكل من أركان العقد اضافة الى ان يكون معقوداً خارج الأراضي اللبنانية لكي يتم الاعتراف به وتسجيله في دوائر النفوس والأحوال الشخصية الرسمية. ويتابع قائلاً:

– تتعدد المراجع القضائية المختصة بالنظر في النزاعات الناشئة عن الزواج نظراً الى تعدد الطوائف التي يوجد لكل منها قانونها المستقل، فالى القضاء المدني هناك القضاء الشرعي بفرعيه المذهبي والروحي للفصل في مسائل الأحوال الشخصية. فقد نصت المادة 179 انه تختص المحاكم المدنية بالنظر في المنازعات، وبناء على ذلك تكون المحاكم المدنية اللبنانية مختصة للنظر بالنزاعات الناشئة عن الزواج المدني المعقود في الخارج بين مسيحيين او بين زوجين مختلفين دينياً: مسلم ومسيحية ام مسيحي ومسلمة، او بين مسلمين من مذاهب مختلفة. أما اذا كان الزوجان من المذهب الديني نفسه (سني او شيعي) فتكون المحاكم الشرعية (السنية او الجعفرية) التي ينتمي اليها الزوجان مختصة للنظر بالنزاعات سنداً للمادة 18 من قانون القضاء الشرعي السني والجعفري. اما اذا كان أحد الزوجان سنياً والآخر شيعياً فيكون الاختصاص للمحكمة الشرعية التابع لها مذهب الزوج سنداً للمادة 61 من قانون القضاء الشرعي المذكور. ويخضع الزواج في لبنان كبقية المسائل المتعلقة بالحقوق العائلية، للقوانين الخاصة بكل طائفة من الطوائف المعترف بها ويدخل النظر في النزاعات الناشئة عنه ضمن اختصاص المحاكم الدينية اي الروحية او الشرعية او المذهبية بحسب الطائفة التي ينتمي اليها الزوجان، فلا يوجد قانون مدني موحد يرعى جميع المسائل المتعلقة بالحقوق العائلية.

هلا-ابو-علي-منسقة-حملة-الاحوال-الشخصية-في-حركة--شملوعن المادة 16 من القانون الصادر في العام 1951 يشرح قائلاً:

– لقد نصت هذه المادة على انه يُعتبر باطلاً أي زواج لبناني ينتمي الى احدى الطوائف المسيحية أمام مرجع مدني، والحال نفسه يسري على الدرزي، أما بالنسبة للطوائف المسلمة فإنها لم تنص صراحة على بطلان مثل هكذا زواج الا انها حصرت صلاحية عقد زواج المسلمين في المحاكم الشرعية التي يقع ضمن صلاحياتها محل اقامة أحد الزوجين، كما ان دوائر الأحوال الشخصية تمتنع عن تسجيل عقد الزواج المنظم في لبنان والذي لا يحمل تصديق او توقيع المرجع الديني الذي تم على يده عقد الزواج.

ــ وماذا ينص القانون اللبناني عن وضع الأولاد الناتجين عن زواج مختلط بما يتعلق بمسألة الارث؟ وما هي المشاكل المتعلقة بالأطفال الناتجين عن الزواج المدني؟

– بالنسبة الى مسألة الارث فإن الأولاد الناتجين عن زواج مختلط يُطبق عليهم قانون الأحوال الشخصية اللبناني اي القانون الذي يخضع له الزوج او الأب. فإذا كان الزوج او الأب من الطائفة المسيحية فيطبق قانون الأحوال الشخصية لغير المحمديين، اما اذا كان الزوج او الأب من الطائفة المسلمة فيطبق قانون الأحوال الشخصية للمحمديين.

وأضاف:

– تجاه الدولة لا يواجه الزواج المدني مبدئياً اية مشاكل بحيث ان الأخيرة تقوم بتسجيل الزواج المدني في دوائر النفوس المختصة، انما تبرز المشاكل التي تواجه الأطفال الناتجين عن زواج مدني من خلال ما يواجهونه من تعقيدات أمام المراجع الدينية، إذ إن الطوائف المعترف بها في لبنان لا تعترف بالزواج المدني، وبالتالي فإنها تنظر الى الأولاد الناتجين عن الزواج المدني بأنهم أولاد غير شرعيين، فإذا كان الأولاد مسيحيين او مسلمين فإنهم يلاقون صعوبة في الاستحصال على مستندات من مراجعهم الدينية، فمثلاً عند الطوائف المسيحية اذا طلب الزوجان ورقة المعمودية من الكنيسة فإنها لا تمنحهما اياها الا اذا تعهد الزوجان بإتمام الزواج من جديد أمام الكنيسة. وبالنسبة للزواج المدني، فيختص القاضي المنفرد المدني الناظر في الأحوال الشخصية بالنظر في الزواج المدني بحسب اقامة أحد الزوجين، ولا يوجد تمييز بين الرجل والمرأة حيث يعطى كل طرف حقوقه، كما ويراعي الزواج المدني حقوق الأولاد جيداً بحيث يحكم بما تقتضيه مصلحة الأولاد.

ــ وماذا ينص القانون اللبناني حول نسب الأولاد الناتجين عن زواج مدني من الطائفة نفسها او من طائفتين مختلفتين؟ وهل يتم تسجيل الأولاد في الدوائر الرسمية اللبنانية؟

– يعتبر الأولاد شرعيين ناتجين عن زواج شرعي لكون الزواج المدني معقوداً خارج لبنان ويُسجل أصلاً في دوائر الأحوال الشخصية اللبنانية، وتتبع مفاعيله كافة لاسيما لجهة الأولاد، اذ ان الوزارة المختصة في البلد الأجنبي ترسله الى السفارة اللبنانية في البلد الأجنبي التي بدورها ترسله بواسطة الحقيبة الديبلوماسية الى الخارجية اللبنانية وهذه الأخيرة ترسله بدورها الى وزارة الداخلية ليُسجل حسب الأصول في دوائر الأحوال الشخصية.

ــ وماذا ينص القانون اللبناني عن وضع الأولاد في حال الطلاق؟ ولمن تحق له الحضانة سواء كان زواجاً للطائفة نفسها او زواجاً مختلطاً؟

– في حال الطلاق فلا يطبق القانون اللبناني على الزوجين بل ان المحاكم اللبنانية تنظر بدعوى الطلاق وهي ملزمة بتطبيق القانون الأجنبي اي قانون المكان الذي انعقد الزواج في ظله (الحضانة، النفقة، وجميع ما ذكر في العقد الأجنبي)، وبالتالي فإن الحضانة مرتبطة ارتباطاً كلياً بقانون البلد الأجنبي الذي انعقد في ظله الزواج.