23 February,2020

إقتصاد لبنان أصبح خارج حدوده!

سياسة أفضل الممكن تحكم البلد الى حين نضوج التسوية الإقليمية

1

الأولوية الأميركية في الشرق الأوسط حالياً هي لوقف المد <الإرهابي> المتنامي من العراق إلى لبنان. منذ خروج الجيش الأميركي من العراق والإدارة الأميركية، تجد في إيران وحلفائها في المنطقة الشرطي المثالي للجم <القاعدة> ومشتقاتها. وبما أن الولايات المتحدة تتهيأ للانسحاب من أفغانستان، فإن إيران هي أيضاً الحليف الأمثل لاحتواء <طالبان>. أما ذهاب بشار الأسد فهو آخر ما تتمناه حالياً إدارة الرئيس الأميركي <باراك أوباما> والكلام عن تسليح المعارضة المعتدلة في سوريا ذر للرماد في عيون الخليجيين.

وما حصل في الموصل ودير الزور مؤخراً حيث بسطت <داعش> نفوذها بالقوة في المنطقتين معتمدة على بنية عسكرية ومالية لا تتوافر عادة إلا عند الدول يعزز مخاوف الأميركيين ويقربهم من إيران كما يظهر أن المشكلة في المنطقة أعمق بكثير من وجود بشار الأسد أو رحيله.

هناك خلاصات تجلت بقوة من الأحداث الأخيرة في سوريا والعراق:

1 – سقطت الحدود بين البلدين بالمعنى الأمني. قوافل <داعش> و<لواء بدر> تتنقل بسهولة على طول الخط البالغ ٦٠٥ كيلومترات بين سوريا والعراق من دون حسيب أو رقيب. وسبق أن سقطت الحدود أيضاً بين سوريا ولبنان، حيث تنقل ولا يزال مقاتلو حزب الله من دون أي إعاقة. ورغم الاستقرار النسبي الذي ما زال لبنان ينعم به، فإن البلد جزء من المواجهة السنية الشيعية الممتدة من العراق عبر سوريا إلى لبنان.

2 – فقدت الجيوش الوطنية في هذه المنطقة اليد الطولى. الجيش العراقي في حالة تفكك والجيش السوري غير قادر على حسم أي معركة من دون الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والجيش اللبناني يعمل تحت سقف <المقاومة> وليس العكس. في غياب السلطة المطلقة للجيوش النظامية على أراضيها، أصبحت البقعة الجغرافية الممتدة من بغداد إلى بيروت رهينة الصراع المذهبي والميليشيات المنضوية فيه مما يعني أن نفوذ <الدولة> في هذه المنطقة أصبح مقيداً بالواقع المتفلت على الأرض.

3 –  لن يحسم الصراع السني الشيعي بالوسيلة العسكرية مهما طال وتوسع. المشكلة أصبحت بحاجة إلى مظلة إقليمية ودولية ترعى حلاً مستداماً وما يحصل على الأرض هو كسب للمواقع بانتظار التسوية التي يمكن أن تتأخر

سنوات.

كل ذلك يعني أن لا حل مستقلاً في العراق أو سوريا أو لبنان بمعزل عن حل شامل وتسوية إقليمية. والبحث لم يعد في أي نظام نريد في لبنان أو صلاحية <الطائف> أو اسم رئيس الجمهورية أو

2

قانون الإنتخابات النيابية، بل هو في حدود تماهي لبنان مع سوريا والعراق وشكل التسوية التي ستشمل الدول الثلاث. وأي استحقاق داخلي آخر هو تقطيع للوقت.

الارتباط الإقليمي الذي وقعنا فيه يفرض نظرة اقتصادية خاصة تنطلق من فكرة التعايش مع الواقع والسعي لتخفيف الأضرار. حتى الآن يبدو أن هناك فصلاً بين المجريات الأمنية والسلطة الإقتصادية. فـ<الدولة> في العراق وسوريا ولبنان لا تزال تمسك بالقرار الإقتصادي المطلق وتتحكم بالأولويات المالية. ولكن الواقع المتفلت على الأرض يعني أن مزاريب الهدر في الموانئ لا يمكن سدها وأن الفساد سيتمدد أكثر فأكثر في غياب الوهرة الأمنية للدولة وأي إمكانية حقيقية للمحاسبة. كما أن أعمال الجباية مرتبطة نسبياً بالحالة الأمنية، وبالتالي لن تحقق المنتظر منها. كل هذا يعني أن مداخيل الدولة ستتراجع وعجز ميزانيتها سيتفاقم لأنها مضطرة إلى الاستمرار في الإنفاق بالوتيرة نفسها. واستطراداً فإن مالية الدولة ستضعف وستتراكم الديون خاصة في غياب النمو الإقتصادي المرتبط بالحالة السياسية المهزوزة والوضع الأمني الهش.

رغم كل ذلك لا خطر قريباً على الاستقرار النقدي في لبنان بفضل تحويلات اللبنانيين وسياسة مصرف لبنان ومتانة القطاع المصرفي. ولكن هذا يؤكد أن اقتصاد لبنان الحقيقي أصبح في الخارج وليس في الداخل. وبما أن أكثر من نصف التحويلات تأتي من دول الخليج، فيمكن القول ان هذه الدول تملك اليد العليا في أي حل إقتصادي تماماً كما تملك إيران اليد العليا في الحل السياسي والأمني. هذه الصورة تنعكس إلى حد بعيد في النقاش الدائر بين العماد ميشال عون والرئيس سعد الحريري.

لبنان واقتصاده وانتخاباته المختلفة بتوقيت التسوية الإيرانية الخليجية. ومن دون التسوية تبقى سياسة تخفيف الأضرار، مع الأسف، هي أفضل الممكن.