19 November,2018

إعلان الحريري التزامه مضمون «مبادرة » لقائه مع فرنجية لم يحمل جديداً يحرّك الاستحقاق الرئاسي المجمّد!  

_HUS5963 بعد 14 شباط/ فبراير 2016 لن يكون الاستحقاق الرئاسي اللبناني كما كان قبل هذا التاريخ، فالخطاب الذي ألقاه رئيس تيار <المستقبل> الرئيس سعد الحريري في <مجمّع البيال> في الذكرى الحادية عشرة لاستشهاد والده الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، أسقط كل لُبس يمكن أن يكون قد اعترى موقفه من المبادرة التي وُلدت يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، يوم التقى في دارته في باريس مع رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية واتفق معه على أن يكون مرشح <المستقبل> لرئاسة الجمهورية. ذلك أن العرض الذي قدّمه الرئيس الحريري في كلمته حول الاستحقاق الرئاسي وكشف فيه عن ثلاث محاولات لم تنجح لانتخاب الرئيس العتيد، محورها ترشيح رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع أولاً، ثم محاولة تمرير الرئيس أمين الجميل رئيساً مرة ثانية للجمهورية، وصولاً الى حواره مع رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، الى أن انتهى المطاف بترشيح النائب فرنجية… كل ذلك العرض قطع الطريق أمام مزيد من الاجتهادات والتوقعات وجعل المشهد الرئاسي أكثر تازماً، لأن الرئيس الحريري اعتبر أن هناك ثلاثة مرشحين للرئاسة هم العماد عون والنائب فرنجية والنائب هنري حلو، وعلى النواب المقاطعين النزول الى مجلس النواب وممارسة اللعبة الديموقراطية بانتخاب أحد الثلاثة ليكون الرئيس الثالث عشر للجمهورية، مؤكداً التزامه بما تم الاتفاق عليه مع النائب فرنجية في <لقاء باريس>، و<نحن عند التزامنا وعندما نعطي التزاماً نذهب الى الآخر>! لكن اللافت أن الحريري لم يُعلن رسمياً ترشيح فرنجية لكنه التزم مبادرة <لقاء باريس>.

وإذا كانت دعوة الرئيس الحريري الى ممارسة الديموقراطية وعدم التعطيل لاقت ترحيباً مباشراً وفورياً من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط بعد لقائه الرئيس نبيه بري في عين التينة، فإن مضمون خطاب <البيال> المباشر هذه السنة أيضاً، وليس عبر الشاشة الكبيرة، طرح الكثير من التساؤلات في الأوساط السياسية والديبلوماسية حول ما يمكن أن يؤول إليه الاستحقاق الرئاسي في الآتي من الأيام، خصوصاً أن زعيم <المستقبل> يعرف معرفة تامة أن إلقاء تبعة التعطيل على نواب حزب الله والتيار الوطني الحر الممتنعين عن الحضور الى ساحة النجمة لإكمال النصاب القانوني لجلسة انتخاب الرئيس العتيد، لن يبدّل في الواقع السياسي القائم ولن يفتح الباب أمام إنهاء الشغور الرئاسي، لاسيما وأن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله كان حاسماً في إطلالاته التلفزيونية الأخيرة لجهة التأكيد على عدم حضور الجلسة النيابية، إلا إذا كانت نتيجتها فوز العماد عون برئاسة الجمهورية. وهذا الأمر أكد عليه أيضاً العماد عون نفسه والأفرقاء الذين يدعمون ترشيحه، ومنهم حزب <الطاشناق> الأرمني وبعض أحزاب 8 آذار، من غير كتلة الرئيس نبيه بري التي يميل رئيسها الى تأييد النائب فرنجية وإن لم يعلن ذلك رسمياً بعد. وعليه، فإن الأوساط نفسها تتوقع حصول المزيد من النقاش والجدال حول الاستحقاق الرئاسي من دون أن يعني ذلك Hariri-11-Years-1718أنانتخاب الرئيس سيتم في الجلسة النيابية المقبلة يوم 3 آذار/ مارس المقبل، إذا ما استمرّت المواقف على حالها.

 

انتقادات جادة لحزب الله

وسجلت الأوساط السياسية جملة من الملاحظات على مضمون خطاب الرئيس الحريري في ذكرى استشهاد والده، أبرزها الآتي:

– وجّه رئيس تيار <المستقبل> انتقادات حادة الى حزب الله من دون أن يسميه مرة واحدة في خطابه، لاسيما عندما قال إن <زمن الاستقواء بإيران لن يصنع قادة أكبر من لبنان>، وعندما تحدث أن رئاسة الجمهورية أولى بالاهتمام وبذل الجهد من رئاسة الجمهورية في كل من سوريا والعراق واليمن، داعياً الى <فك الحصار> عنها وعن الحكومة ومجلس النواب <بدلاً من المشاركة في محاصرة حلب ومضايا والمدن السورية الأخرى>. كما انتقد الرئيس الحريري أيضاً دور الحزب في تعطيل الاستحقاق الرئاسي لإبقاء الفراغ في الموقع الرئاسي الأول، وفي حصر الترشيح بالعماد عون وإلا يستمر الفراغ، مُعتبراً أن هذا الموقف <ما بيركب على قوس قزح وما بيمرق على حدا>. كما غمز الحريري من قناة الحزب الذي يتحدث قادته عن <الوفاء> للعماد عون، حين قال: <نعم حلو الوفاء للحلفاء ولكن شو إلو طعمة إذا كان على حساب مصلحة لبنان؟> وفي رد آخر على دور حزب الله الإقليمي فاخر الحريري بأن تيار <المستقبل> لا يلعب أي دور إقليمي <لأن لا دور لنا سوى الاعتدال والحوار والبحث عن حلول، وغيرنا بدو يلعب بدماء عربية ويرسل شباباً للموت>.

– شملت انتقادات الرئيس الحريري إيران عندما أكد أن لبنان <لن يكون تحت اي ظرف من الظروف <ولاية إيرانية>، مؤكداً رفض التحامل على السعودية ودول الخليج العربي مطلقاً شعاره: <نحن عرب على رأس السطح ولن نسمح لأحد بجر لبنان الى خانة العداء للسعودية والأشقاء العرب>، وذلك على مسمع من السفير السعودي علي عواض عسيري الذي استُقبل بترحيب مميز لدى وصوله الى <البيال>، علماً أن سفراء دول خليجية Hariri-11-Years-563أخرى شاركوا في المناسبة.

– قارب الرئيس الحريري الحديث عن الاستحقاق الرئاسي من زاوية ما تم الاتفاق عليه في اجتماعات بكركي بين الأقطاب الموارنة الأربعة، معتبراً أنه كانت لديه الجرأة في المبادرة وتحريك المياه السياسية الراكدة من منطلق إنهاء الفراغ والمحافظة على مصلحة لبنان، لأن مصير الرئاسة – قال الحريري – في يد اللبنانيين لأنها <تُصنع في لبنان وعلى أيدي لبنانيين>، مسقطاً أي تأثير خارجي، إقليمي أو دولي عن هذا الاستحقاق. وكان لافتاً أن الحريري وضع سقفاً لأي رئيس جديد <شريك في الوطن>، وهو أن يلتزم <اتفاق الطائف>، وحدود الدستور والقانون، وحماية العيش المشترك، وتقديم مصلحة لبنان وسلامة لبنان على أي مصلحة إقليمية أخرى، ما فسرته أوساط سياسية بأنه لا يضع <فيتو> على أحد ولا يقفل الباب بوجه أحد.

 

<ما وعدت عون بتأييد ترشيحه>!

 

– ميّز الرئيس الحريري في معرض حديثه عن الاتصالات التي أجراها مع العماد عون والنائب فرنجية، فاعتبر أن الحوار مع <الجنرال> أدى الى تشكيل حكومة جديدة، في حين لم يؤدِ الى نتيجة في الملف الرئاسي، وقال <لا رشحناه (عون) ولا وعدنا بتأييد ترشيحه>. في حين كان لافتاً حرصه على تبديد كل ما قيل عن تفاهمات تمّت بينه وبين النائب فرنجية، إذ قال إن مضمون <التفاهم> الذي تمّ مع فرنجية هو ما قاله رئيس تيار <المردة> على التلفزيون (في مقابلة عُرضت على  قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال) من دون أي زيادة. وبذلك يكون الرئيس الحريري قد <برّأ> فرنجية من <التُهم> التي وُجّهت إليه عن تقديم <تنازلات للحريري> في مواضيع عدة مثل رئاسة الحكومة وقانون الانتخاب وجلسات مجلس الوزراء وصولاً الى الضريبة على القيمة المضافة!

hariri-11years4570– أعطى الرئيس الحريري لنفسه <فضيلة> خلط الأوراق السياسية بعد ترشيحه النائب فرنجية، لاسيما في دفع القوات اللبنانية الى المصالحة التاريخية مع التيار الوطني الحر، مؤكداً أنه كان أول الداعمين والمرحّبين بالمصالحة، لكنه <لطش> الدكتور سمير جعجع الذي كان حاضراً مع زوجته النائبة ستريدا جعجع في الاحتفال عندما قال له: <بس يا حكيم يا ريتها صارت من زمان كتير، قدّيش كنت وفّرت على المسيحيين وعلى لبنان>! لكنه في المقابل سجّل لـ<الحكيم> حقه في ترشيح العماد عون داعياً الى النزول الى ساحة النجمة وانتخاب الرئيس العتيد بكل ديموقراطية. واستوجبت <لطشات> الحريري ضد جعجع رداً من النائب أنطوان زهرا الذي قال إن هذا الكلام <لم يكن في محله>.

– ترك الحريري الباب مفتوحاً لإنجاز الاستحقاق الرئاسي في أي وقت عندما التزم حضور الجلسات الانتخابية <ومن يُنتخب رئيساً سنكون أول المهنئين، ونقول له <مبروك يا فخامة الرئيس، ومبروك للبنان>، رافضاً أن يحمّل أحد تيار <المستقبل> مسؤولية تعطيل انتخاب الرئيس.

– لم يخصص الرئيس الحريري وقتاً طويلاً للحديث عن موقف تيار <المستقبل> من التنظيمات الإرهابية وجرائمها كما فعل مرات عدة، لكنه أكد في المقابل أن تيار <المستقبل> ملتزم مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وهو <مشروع وطني وليس مشروعاً طائفياً او مذهبياً، هو مشروع وطني عابر للطوائف، فيما مشروع غيرنا طائفي عابر للأوطان>.

– لم تتضمن كلمة الرئيس الحريري أية إشارة الى الاستحقاق الأقرب، وهو الانتخابات البلدية والاختيارية، إذ غاب الحديث عنها كلياً في خطاب <البيال>، فيما حضر الإقرار بأن <مناخات غير مستقرة> تسود داخل 14 آذار، داعياً أحزابها الى القيام بمراجعات نقدية داخلية يمكن أن تتولى الأمانة العامة تحريكها والعمل عليها، تتناول جوانب العلاقة كافة بين هذه القوى لحماية التجربة الاستقلالية في لبنان. وتمهيداً لإعادة اللحمة الى قوى 14 آذار، دعا الحريري في ختام كلمته أركان هذه القوى الحاضرين الى أخذ صورة تذكارية معه على المسرح، على وقع النشيد الوطني، فلبّى الدعوة الرئيس أمين الجميّل، والرئيس فؤاد السنيورة، ونائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل، والوزير بطرس حرب، والدكتور سمير جعجع، والوزير ميشال فرعون، والنائب مروان حمادة، وفارس سعيد، وسمير فرنجية، ورئيس حزب الوطنيين الأحرار دوري شمعون، الذين عانقهم الحريري فرداً فرداً بعد الانتهاء من التقاط الصورة التذكارية.

– لم تحمل كلمة الحريري أية إشارة الى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، كما درجت العادة، وهو غاب عن الاحتفال وانتدب نجله تيمور لتمثيله. كما أورد الحريري اسم الرئيس بري مرة واحدة في سياق قوله عن الاستحقاق الرئاسي أنه <سيبقّ البحصة> كما يفعل الرئيس بري. وسُجل أيضاً غياب النائب فرنجية الذي انتدب الوزير ريمون عريجي لتمثيله. أما الحضور العوني فكان عبر النائب ادغار معلوف الذي مثل العماد عون والوزير الياس بوصعب الذي عانقه الحريري لدى وصوله ولم يفعل ذلك مع النائب معلوف. كما شملت قبلات الحريري الوزير أشرف ريفي والنائب خالد الضاهر ومعظم الحاضرين وبينهم السيدة مريام الياس سكاف ووالد اللواء الشهيد وسام الحسن.

IMG_0319بري: الترياق سعودي – ايراني

في أي حال، ستكون مواقف الرئيس الحريري موضع متابعة لدى الأوساط السياسية والديبلوماسية التي سترصد ردود الفعل عليها، وأول الغيث كان اعتبار مصادر في 8 آذار أن الهجوم على حزب الله لم يكن ضرورياً، في وقت ثمة من اعتبر أنها تفتح الباب أمام البحث في مسار الاستحقاق الرئاسي، ولا تقفله على المرشحين الثلاثة وعلى الدعوة الى عدم المضي في تعطيل الجلسات، لاسيما وأن الحريري قال إنه لا يضع <فيتو> على أي مرشح طالما أنه يلتزم احترام <اتفاق الطائف> ويعمل لمصلحة لبنان. وفي هذا السياق تعتبر مصادر متابعة أن الكرة الرئاسية باقية في وسط الملعب الرئاسي ولن تصل الى أي مكان متقدّم ما لم يأتِ الترياق من الحوار السعودي – الايراني المجمّد في الوقت الراهن، على حد ما أعلنه الرئيس بري بعد جلسة 8 شباط/ فبراير الجاري والتي لم يكتمل النصاب فيها نتيجة استمرار مواقف الكتل النيابية على حالها. وفي رأي الرئيس بري ان ترياق انتخاب رئيس الجمهورية لم يعد لبنانياً، وان الرهان على لبنانية الاستحقاق قد فشل!

يُذكر أن الرئيس بري كان قد أبلغ زواره أن الاستحقاق الرئاسي مرشح للبقاء في دائرة الانتظار الى فترة لا يمكن تحديدها أو التحكّم بها محلياً، حتى جلاء صورة المشهد في المنطقة وتبلور نتائج المفاوضات حول سوريا، لافتاً الى أن الايجابية الوحيدة لما دار ويدور حول الاستحقاق الرئاسي هو زوال فريقي 8 و14 آذار.